إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 11 مارس 2019

زيغةُ الحكيم


زيغةُ الحكيم
الحمد لله العليم الحكيم الرحمن الرحيم، أمر بالاعتصام بحبله المتين والاجتماع، ونهى عن الفُرقة والتنازع والضياع، جَعَلَ أُخوّة الدِّين من الدِّين، وأمر بالموالاة فيه كلَّ حين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقَ وقدّر، وملك ودبّر، وشرع ويسّر، فله جميلُ الحمدِ مقدّمهُ والمؤخّر، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله النبيّ الخاتم والناصح المشفق والمصطفى الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واحفظوا لأهل العلم أقدارهم فإنهم ورثة الأنبياء، وإنّ حاجةَ الناس للعلماء ضرورةٌ كضرورة المريض للعافية والمسافرِ للنجم الهادي، وسُئل أهلُ مكة: كيف كان عطاءُ فيكم؟ فقالوا: كان مثلَ العافية، لا نعرف فضلها حتى تُفْقَد.
ألا وإنّ كثيرًا من النزاع بين المسلمين والخصوماتِ والبغيِ والفُرقة قد حدث حين تجاوز العلماءَ من ليس منهم، وأسقطهم من لم يعرف قدرهم.
عباد الرحمن: إنّ الفرضَ هو حفظُ قدْرِ العالِم مع عدم متابعته إن أخطأ، والله تعالى لا يُتَقرّبُ إليه بمعصيتِه. والعالِمُ بشرٌ مُعَرّضٌ للخطأ في فتواه، سواءٌ من جهةِ عدمِ إدراكِ الصوابِ والتحريرِ أو من جهةِ طريقةِ البيانِ والتقريرِ، أو حتى من جهة النيّة والتجريد، فيطيرُ بذلك أهلُ الشهوات والشبهات، فينشرون خطأَ الفقيه، ويُطلقون ما قيّدَه، ويُعمّمون ما خصّصه، ويقيسون على فتواهُ ما ليس منها، إذّ همُّهم شهواتُهم لا هداياتُهم، وزَلَّةُ العالِم زلّةُ العالَم ومضروبٌ لها الطبل، نعوذ بالله من فتنة القول والعمل.
أيها الناس: إنّ حَمَلة العلم يصِلُون ما أمر الله به أن يوصل، ويحفظون أقدار أولي الفضل والعلم والسابقة، ولا يعرفُ الفضلَ لأولي الفضلِ سوى أهلِ الفضل. والعاِلمُ العامل في المحلِّ رحمةٌ من الله وبركةٌ على أهله تمشي على قدمين، قال يوسف بن أسباط: كان أبي قدريًّا، وأخْوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان. وتأمل جميل ثناء ابن القيم عن شيخه ابن تيمية لمّا كان سببًا -بإذن الله -للأخذ بيد ابن القيم للسنة المحضة. والموفّقون هم من يحفظون قدر العالِم حتى وإن تعثّر ببعض الأخطاءِ أو الاجتهادات التي لا تُخرجه من أصول أهل السنة الكليّة.
 قال سعيدُ بن المسيب رحمه الله تعالى: "ليس من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيب. ولكن مِنَ الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبُه، ومن كان فضلُهُ أكثرُ من نقصه؛ وُهِبَ نقصُهُ لفضله". (1) وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: "ولو أنّ كلَّ من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخّيه لاتّباع الحق أهدرناه وبدّعناه؛ لقلّ من يسلم معنا من الأئمة". (2) وقال: "ليس من شرط العالم ألا يُخطئ" (3) إلا ما أجمل الإنصاف وأعزَّه وأروَعه وأوْرَعه!
عباد الرحمن: ثمّةَ خيطٌ رفيعٌ بين تقديرِ العلماء وتقديسِهم، فالأولُ واجب محمود، والثاني ممنوع. وبعضُ الناس فرّ من الثانية فألحق بها الأولى، وهذا خطأ، فالعلم رَفَعَهُم.
وكيف لا يكون ذلك لهم وهم مِلْحُ الناس وزينةُ الأرض وحَلَى الدنيا، وهم نجومٌ لا يضل معها الساري، ومنهلٌ يرتوي منه الصّادي، ولا تزال قلوب العابدين بعلومهم معمورة، وصدورهم من وصاياهم مأهولة. والعلماءُ هم شُهب اللهِ على المُبطلين، ورجومُه على رؤوس المجرمين، وعلى امتداد تاريخ الأمة المجيد نجدُ أنَّ الأمةَ قد مَرّت بمنعطفاتٍ صعبةٍ للغاية، وكان فضلُ توجيهِها بعد الله على أيدي علماءٍ حفظوا الأمانةَ فحفظتهم.
ولنأخذْ مثالين على بَرَكَةِ العالِمِ وحسنِ أثره في الناس؛ خبرِ ابن عباس وخبرِ جابر رضي الله عنهم: ففي خَبرِ ابن عباس رضي الله عنهما مع أهلِ النهروان – وهم الخوارج المارقة -: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ودخلتُ عليهم نصفَ النهار، فدخلتُ على قومٍ لم أر قومًا قطّ أشدَّ منهم اجتهادًا، جِباهُهم قَرَحَتْ من السجود، وأيديهم كأنّها ثَفِنُ الأبل - أي: رُكَبِها الغليظة، وهذا من طول السجود- وعليهم قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ، - أي مغسولة -، مشمّرين، مُسَهَّمَةً وجوهُهم من السهر. -أي: متغيرة ألوانها من الصيام والقيام، وهذا من إنصافه رضي الله عنه، فانظر عظيم فتنة ابليس بهم كيف وهم مع هذا الحال من شديد العبادة وابتغاء التقوى ودقيق الورع، (ومن يضلل الله فما له من هاد) ولهم نصيب من قول الله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). وما من أمرٍ لله إلا وللشيطان فيه حظّان لا يُبالي بأيّهما أسقط العباد: الزيادة والنقصان. 
وتأمل مدى ضلالهم في قصتهم مع التابعي الجليل عبد الله بن خباب وزوجِهِ الحامل، فقد أسروه ومعه امرأتُه، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبدُ الله بنُ خبابٍ صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّكم قد روّعتموني. فقالوا: لا بأس عليك، حدّثنا ما سمعتَ من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي". (4) فاقتادوه بيده، فبينما هو يسير معهم إذْ لقي بعضهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة فضربه بعضُهم فشقّ جلدَه، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمّي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحلّه وأرضاه، وبينا هو معهم إذ سقطت تمرةٌ من نخلة فأخذها أحدُهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغيرِ إذنٍ ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدّموا عبد الله بن خبّاب فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها! عياذًا بالله من مضلات الفتن-.
 قال ابن عباس في سياقِ خبره الآنفِ: فسلّمتُ عليهم، فقالوا: مرحبًا يا ابن عباس، ما جاءَ بك؟ قال: قلت: أتيتكم من عندِ المهاجرين والأنصار، ومن عندِ صِهْر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عليٌّ، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلمُ بتأويله. فقالت طائفة منهم: لا تُخاصموا قريشًا فإن الله قال: (بل هم قوم خَصِمُون) فقال اثنان أو ثلاثة: لنُكَلِّمنّه.
فقلت لهم: تُرى ما نَقَمتُم على صهرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصار، وعليهم نزل القرآنُ، وليس فيكم منهم أحد، وهم أعلم بتأويله منكم؟ قالوا: ثلاثًا. (5) قلت: ماذا؟ قالوا: أمّا إحداهُن: فإنّه حَكّم الرجال في أمر الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: (إنِ الحُكْمُ إلا لله) فما شأنُ الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟ فقلت: هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، فلئن كانوا مؤمنين ما حَلّ لنا قتالُهم وسِباهم. قلت: وماذا الثالثة؟ قالوا: إنهَ مَحَا نفسه من أمير المؤمنين، إن لم يكن أميرَ المؤمنين، فإنه لَأَميرُ الكافرين. قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا.
