Follow by Email

الاثنين، 28 يوليو 2014

رائع هو.. إحسان الظن

رائع هو.. إحسان الظن


 الحمد لله وبعد: فمن شيم المؤمنين إحسانُ الظنون بعباد الله, فلا يتبعون سوءَ الظنّ إلا عند غلبة الشبهة, مع ذلك فلا يحقِّقُون سوءَ ظنّهم, بل يحملون لإخوانهم أعظمَ المعاذير, وأجمل المحامل, فيقول الصالح لنفسه وقد بلغه عن أخيه سوءٌ: لعلّ الخبرَ لا يثبت, لعلّها نميمةٌ وبهتان, لعلّ أخي المسلم الذي قيلت فيه القالةُ لم يقصد, لعلّه كان ناسيًا, لعلّه كان غافلًا, لعلّه لعلّه.. فيستطيلُ في تلمّس أعذارِ أخيه, فيروح وقد أراحَ فؤاده من حرارة الأحقاد, ووساوس المعاداةِ, فيكسب بذلك أربح التجارات, إذ قد ربح أجره, وربح راحة نفسه, وربح محبّة الناس له, وربح النُّجحَ في أموره لحسن نيّته, فالله شكور حميد, وربح حُسن العاقبة في الدنيا, فكم ممن قصد الإضرار بعبدٍ ثم تاب وأناب وشكر ذلك المضرور على إحسانِ ظنٍّ نفعه ولم يضرّه.
    والطباع سراقةٌ, والجبلّات نزّاعة, وإنّما الحلم بالتحلّم, ومن فروع الحلم حسنُ الظنِّ, ويتأتّى بالدُربة والممارسة وتعلّمِ أسبابِ ذلك, وتلمّحِ موارده, والبحثِ عن متمماته, وفحصِ غوائلِ النفسِ, وتنظيفِ دغائلِها على من لا يستحقون سوى الإحسان.
قال الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” قال بعض السلف: من جعل لنفسه من حُسْن الظَّن بإخوانه نصيبًا، أراح قلبه. وقال رجل لمطيعِ بنِ إياس: جئتُك خاطبًا لموَدَّتك. قال: قد زوجتُكَهَا على شرط أن تجعل صدَاقَهَا أن لا تسمع فيّ مقالة النَّاس.