 قلت لهم: أما قولكم: حَكّم الرجال في أمر الله عز وجل، أنا أقرأ عليكم في كتاب الله عز وجل ما ينقض قولَكم، أفترجعون؟ (6) قالوا: نعم. قلت: فإن الله عز وجل قد صَيَّر من حكمِهِ إلى الرجال في رُبعِ درهمٍ ثمن أرنب، وتلا هذه الآية: (لا تَقْتُلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ) إلى آخر الآية. وفي المرأة وزوجِها: (وإن خفتم شقاقَ بينِهِما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) إلى آخر الآية. فنشدتُكم بالله، هل تعلمون حُكْمَ الرجال في إصلاح ذاتِ بينهم، وحقن دمائهم، أفضلَ، أم حكمَهم في أرنبٍ وبُضْعِ امرأة؟ فأيّهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قال: خرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم. (7)
 قلت: وأما قولُكم: قاتَلَ ولم يسْبِ ولم يغنم، فتَسْبُونَ أمَّكم عائشة؟ فوالله لئن قلتم: ليست بأمِّنا، لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم: نَسبيها نستحلُّ منها ما نستحل من غيرها، لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين الضلالتين، إن الله عز وجل قال: (النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفُسِهِم وأزواجُهُ أمهاتُهم) فإن قلتم: ليستْ بأمّنا، لقد خرجتم من الإسلام، أخرَجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
 وأما قولكم: مَحَا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون: يوم الحديبية، كاتبَ المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيلَ بنَ عمرو، فقال: "يا عليّ، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمدٌ رسولُ الله"، فقال المشركون: والله لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهمَ إنك تعلمُ أني رسولُك، امْحُ يا علي، اكتب: هذا ما كاتب عليه محمد بن عبد الله"، فوالله لرسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ من عليٍّ، فقد محا نفسه. قال: فرجع منهم ألفان، وخرج سائرُهم فقُتلوا". (8)
أما خبرُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما فقد حدّث به يزيدُ بن صهيب الفقير، قال: "كنت قد شَغَفَنِي (9) رأيٌ من رأي الخوارج. فخرجنا في عِصَابةٍ ذوي عدد، نريد أن نحجّ ثم نخرجُ على الناس. (10) قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله جالسٌ إلى سارية يُحدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا هو قد ذكر الجَهَنَّمِيِّين، (11) فقلت: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم (12) ما هذا الذي تحدثوننا؟ ثم ذكر شبهة الخوارج، فقال: أتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فاقرأ ما قبله، (13) إنه في الكفار، ثم قال: فهل سمعتَ بمقام محمدٍ الذي يبعثُهُ الله فيه؟ ثم حدثهم بحديث الشفاعة، قال: فرجعنا، قلنا: ويحَكُمْ، أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فرجعنا، فلا والله ما خرج غير رجل واحد، أو كما قال". (14)
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
إن الحمد لله،،،
أما بعد، فاتقوا الله تعالى معشرَ المؤمنين، وتفقّهوا في الدين، واعملوا بما علِمتُم يعلّمْكُمُ اللهُ ما جهلتم، وللهِ مُعاذٌ ما افقهه! فعن يزيد بن عميرة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "تكون فتنةٌ يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يقرأَهُ المؤمنُ والمنافق والصغير والكبير والرجل والمرأة، يقرأه الرجل سرًّا فلا يُتبَعُ عليها، فيقول: والله لأقرأنّه علانية، ثم يقرأه علانية فلا يُتبع عليها، فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس في كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإيّاكم وإيّاه فإنّ كلّ ما ابتدع ضلالة.
 قال يزيد: ولما مرض معاذ بن جبل مرضه الذي قُبض فيه كان يُغشى عليه أحيانًا ويفيق أحيانًا، حتى غُشي عليه غشيةً ظننّا أنه قد قُبض، ثم أفاق وأنا مقابله أبكي! فقال: ما يبكيك؟ قلت: والله لا أبكي على دنيا كنتُ أنالُها منك، ولا على نسب بيني وبينك، ولكن أبكي على العلم والإيمان الذي أسمع منك يذهب.
قال: فلا تبك، فإنّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، فابتغه حيث ابتغاه إبراهيم عليه الصلاة السلام، فإنه سأل الله تعالى وهو لا يعلم وتلا: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) وابتغه بعدي عند أربعةِ نفرٍ، وإن لم تجده عند واحد منهم فسلْ عن الناس أعيانَه؛ عبدِ الله بن مسعود وعبدِ الله بن سلام وسلمانَ وعويمرَ أبي الدرداء. وإياكَ وزيغةَ الحكيم، وحُكْمَ المنافق". (15)
وفي رواية له عن معاذ – وفيها -: ". وأحذِّركم زَيغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق" قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: "بلى، اجتنِبْ من كلام الحكيم المشْتَهِراتِ التي يقال: ما هذه؟ ولا يَثْنِينَّك ذلك عنه فإنه لعله يُراجِع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعتَه، فإن على الحق نورًا". (16)
 فرضي الله عن معاذ إذ أعطانا معيارًا ومنهاجًا في التعامل مع أهل العلم ومن تشبّه بهم ممن ليس منهم، حالَ صواب الجميع أو خطئهم.
 فاحذر يا طالب العلم أن تبتغيَ العلوَّ في الأرض على أقرانك وعلى الناس، وابتغِ سموَّ السماء بتقواك، وارغَبْ إلى منازلَ الآخرة بنصحِكَ وتواضعِك، فإن الله تعالى يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين).
وتأمل فقه معاذ رضي الله عنه في تحذيره من زيغة الحكيم، لذلك فلا تُعنِقِ فَرِحًا بكل نكتةٍ علميّة انقدحت لك، فما كلّ ما يلمع ذهبًا ولا كل بيضاء شحمة، وكم من قدحةٍ قاتلة، وكم من دهليز جهل على باب فِكْرَة، وكم أعرض الراسخون عن مسائل صانوا بها صفاء علومهم.
وبالجملة: لا تفرح بالطارف على التليد، واجتنب في العلم الغرائب، فالغريب مريب. وعليك بجادّة السالفين الأُوَل ذوي الأمر الأول والنمط الأوسط، الذين وقفوا عن علمٍ، وكفّوا عن ورع.
 ولله درّ ابن مسعود ما أحكمه حين قال: "إنكم لن تزالوا بخيرٍ ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفَّه الصغيرُ الكبيرَ". (17)
ولقد مرّ الإمام أبو حنيفة رحمه الله على جماعة يتفقهون، فقال: ألهم رأسٌ؟ قالوا: لا. قال: إذن لا يفلحون أبدًا. (18) ومن بديع شعر عبد الوهاب بن على المالكي رحمه الله:
متى يصلُ العِطاشُ إلى ارتواءٍ   ...   إذا استَقَتِ البحارُ من الرَّكايَا
ومن يُثْنِي الأصاغِرَ عن مُرادٍ   ...   إِذا جلس الأكابرُ في الزَّوايَا
إذا استوتِ الأسافلُ والأعالي   ...    فقد طابت مُنَادَمَةُ المَنَايا
اللهم صل على محمد،،،
.................................................
(1) التمهيد (11/ 170)، الكفاية (79)
 (2) السير (14/ 374)
(3) السير (14/ 339)
 (4) رواه أحمد (1446)
 (5) وفي هذا التثبّت من استدلال المخالف فقد تكون حجة عليك قبولها ولإذعان والتسليم لها، وقد تكون شبهة عليك أن تكشفها له وتبطلها من عينيه.
(6) وفي هذا إلزام الخصم بالرجوع عن قوله إن تبين له بطلانه، وقد كانت هذه طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود وغيرهم.
(7) وتأمل حسن السياق والترتيب والإلزام وإخلاء شبهة الخصم من مضمونها ومبرّرها.
(8) عبد الرزاق في المصنف (18678) والطبراني (10598) والحاكم (2/150) وغيرهم، وذكر أحمد في المسند (3187) طرفًا من القصة بسند جيد. وقد رويت قصة أمر النبي صلى الله عليه بمحو "محمد رسول الله" في البخاري (2731) و(2732) ومسلم (1784)
(9) أي تملّكني بأن دخل شغاف قلبي، والشغافُ: غلافُ القلب.
(10) ولا أعلم أن الخوارج جالدوا المشركين يومًا، وتأمل الحال مع الغلاة في هذا الزمان كيف يقتلون المسلمين ويدعون المشركين متذرعين بأن القريب مرتد والمرتد يقتل قبل الكافر الأصلي، هكذا بلا إقامة حجة ولا إبانة محجة، كيف والحجة عليهم لا لهم، (ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدًا) وهذه خصلة الخوارج فقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرميّة، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد". البخاري (7432) ومسلم (1064) فمشكلتهم في ضلال العلم لا نقص التعبد وقوّة الإرادة، (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) فمن هذه الوجه فيهم شبه من النصارى الضالين. وقد روى عبد الرزاق في تفسيره (2/299) والحاكم في المستدرك (2/522) عن أبي عمران الجوني قال: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بديرِ راهبٍ، فناداه: يا راهب، يا راهب، فأشرف، قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في كتابه: (عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) فذاك الذي أبكاني. وإن كان هذا الخبر لا يثبتُ لأن أبي عمران لم يدرك زمان عمر، إنما المراد مغزى القصة لا حقيقتها، ففيها قرعٌ لفؤاد المؤمن تنبيهًا لعظم شأن هدايته للإسلام والإيمان، (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) فلا نعمة تضارعها، واعلم أن كثيرًا من أهل الضلال من الملل والنحل هم أذكى منك عقولًا لكن الله تعالى لم يشأ لهم الهدى، فالهدى محض توفيق الله وحده. واعتبر ذلك بحال ذلك المنصّر الأمريكي الضال المضل إذ يقول: يعزّ علي حرص المسلمين على ارتياد المسجد خمس مرات ودينهم باطل! (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا).
(11) وهم الذين يخرجهم الله تعالى من النار فيدخلهم الجنة، وهم من أهل الكبائر من الموحدين، وهذا ينقض أصل الخوارج الأعظم بقولهم بتكفير مرتكب الكبيرة مطلقًا، فحديث الشفاعة ثابت في الصحيحين، وفيه ذكر الجهنّميين.
لذلك أوصى عليٌّ ابنَ عباس رضي الله عنهم أن يُحاجج الخوارج بالسنة، وقال له: لا تجادلهم بالقرآن؛ فإن القرآن حمَّال وجوه، ولكن جادلهم بالسنة، قال ابن عباس: "يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل، قال: صدقت، ولكن القرآن حمّالٌ ذو وجوه، تقولُ ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصًا". وقد عزاه السيوطي في الإتقان (2/ 122) إلى ابن سعد. كذلك نُقِلَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تجادلوهم بالقرآن فإنه حمال وجوه ولكن حاجِجُوهم بالرواية. أي بالسنة المرويّة.
لذلك فالخوارج لا يَعُدّون السنة من مصادر التلقي لديهم، ولو علموا تأويل القرآن ما فعلوا فالسنة شارحة القرآن، قال تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نزل إليهم) فالمبين هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الله تعالى في القرآن أكثر من أربعين مرة بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد حدّث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن، المُغيّرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك: أنك قلت: كذا وكذا.. وذكرته؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته، قال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت: إني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن؟ قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر شيئًا، فجاءت، فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها". رواه البخاري (6/184) ومسلم (6/166) ومعنى المتنمصات: من النمص وهو ترقيق الحواجب وتدقيقها بالموسى ونحوه طلبًا للحُسن، والنامصة التي تصنع ذلك بالمرأة، والمُتنمصة التي تطلبه. والمتفلجات: هن اللاتي يطلبن الفَلج بصناعة وهو تباعد ما بين الثنايا. ومعنى لم نجامعها: أي لم أجتمع معها كناية عن طلاقها إن هي فعلت.
 (12) ففي يزيد خير بتوقيره للصحابة، لذلك يسّر الله تعالى له الهدى على أيديهم رضي الله عنهم.
(13) أي اقرأ سياق الآية وسباقها، فلا تكن كمن قرأ (ويل للمصلين) دون ما بعدها. وأمثال ذلك في القرآن العزيز كقوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً) فيبتدئُ من قوله: (ما وعدنا). ومثل أن يبتدئ بقوله: (إن الله) في قوله تعالى: (لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ) وقوله: (لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ) ونحو ذلك. ومراد جابر التنبيه للسياق العام لخبر الآيات وأنها ليست كما فهمها الخوارج لأنهم اقتصروا على جملة دون سياقها.
 (14) مسلم (1/123)
 (15) المستدرك (4 / 465) (8440)
(16) أبو داود (4611) بسند حسن.
(17) ابن عبد البر في جامع العلم (1 / 159)
(18) الفقيه والمتفقه للخطيب (790)

(هو سمّاكم المسلمين)


(هو سمّاكم المسلمين)
الحمد لله العليم الحكيم الرحمن الرحيم، أمر بالاعتصام بحبله المتين والاجتماع، ونهى عن الفُرقة والتنازع والضياع، جَعَلَ أُخوّة الدِّين من الدِّين، وأمر بالموالاة فيه كلَّ حين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقَ وقدّر، وملك ودبّر، وشرع ويسّر، فله جميلُ الحمدِ مقدّمهُ والمؤخّر، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله النبيّ الخاتم والناصح المشفق والمصطفى الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا إنّ الأمة في هذا الزمن الذي استدارت على قصعتها أيدي الكفرة والفجرة، ورُميت من نبالٍ عديدة، وانكسرت على كاهلها النصال فوق النصال؛ لهي حقيقةٌ فورًا بنبذ أسباب التفرّق، وتحصيل طرائق الاجتماع، وما ذاك إلا بهُدى الله (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا). ولقد أمر الله تعالى عباده عند النزاع بالرجوع إليه فقال جل شأنه: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ذلك خير وأحسن تأويلًا) أي خير لكم في عواقبكم كلها في الدنيا والآخرة.
عباد الرحمن: إنّ داء الأمّة منها، كامنٌ في جوفها، ودواؤها في يدها إن رامت عافية وشفاءً، فمصيبتنا في أنفسنا أعظم من مصيبتنا بأيدي أعدائنا، ولو اعتصمنا بحبل الله حقًّا ما أدالهم الله علينا، لكننا خَذَلْنا دينَنا فخُذلنا، ولو عُدنا لرِحابه ورِياضه كما أُمرنا لعادت لنا عزتنا وشموخنا، ولقد استطال أهلُ النفاق وصالَ أهل الكتاب وشمَتَت أُمم الشرك حتى كادت أن تقول بلسان حالها: وعَدَلْنا مَيْل بدرٍ فاعتدلْ.
إن من أسباب غُثائية أمتنا في هذا الزمان: تشاحنُ وافتراقُ من تأكّدَ عليهم التَّحابُّ والاجتماع! فتفكّكت العُرى الجامعة فأمست أمتنا كما قال هاديها عليه الصلاة والسلام: "ولكنكم غثاء كغثاء السيل".
لقد عظّم الله أمر الاجتماع، وأمر به ونوّه بأهله، ولا بقاء للدين إلا باجتماع أهله عليه، ومتى تفرّقوا فيه تفرّقوا عنه، فجُوزُوا برفعِ العافية عنهم وإدالة عدوهم عليهم. وحديثُ حذيفة أصل في تعظيم شأن الاجتماع، فقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير. فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دَخَنٌ". قلت: وما دَخَنُهُ؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي، تعرفُ منهم وتنكر". قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاةٌ إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: يا رسول الله، صِفْهُم لنا؟ فقال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلّها ولو أن تَعضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك".
 فيا عباد الله إياكم والانتساب لجماعات سوى المسلمين والمؤمنين، من مسميات وحزبيات تفرّق الناس ولا تجمعهم، ولتهنِكم تسميةُ الله لكم: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) وجواب الأُمَّةِ ربَّها يوم القيامة حين يسألهم: "من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون".  قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "من أمكنه الهُدى من غير انتساب إلى شيخ معيّن فلا حاجة به إلى ذلك ولا يستحب له ذلك، بل يكره له. وأما إن كان لا يمكنه أن يعبد الله بما أمره إلا بذلك؛ مثل أن يكون في مكان يضعف فيه الهدى والعلم والإيمان والدين، يعلمونه ويؤدبونه لا يبذلون له ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم، أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد في دينه وعلمه؛ فإنه يفعل الأصلح لدينه. وهذا لا يكون في الغالب إلا لتفريطه، وإلا فلو طلب الهدى على وجهه لوجده. فأما الانتساب الذي يفرّق بين المسلمين وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى الفرقة وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع؛ فهذا مما يُنهى عنه ويأثم فاعله ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم". انتهى كلامه رحمه الله.