ومرض الشافعي رحمه الله، فأتاه بعضُ إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوَّى الله ضعفك. فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني. قال: والله ما أردت إلَّا الخير. فقال الشافعي: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير. ألا رحمة الله على المُطّلبي, ما أحكمه وأرحمه وأحسن ظنه!
 ومن رام النجاة فليأخذ بأسبابها, وليتعلّق بِعُراها, وما ثمَّ إلا توفيقُ الله تعالى وهُداه, وقد جعل الله لذلك أسبابًا فمنها:
 أن يلتمسَ الأعذارَ للمؤمنين، قال ابن سيرين رحمه الله: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه. وفي التماس الأعذار راحة للنَّفس من عناء الظَّن السَّيئ، الذي يشغلها ويقلقها، وفيه أيضًا إبقاءٌ على الموَدَّة، وحفاظ عليها من الزوال والانتهاء. وكان بعض الصالحين يردّد:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحبًا   ...   لعلّ له عذرٌ وأنتَ تلومُ
ومنها: إجراءُ الأحكام على الظاهر، وإيكالُ أمر الضَّمائر إلى الله العليم الخبير، واجتناب الحكم على النِّيَّات، فإنَّ الله لم يكلِّفنا أنَّ نفتِّش في ضمائر النَّاس. لذا فالاكتفاء بظاهر الشَّخص، والحكم عليه من خلاله، من أعظم بواعث حُسْن الظَّن، وأقوى مثبتاته.
إذا ساء فِعلُ المرء ساءتْ ظنونهُ   ...   وصدّق ما يعتاده من تَوَهّمِ
قال أبو حامدٍ رحمه الله: إنَّ الخطأَ في حُسْن الظَّن بالمسلم، أسلمُ من الصَّواب بالطَّعن فيهم، فلو سكتَ إنسانٌ مثلًا عن لعن إبليس، أو لعن أبي جهل، أو أبي لهب، أو من شاء من الأشرار طول عمره، لم يضرَّه السُّكوت، ولو هفا هفوة بالطَّعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرّض للهلاك، بل أكثرُ ما يُعْلمُ في النَّاس لا يحلُّ النُّطق به؛ لتعظيم الشَّرع الزَّجرَ عن الغيبة، مع أنَّه إخبار عما هو متحقِّق في المغتاب.
هذا وقد أجاز العلماء بعض صور سوء الظن, كمن بينه وبين آخر عداوةٌ, ويخاف على نفسه من مَكْرِه، فحينئذ عليه أن يحذَرَ مكائدَهُ ومَكْرَه؛ كي لا يصادفه على غرَّة فيُهلِكَه. ومن ذلك من أظهرَ المعصية وتخلف عن الطاعة بلا عذر, كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنَّا إذا فقدنا الرَّجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أسأنا به الظَّنَّ. رواه البيهقي بسند صحيح.
قلت: وشتّان بين ظنِّهم وظنِّ أحدِ الناس الذي فقد جارَهُ عن شهودِ الجماعة بضعةَ أشهر, فأخذ في الكلام في عرضه, والحطِّ من قدره, وأن فيه من سيما المنافقين, وكذا وكذا.. ولم يكلّفْ نفسه السؤالَ عنه, ولا احتمالَ حسنِ الظن به. وفي أحد المجالس بعدما أرغى وأزبد وانتفخ بالباطل, ردّ عليه أحد جيرانه: إن فلانًا الذي ما زلتَ تتكلمُ فيه قد كان مصابًا بمرض خطير ألزمه البيت ستّة أشهر, ثم توفاه الله بعدها, فأُسقطَ في يدِ صاحبنا! ولكن بعد خراب البصرة!
إن حسن الظن هو القاعدة, وسوؤه مع مبرّره الملحُّ هو الاستثناء, فإن انقلب الاستثناءُ قاعدةً هَلَك الناس! قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمةً يظنُّ بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا.
 وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من علم من أخيه مروءةً جميلةً فلا يسمعنَّ فيه مقالاتِ الرِّجال، ومن حَسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى.
فعلى المؤمنِ الناصحِ لنفسه أن لا يبحث لها عن المعاذير والمخارج, وأن لا يُرْكِبَهَا قلائصَ التأويلِ التي لا تُغني عنه من الحق شيئًا, في إساءة الظن بما لم يؤذن له فيهم من المؤمنين, بل عليه أن يسيءَ الظن بنفسه, ويحسن الظن بالعباد, وقد حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فقال: "إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا" رواه أحمد, قال النَّووي: المراد: النَّهيُ عن ظنِّ السَّوء، وقال الخطَّابي: هو تحقيقُ الظَّن وتصديقُه دون ما يهجسُ في النَّفس، فإنَّ ذلك لا يُمْلَك. ومراد الخطَّابي: أنَّ المحَرَّمَ من الظَّن ما يستمرُّ صاحبُه عليه، ويستقرُّ في قلبه، دونَ ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإنَّ هذا لا يكلَّفُ به.
ومن جميل أقوالهم: السِّتر لما عاينت، أحسن من إذاعة ما ظننت. وقال أحد الزُّهاد الحكماء: أَلقِ حُسْنَ الظَّن على الخَلْق، وسوءَ الظَّن على نفسك، لتكون من الأوَّل في سلامة، ومن الآخر على الزيادة.
أيها المؤمنون: تكلّم أحدهم على الحسن ثم ندم واعتذر؛ فعفى عنه وأوصاه بقوله: لا تخرجنّ من بيتك وفي نفسك أنك أفضلُ من مؤمن تلقاه قط.
إبراهيم الدميجي

(لَعلّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)

(لَعلّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)
الحمد لله ............وبعد:
 فالأنعام سورة عظيمة من القرآن العظيم, وجُلُّها في ترسيخ المعتقد الحنيف وبيان صفات الجليل الجميل سبحانه, وقد اشتملت من القوارع والزواجر ما فيه كفاية للمؤمنين, روى الطبراني رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة واحدة, حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح" حسّنه ابن حجر. ومن قرأ صدرها بتدبر لم يملك قلبه إلا أن يخفق رَهَبًا وإجلالًا ومحبة ورجاءً لله رب العالمين.
وقد بين الله في هذه السورة الجامعة سنة كونية جعلها ناموسًا للبشرية بعامّة, وهي تكشف البُعد القِيَمي لفضيلة الشكر مع توضيح عاقبة ضده من المحق والسحق بعد الإمهال والاستدراج,  وأن الرزايا الدنيوية هي في حقيقتِها تنبيهات للمؤمن كي يقشع عن قلبه غبار المعصية وقَتَرَ الخطيئة ويرجع لطمأنينة الطاعة وسكينة الإيمان, قال تبارك وتعالى:  (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) كم نحن بحاجة ملحة لمثل هذه الجرعات الإيمانية التي تحقن في قلب المؤمن حب التوبة وعدم الركون للزائلة والاعتبار بمن غبر والاعتصام بالله تعالى والضراعة إليه والانكسار بين يديه. فما أقرب العبد من رحمة ربه إذا ألقى لربه مقاليد أموره وتبرأ من الحول والطول إلا به وابتهل إليه ابتهال المضطر الملهوف, واعترف بذنبه وخضع وخشع.
البأساء هي الفقر وضيق العيش, أما الضراء فهي الأسقام والآلام, والتضرع هو الدعاء الملحّ مع الافتقار والانكسار, وتلك المحن عتاب لطيف لتثوب الأمم لربها عن معصيته, فابتلاهم بالشدة ليضرعوا إليه فلما لم يفعلوا ابتلاهم بالنعم, وهذا من المكر بهم, وهذا الاعتبار للفرد وللجماعة, ثم قال الله تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) وهنا إغراء وتوبيخ, أي فهلّا إذ ابتليناهم وامتحنّاهم بذلك عادوا إلينا بالتوبة والندم والاعتراف؟! ولكن الحاصل أنّهم أصروا على تنكّب محجّة التوابين وبدلًا من توبتهم ازدادوا جرمًا وكفرًا فعوقبوا بالرّان والقسوة على قلوبهم, وأبعد القلوب عن الله هو القلب القاسي, ومن لم تلينه مواعظ القرآن وتغير الأحوال فلينتظر المليّن الأعظم بنار تلظّى, عياذًا بوجه الله تعالى.
وإن من أشد العقوبات على الذنب أن يُبتلى المذنب بذنب آخر فتجتمع عليه حتى تقسّي قلبه وتوبق مثواه! ويزيّن الشيطان عملَه السيّء حتى إذا وافاه غدًا وحقّت الحقائق وذابت الشهوات وانقشعت غيوم الغفلات تبرأ منه!
ثم قال الله تعالى: (فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) أي فلمّا تركوا الحق خلفهم وأعرضوا ابتلوا بفتح الدنيا ولذتها الزائفة ولحظتها الزائلة, فأصاب سكرُ الغفلة قلوبهم في مقتل, وفرحوا بسحابة صيف مارّة, وتباشروا بلعنةٍ في لباس نعمة! فأتاهم العذاب بغتة فاصطلم نعيمهم وسحق دنياهم, وألحقهم بنار الأبد فما أشقاهم! والمُبْلِسُ هو الآيس من كل خير, وأشد العذاب ما كان بغتة. فعلى الناصح لنفسه أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بربه. قال قتادة رحمه الله: بغتَ القومَ أمرُ اللهِ, وما أخذ الله قطُّ قومًا إلا عند سلوتهم ونعمتهم وغِرَّتهم, فلا تغترّوا بالله. وقال الحسن رحمه الله: من وُسِّع عليه فلم ير أنّه يُمكر به فلا رأي له. وقال إسماعيل بن أبي رافع رحمه الله: من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة.
وقد ثنّى الله هذه الموعظة في سورتي الأعراف والمؤمنون قرعًا لقلب كل ناصحٍ لنفسه مريدٍ سعادتها لأبدِ الأبد, ففي سورة المؤمنون قال سبحانه: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) وفي الأعراف: (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون) فلم يضرعوا لربهم فأمهلهم وأملى لهم, ثم استدرجهم بإدرار الأرزاق عليهم ورفع بلاء الدنيا عنهم فقال: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا) أي كثر عديدهم وزاد نفرهم وانبسط نعيمهم فطغوا ولم يخضعوا وكفروا ولم يشكروا (وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء) أي هذا فعل الأيام وما نحن إلا كغيرنا ممن سبق, فكانت سنة الله أمامهم ومن فوقهم فغدوا كأمس الدابر فجأة: (فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون)
ثم قال سبحانه بعد تحذير الناس من عذابه بياتًا أو ضحى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) أشهد أنهم خاسرون كل الخسار, عياذًا بالله من مكرِه, وفي المسند بسند حسّنه الأرنؤوط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبارك قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج) وقال الحسن: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجلٌ, والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. اللهم عفوك وغفرانك ورحمتك.
وبعد: فهلّا نظر كل منا لنفسه ونقدها نقد بصير, واستعان بالله في هدايتها لتكون مطمئنة للحق علمًا وعملًا, ساعية لبحبوحة الجنة وفردوسها الأعلى, فالجنة تريد عملًا لا كسلًا وجِدًّا لا لعبًا, وهي يسيرة على من يسرها الله له, وليس بين ولي الله وبينها إلّا أن تخرج الروح من الجسد, مالم تحبس في كبيرة أو دَيْنٍ. وكل نعيم دونها غرور, وكل ساعة في رياضها سرور, (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
وخيرًا نفعل لأنفسنا إن أصغينا إلى مواعظ القرآن, فالحياة تنحسر عنا شيئًا فشيئًا حتى يحين رحيلنا الأخير, اللهم اجعله لجنات النعيم. 
أخي المؤمن: هل رأيت وجه الموت بحادث أو مرض ونحوه ثم توارى عنك؟ اعلم أنها رسالة من الدار الآخرة وبرقية من البرزخ فاجعلها منك على ذُكرٍ وللحميد شاكرًا حامدًا محبًّا.
إبراهيم الدميجي
20 رمضان 1435