واعلم يا عبد الله أنّ مراعاة الاجتماع العام للأمة مع النقص أولى من تحصيل بعض السنن الخاصة، وتأمّل كيف أتمّ ابنُ مسعود خلف عثمان في منى وقال: "الخلافُ شرّ". وصلى ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما خلف الوليد بن عقبه مع سُكره مراعاةً للاجتماع، فأنْكَرَا ولم يُزايِلَا. وكذلك فعل أنس لما سأله رجل عن وقت الرمي فأخبره ثم قال: "افعل كما يفعل إمامُك". وقد أفتى الإمام أحمد من صلّى خلف من يقنت في الفجر بالمتابعة مراعاة للاجتماع، فالاجتماع مقصود لذاته، ومن أعظم الاجتماعات الاجتماع على الإمام الأعظم، وتأمل فضيلة تنازل الحسن رضي الله عنه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته عن إمارة المؤمنين لمعاوية رضي الله عنه مراعاة لاجتماع المسلمين على إمام واحد، فاغتبط به أهل الإسلام حتى سمّوا ذلك العام: عام الجماعة. فلخطر مقام السلطان وخطر زعزعته على أمن الناس وسكينتهم ودينهم؛ قد شدد الشرع في حرمة الخروج عليه أو نقض بيعته أو شق عصاه بلا مبرر ومسوّغ من الشريعة، فلا بد للسلطان من هيبة لعدله، فهو كهفُ الرعية الذي إليه تأوي بعد الله. والوِلاية إذا لم يكن لها حراسة من الشرع تناهبتها الأطماع، فآخر ما يسقط من رؤوس الصديقين حب الرئاسة.
فعلى كل موفق أن يحرص على حفظ الجماعة من التشقق والتصدّع والفرقة وذهاب الريح، فكَدَرُ الجماعة خيرٌ من صفو الفُرْقة، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون). فالفُرقة لا يرضاها سوى مرضى القلوب، والحلّ عند النزاع هو الرجوع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ويكفي للفُرقة شؤمًا يا عباد الله أنها معصيةٌ لله تعالى، ومع ذلك فلها ثمار نكِدَةٌ مسمومة، فهي تقتل في الأمة روح وحدتها، وتكسر عضد قوّتها، وتخضد أشواك حِرَابِها عمّن راموا حَربَها.
 ومن ثمارها البشعة: حرمانُ بركة العلم، والوقوعُ في فخّ الجدل العقيم، وتسليطُ الأعداء، وإشغال أهل العلم والفكر والتوجيه بجهد لا طائل من وراءه، وتشتيتهم وتفريق كلمتهم وشقّ عصاهم، والانشغال عن البناء إمّا بالهدم أو بالترميم، واضمحلال قدْر أهل العلم من صدور الناس، وحرمانهم من بركة علمهم وتربيتهم وسَمْتهم، وإفساد القلوب وقسوتها.. في قائمة لا تُحصى من حروف الخيبة والخسار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولكم يحزّ في نفس المؤمن مرأى شبابٍ في عمر الزهور وميعة الصبا، يتقحّمون أمور الأمة الكبار، التي لا يُصدر فيها إلا عن مجامع فقهية، فيفتون في المسائل العظام رعونة وجهلًا. فخيرٌ لك – يا أيها الموفّق -الانصرافُ عن هذه الفتن المدلهمة كافّة، والانشغال بالتحصيل النافع والعمل الصالح والعبادة الدائمة. ومن أُعجب بنفسه سقط لأنْفِهِ. ومن رأى خلاف الصواب الذي يعتقده فعليه بيانه، فالمؤمنون نَصَحَةٌ والمنافقون غَشَشَة، لكن بدون تخوينٍ ولا تبديعٍ ولا تفسيقٍ وتحزيبٍ وسوءِ ظنٍ ورميِ أعراضِ عباد الله بالتُّهم جزافًا ظلمًا وعدوانًا.
عباد الرحمن: لقد جاءت الشريعة بالتأكيدُ على ضرورة الاجتماع، وسدِّ كل ذرائع النزاع والافتراق المذموم بالقول والعمل. وأولُ الاجتماع هو اجتماع القلوب على المحبة في الله والأخوّة في دينه. ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم: "وكونوا عبادَ الله إخوانًا". ويكفيك إيجابُ الله تعالى على نفسه الكريمة المقدسة بأن يُحبّ من أحبّ فيه، فيالها من كرامة ومنّة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: وجبتْ محبّتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذِلين فيّ".
وإن غربةَ الإسلام قد تستحكم في زمان ومكان وترتفع في غيرهما، وحكمة الله تعالى من وراء هذا كله، (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) بلى وعزةِ ربّنا. وعلى قدر استحكام غربة الإسلام تعظمُ مواطن الطلب لمواقف الأخيار. ورُبَّ مُبارَكٍ قد أسقط الله به عن الأمة العذاب بعدما حمَّ، وفروض الكفايات تنقلب للأعيان عند عدم الكفاية كلٌّ بحسَب ما أوتي، وعلى قدرِ ما بُسِطَ له. قال شيخ الإسلام رحمه الله: "المتمسّك بدينه حال الغربة أسعد الناس، ويكون من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريبا، وفي الآخرة درجتهم بعد الأنبياء عليهم السلام". وخيرُ عباد الله من استعمله ربّه في طاعته، واستغرسه في عبادته، وكان في المكان والزمان والحال الذي ينبغي أن يكون فيه المرضيّون. اللهم اسلكنا جميعا في سبيلهم وانظمنا في سلكهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
ويا عبد الله كن من أهل تحقيق لا إله إلا الله ومن ذلك صدقك في الولاء والبراء لله وحده، فقد وَهَنَ هذا الأصل الإيماني في قلوب كثير من أهل الإسلام في هذا العصر، فكُن وليًّا لله ولدينه ولحزبه المؤمنين بريئًا متبرئًا من الشيطان وأحزابه، والله تعالى يقول: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فلا بد من مراجعة هذا الأصل على الدوام، ففي زمان اختلاط المفاهيم واتساع الشُّبه وتطاحن الأفكار؛ يبقى الولاء والبراء معيارًا لصدق الإيمان. قال أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله: "إذا أردتَ أن تعلم محلّ الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى تزاحمهم على أبواب الجوامع، ولا تنظر إلى ضجيجهم في الموقف بـ"لبيك" ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة".
ويا أيها المؤمن: احتسب لله كل حركة وسَكَنة لك وأخلص دينك له وأبشر ببُشراه، قال ربنا جل شأنه: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) فخذ الدين كلَّه لا بعضه، واستقم كما أمرت لا كما اشتهيت، وانتهر صولة نفسك الأمارة برهبة الموقف غدًا بين يدي الجبار جل جلاله، وتذكّر ساعة: "إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضبْ قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي. ".. الحديث في الصحيحين.
بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية
الحمد لله,,, كثيرٌ من الشباب يعيش في حيرة من أمره ويقول: إنّ الأمورَ قد التبستْ عليَّ، ولا أدري أين الجادة النبوية حتى أضمن السلامة.
 فأقول لكل من ضربته الحيرة: أيْ أخي الصالح، إنّ الحكمة عند الالتباس تقتضي التوقف تمامًا حتى لا تقع في الإلباس، وتكرعَ في حقوق الناس، لذلك فعُدْ بالأمر من أوّله، واترك هذه المناهج كلّها، واعتصم بالقرآن والسنة ففيهما مقنعٌ عن كلام الناس وجدالهم ومرائهم. وأول الانحراف: الخللُ في مصدر التلقي.
 واعلم أنك متى انطرحت بين يدي مولاك، وضرعت إليه بكفِّ فقيرٍ كسيرِ قلبٍ، وردّدتَ بصدقٍ وإلحاح: "اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنتَ تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لِمَا اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". وأخذتَ بأسباب الهدى؛ من الاعتصام بالله، ثم بما أوحاه من القرآن والسنة، ثم انشغلتَ بما أجمعَ عليه أهل العلم، فأكببتَ على حفظ كتاب الله وتفهّمه وتفسيره، وحفظ ما استطعت من سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وقرأتَ عليها ما تيسر من شروح أهل السنة، وثنيت ركبتيك عند دروس من وثقت بعلمه وورعه، وثنيت خناصرك على كتب أهل الدعوة السلفية وما سبقهم من كتب الأئمة كشيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير ومن سبقهم من الأئمة الأعلام، وكنت ذا حظّ من عبادة ظاهرة وباطنة، وكانت لك خبيئةٌ من عملٍ صالح لم يطّلع عليه سوى علام الغيوب، واجتنبت ظاهر الإثم وباطنة؛ فأنا ضمين لك –بإذن الله -بتوفيقٍ وفلاحٍ. فالله تعالى لا يضيع أولياءه، ولا يردّ سائله متى بذل أسباب الإجابة ولو بعد حين، ولَتذوقنَّ حلاوة الأيمان، وانفساح الصدر، وانشراح النفس، وراحة البال، وهنأة العيش، والسلامةَ من قيل وقال، وردَّ فلانٌ وكتبَ فلان، وانظروا فضيحةَ فلان، وانشروا كلام فلانٍ في فلان ... إلى آخر ذلك الغثاء الذي لا يصفوا منه بعد التحقيق الا القليل مما قد كُفيته بردود الراسخين، دون الشاغبين المتفيهقين. وكلُّ أمرٍ تلجلجَ في صدركَ، وتردّدتَ فيه؛ فأَغمِضْ عينيك، ثمّ تخيّل مقامك بين يدي الله تعالى غدًا، فمتى كنتَ كذلك؛ فستعرفُ حينها ما ينبغي عليك فعله، إذْ قد زالتْ عن عينيك غشاوةُ الهوى. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ما سَجَتِ الغواسقُ، وهَمَتِ الغَوادِقُ، ودامتِ الخلائق، وعددَ أنفاسِ أهلِ الجنة.

السبت، 23 فبراير 2019

الخشوعُ في الصلاة


الخشوعُ في الصلاة
منقولة مختصرة ومزيدة
الحمد لله المتفرد بالعظمة والجلال، المتفضل على خلقه بجزيل النوال. أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وهو الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى الحق، والمنقذ بإذن ربه من الضلال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآلٍ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل.
أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واعبدوه حق عبادته، وأخلصوا له، تقربوا إليه خوفاً وطمعاً. أيها المسلمون، العبادات والقربات تتفاضل عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة والخشية والخشوع والإنابة. والعابدُ حقاً والمتقربُ لربه صدقاً، هو الذي تحقق في قلبه صدق الامتثال للأوامر على وجهها، وابتعد عن المخالفات بجميع وجوهها، يجمع بين الإخلاص والحب والخوف وحسن الطاعة.
ومن أجل تبين هذا التفاضل وإدراك هذا التمايز، هذه وقفة مع أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين؛ مع الصلاة عماد الدين.
صفاتُ المؤمنين المفلحين مبدوءة بها، واستحقاقية ميراث الفردوس مختتمة بالمحافظة عليها: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزكاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لاِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وفي استعراضٍ آخرَ مِن كتاب الله للمكرّمين من أهل الجنة تأتي المداومة على الصلاة في أول الصفات، وتأتي المحافظة عليها في خاتمتها: (إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ الْمُصَلّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ فِى جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ).
أيها الإخوة، إنه ثناء على هؤلاء المصلين ما بعده ثناء، وإغراء ما بعده إغراء، لكن هذه الصلاة التي أقاموها صلاة خاصة، ذات صفات خاصة، صلاة تامة كاملة، صلاة خاشعة في هيئة دائمة، ومحافظة شاملة.
إنها صفات وعناصر إذا حصل خللٌ فيها أو نقصٌ؛ فقد حصل في صلاة العبد نقصٌ بقدر ذلك القصور، بل قد يتحول الوعد إلى وعيد، وينقلب رجاء الثواب إلى عرضة للعقاب، اقرءوا إن شئتم: (فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) واقرأوا في صفات المنافقين: (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى).
أيها الإخوة: إنّ روحَ الصلاة ولبَّها هو الخشوعُ وحضور القلب، حتى قال بعض أهل العلم: صلاة بلا خشوع ولا حضور جثة هامدة بلا روح. إن الخشوع ـ أيها الأحبة ـ حالةٌ في القلب تنبُع من أعماقه مهابةً لله وتوقيراً، وتواضعاً في النفس وتذللاً. لينٌ في القلب، ورقة تورث انكساراً وحُرقة.
وإذا خشع القلب خشع السمع والبصر، والوجه والجبين، وسائر الأعضاء والحواس. إذا سكن القلب وخشع، خشعت الجوارح والحركات، حتى الصوت والكلام: (وَخَشَعَتِ الاصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً).
وقد كان من ذكر النبي في ركوعه: "خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي وما استقلَّت به قدمي لله رب العالمين" رواه أحمد. وحينما رأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. ويصف الحسن رحمه الله حال السلف بقوله: كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا له البصر في الصلاة.
عباد الله، إذا خشع قلبُ المصلي استشعرَ الوقوفَ بين يدي خالقه، وعظُمتْ عنده مناجاتُه، فَمَن قدَرَ الأمرَ حق قدره، واستقرَّ في جنانه تعظيمُ الله وجلالُه، وامتلأ بالخوف قلبُه؛ خشعَ في صلاته، وأقبلَ عليها، ولم يشتغل بسواها، وسكنت جوارحه فيها، واستحق المديح القرآني: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ). رُوي عن مجاهد - رحمه الله - في قوله تعالى: (وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ) قال: القنوت: الركون والخشوع، وغضُّ البصر، وخفضُ الجَناح. قال: وكان العلماءُ إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن عزَّ وجلَّ عن أن يشدَّ نظره، أو يلتفت أو يقلّب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا ما دام في الصلاة. كانوا حين يدخلون المسجد يخلعون الدنيا من قلوبهم مع خلعهم نعالَهم.
بالخشوع الحق، يكون المصلون مخبتين لربهم، منكسرين لعظمته خاضعين لكبريائه، خاشعين لجلاله: (إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ).
ولتعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الخشوع يتفاوت في القلوب بحسَب تفاوت معرفتها لمن خشعت له، وبحسَب مشاهدةِ القلوب للصفات المقتضية للخشوع. وبمقدار هذا التفاوت يكون تفاضل الناس، في القبول والثواب، وفي رفع الدرجات، وحط السيئات. عن عبد الله الصنابحي - رضي الله عنه - قال: أشهدُ أني سمعت رسول الله يقول: "خمسُ صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن، وصلّاهن لوقتهن، وأتمّ ركوعهن وخشوعهن؛ كان له على الله عهدٌ أن يغفرَ له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" رواه أحمد وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئٍ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فأحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم يُؤتَ كبيرة وذلك الدهر كله" رواه مسلم. وعن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه بشيء؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". رواه مسلم.
فالصلاة الخاشعة هي الراحة الدائمة للنفوس المطمئنةِ الواثقةِ بوعد ربها المؤمنةِ بلقائه. وأين هذا من نفوسٍ استحوذ عليها الهوى والشيطان؟! فلا ترى من صلاتها إلا أجساداً تهوي إلى الأرض خفضاً ورفعاً. أما قلوبُها فخاوية، وأرواحُها فبالدنيا متعلقة، ونفوسُها بالأموال والأهلين مشغولة.
لما سمع بعض السلف قوله تعالى: (لاَ تَقْرَبُواْ الصلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) قال: كم من مصل لم يشرب خمراً، هو في صلاته لا يعلم ما يقول، وقد أسكرته الدنيا بهمومها.
أيها الإخوة، وهناك نوع من الخشوع حذّر منه السلف، وأنذروا وسموه: خشوع النفاق. فقالوا: استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قالوا: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع. ولقد نظر عمر رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا، ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر خشوعاً على ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق. وقال الحسن: إن أقواماً جعلوا التواضعَ في لباسهم، والكبرَ في قلوبهم، ولبسوا مداعج الصوف ـ أي: الصوف الأسود ـ واللهِ لأَحدُهم أشدُّ كِبْراً بمَدْرَعته من صاحب السرير بسريره، وصاحبِ الديباج في ديباجه.
فاتقوا الله - رحمكم الله- واحفظوا صلاتكم، وحافظوا عليها، واستعيذوا بالله من قلب لا يخشع، فقد كان من دعاء نبيكم صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" رواه مسلم. (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله،،، أما بعد: أيها المسلمون، يذكر أهل العلم وجوهاً عدة، يتبين فيها حضور القلب، ويتحقق فيها حال الخشوع، وحقيقة التعبد.
من هذه الوجوه: الاجتهاد في تفريغ القلب للعبادة، والانصراف عما سواها، ويقوَى ذلك ويضعُفُ بحسَب قوّةِ الإيمان بالله واليوم الآخر، والوعدِ والوعيد. ومنها: التدبّرُ لما تشتمل عليه الصلاة من قراءةٍ وذكر ومناجاة.