يا معاذ.. ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله

يا معاذ.. ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله

الحمد لله....................... وبعد:
 فتوحيد رب العالمين, وإله السماوات ولأرضين, هو تحقيق للشهادتين, وهو أعظم التكاليف بإطلاق, كما قيل: أمرٌ هذا شأنه؛ حقيق أن تُثنى عليه الخناصر, ويُعضّ عليه بالنواجذ, ويقبض فيه على الجمر, ولا يؤخذ بأطراف الأنامل, ولا يؤخذ على فضلة, بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يُطلب على الفضلة. ومن لطف الله ورحمته أن جعل حروف لا إله إلا الله كلها لسانية ليس منها حرف شفهي, كي يسهل نطقها على المحتضر, «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أبو داود وعند الشيخين مرفوعاً: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
والتوحيد هو حقيقة الإسلام الذي جاء به نبينا صلوات الله وسلامه عليه, قال الإمام المجدد في الأصول الثلاثة: «...وهذا دينه, لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلّا حذرها منه، والخير الذي دلها عليه؛ التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه. والشر الذي حذرها منه؛ الشرك وجميع ما يكره الله ويأباه».
وكلمة التوحيد قامت بها السماوات والأرض, وخُلق من أجلها الخلق, ونصبت من أجلها الموازين, وقام لأجلها سوق الجنة والنار, وأسست بها الملة, وجردت لأجلها سيوف الملة.
قال الشيخ حمد بن عتيق في إبطال التنديد: «توحيد الألوهية أول واجب على المكلف, وقد أفصح القرآن فيه كل الإفصاح, وأبدى فيه وأعاد, وضرب لذلك الأمثال, وفيه وقعت الخصومة بين الرسل وأتباعهم» وبوّب الإمام المجدد في كتاب التوحيد (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب) وفي حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم على ذلك الباب: «تحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد, وتحقيقه من وجهين؛ واجب ومندوب؛ فالواجب تخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي, فالشرك ينافيه بالكلية, والبدع تنافي كماله الواجب, والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه. والمندوب هو تحقيق المقربين الذين تركوا مالا بأس فيه حذراً مما فيه بأس, وحقيقته انجذاب الروح إلى الله فلا يكون في قلبه شيء لغيره».
وتأمل كيف كان التهليل – وهو شعار التوحيد - من أعظم مكفرات الذنوب, قال شيخ الإسلام: «التهليل يمحو أصول الشرك, والاستغفار يمحو فروعه».
والدعوة إلى التوحيد هي مهمة المرسلين وأتباعهم, ومن أجلها حصل الافتراق العظيم بين الرسل وأقوامهم المكذبين. قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» رواه مسلم. وقال لعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» متفق على صحته.
وشريعة الإسلام شديدة في التوحيد, سمحة في الأحكام, كما جمعهما حديث: «بعثت بالحنيفية السمحة» رواه أحمد. (حنيفية) أي: في العقيدة ففيها التشديد, فقد قال للذي قال: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله نداً» رواه أحمد والنسائي. (السمحة) أي في التشريع «صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً...» رواه البخاري.