ومنها: الاجتهاد بدفع الخواطر النفسية، والبعدِ عن الصوارف الشاغلة. وهذه الصوارف والشواغل عند أهل العلم نوعان: صوارفُ ظاهرة وهي ما يشغل السمع والبصر، وهذه تعالَج باقتراب المصلي من سترته وقِبلته ونَظِرِه إلى موضع سجوده، والابتعاد عن المواقع المزخرفة والمنقوشة، والنبي لما صلى في خميصةٍ لها أعلامٌ وخطوطٌ نزعَها وقال: "إنها ألهتني آنفاً عن صلاتي". متفق عليه.
والنوع الثاني: صورافُ باطنة مِن تَشَعُّبِ الفكر في هموم الدنيا وانشغال الذهن بأودية الحياة، ومعالجةُ ذلك بالتفكرِ والتدبر لما يَقرأ ويَذكر وباستحضارِ قُرْبِ مَنْ يُناجي. ومما يعين على حضور القلب وصدقِ الخشوع؛ تعظيمُ المولى جل وعلا في القلب، وهيبتُه في النفس، ولا يكون ذلك إلا بالعلم بالله عزَّ شأنه، ومعرفةِ حقارة النفس وقلّةِ حيلتها، وحينئذٍ تتولدُ الاستكانةُ والخشوع والذُّل والإنابة.
أمرٌ آخر - أيها الإخوة - يحسُن التنبيه إليه، وهو دالٌّ على نوع من الانصراف والتشاغل، مع ما جاء من عِظَمِ الوعيد عليه، وخطرِ التهاون فيه، ذلكم هو مسابقةُ الإمامِ في الصلاة، فما جُعِلَ الإمام إلا ليؤتَم به، فلا تتقدّموا عليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" متفق عليه.
 وانظروا إلى حال الصحابة رضوانُ الله عليهم مع نبيهم وإمامِهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قال البراء بن عازب: كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وفي صلاته، فكان إذا انحطَّ من قيامه للسجود، لا يحني أحدٌ منا ظهره حتى يضعَ رسولُ الله جبهتَه على الأرض ويُكبّر، وكان يستوي قائماً وهُم لا يزالون سجوداً بعدُ. ورأى ابن مسعود - رضي الله عنه - رجلاً يسابق إمامه فقال له: لا وحدك صليت، ولا أنت بإمامك اقتديت.
فاتق الله يا عبد الله، وعظِّمْ أمر الصلاة، فهي الحبل الواصل بينك وبين الله تعالى، والبابُ الذي تدخلُ منه عليه، وهي أعظم أركان الإسلام العملية، وهي في الحقيقة معيارُ الإيمان، وقد قال الإمام أحمد: "إنّما حظَهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتُهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة". فأعط الصلاة نفيسَ وقتك وسمينَه لا زائدَهُ وقليلَهُ. وكلُّ مواعيدِك مع نفسك والبشر ألغها أو أجّلْها إذا أقبل موعدُك مع الله تعالى.
فاخلعِ الدنيا مع رَفْعِكَ للتكبير، وكبّر تكبير من أيقن بأنه لا أكبرَ من الكبير جلَّ جلاله، واتلُ كلامه كمَن يخاطبه ويناجيه، واجعل قلبَك بين يديك تُحرِّكُه بالآي والذكر والضراعة، واركع ركوع خاضع لمولاه بقلبه ورقبته وحياته، وارفع رفع حامدٍ شاكرٍ فَرِحٍ بربه تعالى، واسجد سجود من يظنُّ أنه لن يقوم منها إلا للموت، وبعثر همومك وأزلْ غمومَك بسجدة طويلة خاشعة، وصلّ وسلم على نبيك بعد التشهد كحالِ من هو بحضرته، وفي جلسة التشهد الأخير قبل السلام لا تعجل، بل اغتنم تلك اللحظات بين يدي ربك عبدًا خاضعًا خاشعًا طالبًا فضلَهُ ونَوَاله. فادعُ واضرع وألحّ، فوعزّةِ ربِّك إنها من الهنيهات الجليلة التي تُرجى أن يقال لك فيها: سل تُعط، (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) فمن ذا الذي دعاه فردّه، أو رجاه فخيّبه، أو لجأ إليه فتركه، أو استنصره فخذله، الخيرُ كله منه وإليه، فلتفرّ من نفسك إليه.
إن كنتَ مُشتاقًا لها كَلفًا بِها ... شوقَ الغريبِ لرؤية الأوطانِ
كُن محسنًا فيما استطعت فربَّما ... تُجزى عن الإحسان بالإحسانِ
واعمل لجناتِ النعيم وطيبِها ... فنعيمُها يبقى وليس بفانِ
أدِمِ الصيامَ مع القيامِ تعبُّدًا ... فكلاهما عملان مقبولانِ
ولا تستوحش فلستَ وحدك، بل الله في عليائه معك بحفظه وعونه ومدده، ومن كان الله معه فلا ضيعةَ عليه، فالله أَنيسُه ونصيره وحافظه ومغنيه، قال سبحانه: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

السبت، 9 فبراير 2019

الحَسَدُ آكلُ الحسنات


الحَسَدُ آكلُ الحسنات
الحمد لله..
أما بعد، فطهّروا قلوبكم يا عباد الله بالتقوى، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، وإن المؤمن حريصٌ دومًا على تنقيةِ قلبِه وتصفيةِ صدره وغسْلِ روحِه من سيئات الأخلاق ودنيا النفوس. ولقد تأملت سيءَ الأخلاق فما رأيت أشأمَ من خَصلتي الكبر والحسد، ثم تدبرتُها في القرآن فوجدتُهما سبب إبلاسِ إبليسَ في الشرِّ، وارتكاسِهِ في الخذلان، ووقوعِه في اللعنة والرجم.
لقد حسد آدمَ وتكبّر عليه، فأخلِق بمن تشبّه به في سواد قلبه أن يَمتنعَ الخيرُ عن قلبه ومِن قلبه، فحُبُّ الخيرِ للناس مفتقرٌ لقلبٍ واسع طاهر، ونيّةٍ طيبة حسنة، وقبل ذلك لمحضِ توفيقٍ من الرحمن.
 والشيطانُ حريص على تلويث قلوبِ العباد بسواد خبثه وقتار شؤمه، ولم يجد من رواحله كالحسد والكبر. فعند أحمدَ بسند حسنٍ عن الزبير بن العوام رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "دَبَّ إليكم دَاءُ الأُممِ قَبلَكم: الحسدُ والبغضاءُ، وَهي الْحَالِقةُ أمَا إنَّي لا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكن تَحْلِقُ الدَّينَ، والَّذي نَفْسي بِيدِه لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا، أَلا أدُّلكم على مَا تَتَحَابُّونَ بِهِ؟ افْشُوا السلامَ بينَكم".
فالمؤمن الناصح لنفسه يحرسُها من آكِلِ الحسناتِ الحسد، ولا يسكنُ الحسدُ إلا قلبَ وضيعٍ، ولا يتمكنُ إلا من نفسِ خسيس، أما المؤمن فيردُّه إيمانه ويحجُزُه ورعه، وأما العاقل فيُثنِيهِ عقلُهُ، وأمّا الشريف فيستحي لشرفِهِ. وقيل لبعضهم: ما بالُ فلانٍ يُبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.
أخي المؤمن: إياك والحسد! فإنه آكل الحسنات، فيأكلها كما تأكل النار الحطب، وموبِقُ إبليسَ في أسحقِ الدركات، وهو أوَّلُ ذنبٍ عُصيَ اللهُ به، واعلم أنه لا يجتمع في قلبٍ حسدٌ مع حبِّ الخيرِ للناس، فلا بدَّ لأحدهما أن يُزيحَ مكانَهُ أو بعضَهُ للآخر. فاغسِلْ قلبك من حوبات الذنوب، وطهّر صدرك من نجاسات الأحقاد والشحناء ولوْثات الحسد والبغضاء. ومن توكل على ربه وفوض إليه أمره أوشك أن يصل لتوفيقه ورضوانه بإذنه تعالى ورحمته، فليس مع الرحمن يأسٌ.
واعلم أنّ كثيرًا من نعرات الشقاق بين الناس فسببُها الخفيُّ حسدٌ كامنٌ في الضمائر، مستترٌ عن الظواهر، ولكن تشمّه الأرواح، وتستوحشه النفوس، ويُظهره الخذلان، ويُختم بسوء العاقبة والحرمان.
 والحاسد معترض على قدر الله تعالى بحاله: قال الله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله). وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ألا لا تعادُوا نِعَمَ الله، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
أيا حاسدًا لي على نعمتي ... أتدري على من أساتَ الأدب
أسأت على الله في حُكْمِهِ ... لأنّك لم ترضَ لي ما وهب
والحاسد سقيم غَمِّهِ وقتيل هَمِّهِ، وذكروا عن الإمام الشافعي قوله: إن سمعتَ بسفينة تمشي على الرمل فصدّق، لكن إياك أن تصدّق أن حاسدًا يبيتُ قرير العين! وقال عمر رضي الله عنه: يكفيكَ من الحاسد أنه يغتمّ وقتَ سرورك. وقال الفقيه أبو الليثِ السَّمَرْقَندي رحمة الله تعالى علينا وعليه: تَصِلُ إلى الحاسد خمسُ عقوبات قبل أن يصل حسدُهُ إلى المحسود: غَمٌّ لا ينقطع، ومصيبةٌ لا يُؤجرُ عليها، ومذمّةٌ لا يُحمدُ عليها، وسَخَطُ الربِّ، ويُغلق عنه باب التوفيق. فالحاسد شقيٌّ مكلوم مهموم، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لم أرَ ظالمًا أشبه بالمظلوم من حاسد.
 وقال الأصمعي: رأيتُ أعرابيًّا قد بلغ عمرُه مئةً وعشرين سنة، فقلت له: ما أطولَ عُمُرَك، فقال: تركتُ الحسدَ فبقِيتُ. كما قيل: قاتلَ اللهُ الحسدَ ما أعدلَهَ، بدأَ بصاحبه فقتلَه، فالنارُ تأكلُ بعضَها إن لم تجد ما تأكلُه.
ولقد تأملت في الناس فرأيت أن الحسد يستتر خلف كثير مما يسمّونه أسباب كراهية، فَجُزْ ناديهم بطهارة قلبك وسلامة صدرك وحسن ظنك. وإن البرَّ يا صاحبي أسلافٌ.
والحسد والكبر خصلتا إبليس، ومطيّتاه لغزو قلوب العباد، ولو رُفع الحسدُ من الأرض؛ لأغلقت المحاكمُ أبوابَها. ومن الخطأ أن تطلب ألّا تُحسد فلكل نعمةٍ حاسد.
وقال ابن تيمية: "قد يبتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله لعلم نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقًا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم". وأرى العداوةَ لا أَرَى أسبابَها! لذلك فعند كلامك على الأقران - مهما كان حالهم وعلمهم ومقامهم - حاذر أن تلامس المقارنة بينهم، لأن هذا من شأنه أن يثير الحسد الكامن في قلوبهم. قال ابن تيمية: الحسد مرض غالب، لا يخلص منه إلا القليل من الناس!
ولقد صدق أبو الأسود الدؤلي إذ قال: "إذا أردت أن تعظم فمُت". فالميِّتُ تكبُرُ محاسنُه، وتُنسى معايبه، وتَدفِنُ الرحمةُ به الحسدَ عليه. وبالتغافل عن الحُساد يستريح الفؤاد.
فاحرص - رعاك الله – على سلامة صدرك وليكُنْ  قلبُك طاهرًا من كل ما يُشينُهُ، فلا تحمِلْ على الناس لأجل دنيا.
وسلامة الصدر هي الطريق لحسن النصح للمسلمين، فمن أراد بلوغ مرتبة أن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه فليبدأ بتفقّد سلامة صدره لهم. فالمؤمن قلبُه سليمٌ، وصدرُهُ سليمٌ، ونصحُه للناس صافٍ مُتدفِّقٌ، يُحب لهم ما يُحب لنفسه من خيري الآخرة والدنيا.
وصدره سالم من سواد الحسد، وقَتَرَةِ الحِقد، ودخانِ الضغينة، فهو سليمٌ كقلب الطيرِ البريء، طهَّر قلبَه من نتنِ معصية، وقُبح خطيئةٍ وضِرَامِ بغضاءٍ لمسلم، ومثلُ هذا موعودٌ برحمة ربه وجزيل هباته. (جزاؤهم عند ربهم جناتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه).
وهل تعلم سرَّ استنارةِ الوجوه وانفساحِ الصدور: إنه القلب السليم! فتفقّد – رحمك الله - طهارةَ قلبك، وسلامةَ صدرك، فإنها من نفيسِ رأس مالك في الدار الآخرة، فنِعَمّا طهارةُ القلبِ ذخيرةٌ بين يديك غدًا، وأكرِمْ بها قربانًا وزُلفى إلى مولاك أبدًا، أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم: (من أتى الله بقلب سليم).
فإن السعيد من ولد آدم هو من اتقى الله تعالى حق التقوى، وتحلى بسلامة الصدر وطهارة القلب، فالفائز عند الله غذًا هو من سَلِمَ صدره اليومَ. والمؤمنُ طاهرُ القلب كأبيه آدم عليه السلام، فإن خُدِعَ يومًا لطيبته فلهُ سلَفٌ صالحٌ بأبيه، الذي لم يكن يتصوّر أن هناك من سيقسم بالله كاذبًا (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين).
إنّ سلامةَ الصدرِ خلق شريف، يتحلّى به أهلُ المروءاتِ العظيمةِ، والنفوسِ الساميةِ والرغائبِ الكبرى في فلاح الدار الآخرة. وكان السلف رحمهم الله يحفظون لسالمِ الصدر هذه الخَصلةَ ويحمدونه عليها. قال اياسُ بنُ معاوية: كان أفضلُهُم عندَهم أسلَمُهُم صدورًا وأقلُّهُم غِيبة.
ومن كان قلبه سليمًا الحسدِ وصدرُهُ خاليًا من الحقدِ فقد تنعّم بشيء من نعيم الجنة، فمِنْ نفيسِ نعيمِهَا سلامةُ صدورِ سكانِها وراحتُهم، قال ربنا تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين).
وسلامة الصدر منحةٌ من الله تعالى ومحض فضل من لدنه، يختص به من أراد توفيقه من خواصِّ عباده. وسئل الإمام أحمد: ما التوفيق؟ فقال: ألّا يكلك الله إلى نفسك. فالقلبُ قُلَّبٌ مالم يعصمه مولاه، والصدر ضيّق ما لم يفسحه الله، والهم ملازم ما لم يرفعه الله. (إن في ذلك لآيات لأُولي النهى).
إنّ سالمَ الصدرِ على عباد الله يعيشُ بين الناسِ وجنتُهُ في صدره، وبستانُه في قلبه، وسعادته وسكينته في روحه، ينظرُ إليهم بعيني قلبِه السليمِ، وصدرِهِ الناصحِ الناصعِ الواسعِ، فلا يرى شيئًا من نَكَدِهِم عليه يستحقُّ ذلك المقابلَ، فينقلبُ إليهم سليمَ الصدرِ، حسَنَ الظنِّ، مُحبًّا لهم كل خيرٍ يُطيقه، مُسديًا لهم كل فائدة يسطِيعها، لعِلمِه أنه لم يُخلق لحملِ همومِ دنيا وغمومِ فانية.
إنه فقط يحمل هم آخرته، ويسعى لتحصيل رضى مولاه، فإن صادَفَهُ ظلمٌ له أو أذىً؛ لم يتكدّرْ تَكَدُّرَ الهلوعين، ولم تَضِقْ نفسُهُ بأمرٍ هو عند الناسِ عظيمٌ وعندَ الأتقياءِ تافه.
 فَمَا كُلُّ ما راجتْ عند الناس عظمَتُهُ عظيمًا، وما كلُّ ما تهالك الناس على تحصيله يستحق، ولا كلّ ما حَمَلَ الناسُ همَّ إزاحتِه واجتنابِه حقيقٌ بذلك، فالميزانُ هو ميزانُ الآخرة، وإنما المعوّلُ على رضى الرحمن. ومن كان معيارُهُ الآخرة؛ نَفَذَتْ بصيرتُه، واستقام عمله، ومن كان ميزانُهُ العاجلة؛ عمي قلبه وانتكس عمله. (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار).