وفي الدعوة إلى التوحيد قال الحسن البصري بعدما قرأ هذه الآية: «هذا حبيب الله, هذا ولي الله, هذا صفوة الله, هذا خيرة الله, هذا أحب أهل الأرض إلى الله, أجاب الله في دعوته, ودعا الناس إلى ما أجاب فيه من دعوته, وعمل صالحاً في إجابته». رواه عبد الرزاق عن معمر.
ولمّا اتهم بعض الناس إمام الدعوة بأنه طالب دنيا أجابهم بكتاب وضح فيه التوحيد وضده, ثم قال: ولو كنتم تعلمون حقيقة ما دعوتكم إليه لكنت أغلى عندكم من آبائكم وأمهاتكم وأبنائكم, ولكنكم قوم لا تعقلون!
وشرطا الدعوة؛ الإخلاص والمتابعة. وصفات الداعي؛ الفقه؛ ليعلّم على بصيرة, والرفق؛ وهو أقرب الطرق لنيل المقصود, والحلم؛ للصبر على الأذى في طريق الأنبياء وأتباع الأنبياء. وشرط التمكين للأمة إنما هو التوحيد ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئًا)
وضده الشرك, وهو أظلم الظلم, وأقبح الذنوب ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾
واعلم أن تهوين شأن الشرك الأكبر في غاية الخطورة, فلو أن رجلاً يقوم الليل, ويصوم النهار, ويحج كل عام, ويعتمر كل شهر, ويتصدق بكل ماله, ويجتهد في أعمال البر, ثم وقع في شرك أكبر؛ كدعاء الموتى, والاستغاثة بهم, ونحو ذلك, وقد قامت عليه الحجة الرسالية, فعمله حابط, وجهده خائب, وسعيه مردود, عياذاً بالله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾ فالشرك الأكبر إذا طرأ على الإيمان فإنّه ينقضه بتمامه, كما الحدث في الطهارة يبطلها.
 وليس العمل بنافع مالم يسلم من نواقضه, وأعظمها الردة عن دين الله, لذلك لمّا احتج بعضهم على شيخ الإسلام إبّان دخول التتر الشام بأن التتر مسلمون ويشهدون شهادة التوحيد! رد عليهم الشيخ بأنهم نقضوا ذلك, وقال: إن رأيتموني في ذلك الجانب ــ أي صف التتار ــ وعلى رأسي مصحف منشور فاقتلوني.
 فمسألة البراءة من المشركين عظيمة الخطر, جليلة القدر, عزيزة المطلب, وأعظم الناصحين للأمة هم من يغرسون أصول التوحيد وتوابعه فيها, ويهدمون الشرك وفروعه, ويحاربونه بالحجة والبيان والسيف والسنان, فإذا استقام توحيد الأمة انتظمت لها بقية الأمور, وساغ الخلاف والاجتهاد فيما دونه مما يعذر فيه المقلدون. لذلك لما أشار بعض تلاميذ شيخ الإسلام عليه أن يصنّف في الفقه ــ أي العمليّات ــ فيما نقله البزار, أجاب بأن أحكام الفقه أمرها قريب, وإذا قلد المرء أحد الأئمة فيه فلا حرج عليه, ولكني رأيت أصول الدين قد تنازعها الناس.
فعلى الناصح الحازم أن يعتصم بالعروة الوثقى والحبل المتين, وأن يوقن أنه لا يستقل عن توفيق ربه طرفة عين, فلو وكله الله إلى نفسه ضاع وهلك, والتوحيد أشد الأشياء نزاهة وحساسية, فأقل شوب يجرحه ويشوه صفاءه, وهو ضياء ونور في القلب, يشع على النفس طمأنينة وعلى المستقبل أمنًا وفلاحًا.
أخي المؤمن: قال واعظ الإسلام عبد الرحمن بن الجوزي: «وحّد زيد بن عمرو وما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكفر ابن أُبيّ وقد صلّى القبلتين! فيا من هو من عسكر الرسول! أيحسن منك كل يوم هزيمة؟!
 ومن أراد من العمّال أن ينظر قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه, فيا أقدام الصبر احملي فقد بقي القليل, ويا أيها الراكب قد علمت أين المنزل فاحد لها تسر».
إبراهيم الدميجي