والدنيا كَدرٌ وكَبَدٌ وعناء فلا تفرح بها ولا تحزن لها ولا تعطها فوق قدرها، ولن يُنالُ منها نعيمٌ إلا وفي طَرَفِهِ بؤسٌ، وما تحت الخضراءِ وفوقَ الغبراءِ بمستريحٍ (لقد خلقنا الإنسان في كبد).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الأحد، 3 فبراير 2019

الاستهزاء بالدين ردّةٌ عنه، وغيبة المؤمنين نقصٌ فيه


الاستهزاء بالدين ردّةٌ عنه، وغيبة المؤمنين نقصٌ فيه
الحمد لله،،،، أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أصول الإسلام تعظيم رب العالمين وإجلاله وهيبته وخشيته، ومن لوازم ذلك تعظيم شعائره وذلك شرط التقوى، قال سبحانه: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وقال: ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه).
وما من عضو بعد القلب أشدّ خطرًا من هذا اللسان، وما من جارحة أحقُّ بطول حبس منه، وإنه لعجيبة من عجائب خلق الله تعالى، ونعمة جليلة من أكبر آلائه، فبِهِ يكون البيان الذي نبّه ربُّ العزة لجلال شأنه بقوله: (علمه البيان).
فبه لسانًا وبَنانًا يُعرب عن مكنون ضميره ورغائب نفسه، وبه يطلب حاجته، وبه يعبد ربه ويدعوه ويلهج بذكره وشكره. فهو من أعظم وسائل رضى الله عن عبده لمن أحسن استعماله في طاعته.
وبالمقابل فهو هاوية لا قرار لها إلا في دركات الجحيم لمن أطلق عنانه بالكفر والشرك ومساقط غضب الجبار جل جلاله، وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم". وتأمّل: "لا يلقي لها بالًا"! إنه اللسانُ، ذلك البَنَّاءُ العجيبُ للحسنات، والهادمُ لها!
 من هنا يتبيّن للمؤمن خطر هذه الجارحة التي تسمّى اللسان، وفي زماننا – زمان الكتابة – أصبح القلم أحد اللسانين، فاحفظ لسانَيك لعلّك تنجو. ولا يكن لسانُك: كحسامِ السيف ما مسَّ قطع!
وإن كان بغيُ السِّنان مُعطِبٌ فإن مبدأه اللسانُ، وكم في المقابر من قتيلِ لسانه، ومَن سلّ سيف بغيِ لسانه قُتل به، وعقلُ المرءِ مدفون بلسانه، فاللسان غطاء العقل، فمتى نطق انكشف الغطاء، ولكل عملِ جارحةٍ غدًا من الله طالبٌ وسائلٌ، فهل أعددت جوابًا صوابًا؟!
ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أَوْلَى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أَوْلَى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه.
ومما يحزن قلب المؤمن ما يراه من تساهل بعض الناس في شأن الاستهزاء بالدين وشعائره، مع أن ذلك من موجبات الردة عن الإسلام عياذًا بالله تعالى، قال في شأن المستهزئين بالدين: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم). وتدبّر كيف أثبت لهم إيمان ثم كفروا بكلمة! قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: "إنما كنا نخوض ونلعب" ما يلتفت إليه رسول الله، ويقرأ: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون..) الآية. قال الإمام المجدد: وفيه أن من الأعذار ما لا يُقبل من صاحبه.
وقال العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: من كان ديدنه قول: المطاوعة كذا وكذا. فهذا يخشى عليه أن يكون مرتدا، فلا ينقم عليهم إلا أنهم أهل طاعة.
وقال العثيمين رحمه الله: الذين يسخرون من الملتزمين بدين الله فيهم نوع نفاق، فالله قال عن المنافقين: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين).
وفي فتاوى اللجنة الدائمة: من قال لآخر: يا لحية. وقصده السخرية فهو كفر، وإن قصد التعريف فليس بكفر، لكن لا ينبغي أن يدعوه بذلك.
وقال ابن جبرين رحمه الله: وقع كثير من الشباب في ردة جماعية، وقد دخل عليهم الشيطان من بابين: ترك الصلاة، والاستهزاء بالدين.
فاحفظ لسانك إن رمت النجاة، واعلم أن من أعظم أسباب حفظ اللسان: دوامُ ذكر الله تعالى، فالذكر يملأ فراغ القلب بتعظيم العظيم، ويشغل اللسان بالأمر العظيم، حينها يرى صاحبُه نفاسة عمره فيحفظه. (ولذكر الله أكبر). والذكر هو اتصال البال بالله تعالى بأي وجه كان، بالقلب: تذكُّرًا وتفكُّرًا واعتبارًا، وباللسان: بالقرآن والأذكار وقول الخير، وبالأفعال الشرعية.
 وللذكر مراتبٌ وتفاضلٌ: في أنواعه وأفضلها القرآن، وأحواله وأشرفها السجود، وأزمنته وأطيبُها السَّحر، وأمكنته وأجلّها عَرَفَة، والدين كله ذكرٌ، وضدُ الذكرِ الغفلة.
 فعلى المؤمنين بعامّة وطلبة العلم خاصّة الاعتناء بحراسة اللسان من فخّ إبليس في المجالس: الغِيبة. فهي من كبائر الذنوب، مع ذلك فحال كثير من الصالحين معها كالمستحلّين لها بالحال لا بالاعتقاد، خذلانًا وخيبة!
 فالنفس تستروح لتنقّصِ الناس لتستريح من لومها على تقصيرها، وهذا الإسقاط الخفي إن لم يتداركه الناصح لنفسه في نفسه فإنه يستفحل به حتى يأكل حسناته بكيل مظالم العباد. وقد قيل: القلوب كالقدور في الصدور، تغلي بما فيها، ومغارفُها ألسنتُها، فانتظر الرجلَ حتى يتكلم، فإنّ لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج.
لقد توسّع بعضهم في التساهل في الغيبة بما لم تُبحه الشريعة، فالأصل الثابت هو حرمة العرض المسلم، فلا يباح خرق هذا الأصل إلا على برهان من الشريعة، وليس كلّ من زعم أنه يحذّر من بدعةٍ محقّ في تحذيره ولا مستنٌّ في أسلوبه وطريقته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ". متفق عليه.
  وكذلك حمّالةُ حطب السيئات: النميمة. وبعضهم ينمّ ولا يشعر ظانًّا أن النميمة لا تكون مذمومة إلا إن كانت بقصد سيء، وما علم أن النميمة هي نقلُ الكلام على وجه الإفساد بأي وجه كان، فكم من ناقل كلمة على وجه المرح والتفكّه أفسد مودة القلوب وأحيى ميت العداوات، كيف إن صحبها مكر ودناءة وسوء طوية. ومن حمل إليك حطب نميمته في الناس، فاعلم أنه سيسلخك قريبًا في قدورهم.
 ومن جعل قلبه وعاءً لاستقبال النمائم، وساعدها بأجنحة سوء ظنونه بالناس؛ فليبشر بخراب مدينة سروره، واضمحلال هناءة عيشه، فالعَضْهُ نفّاخةُ فتن.
 ففتّش صحيفتك ونقّها اليوم قبل نشرها غدًا، ونقّ سريرتك الليلة قبل ابتلاء السرائر غدًا، وتذكّر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة نمّام". ولما مرّ بقبرين قال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير! بلى إنه كبير: أما أحدهما، فكان يمشي بالنميمة.." متفق عليهما.
ومن بوائقِ الألسن: التنابزُ بالألقاب بغيًا وعدوانًا، ويكأن زماننا هو زمان هذا النوع من البغي، والله المستعان. ولما قال رجل لصاحبه: إني لأرحمُك مما يقول الناس فيك؟ قال: أفتسمعُني أقولُ فيهم شيئًا؟ قال: لا، قال: إياهم فارْحَم.
فاعتقل قلمَك ولسانك في محبس حكمتك وعقلك وورعك، ولا تُطلِقْهما إلا بخير، وفكّر واعتبر بمآل خطواتك قبل الإقدام، وصوّب قراراتك قبل انطلاق السهام.
وإن أردت الإحساس بحلاوةِ الإيمان وتذوُّقِ لذة العبادة والانتعاش ببرد اليقين واستشعار نور الصدر ودفئه وانفساحه فانشغل بما يفيدك في المعاد، وبما هو من مهمّاتك الأوّلية وما خلقتَ من أجل تحقيقه.
وتدبر حال أهل الجنة: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) لمّا طهّرُوها في الدنيا بيّضها لهم يوم لقياه ورؤيته، وأذلّوها له بالسجود في الدنيا فأعزّهم في دار كرامته. فابحث – وفقك الله - عن نعيمك المرتقب وسعادتك اللذيذة في سجدة خاشعة طويلة تغسل فيها همومك وتبخّر من صدرك غمومك: (اسجد واقترب).
ومتى تعلق المؤمن بكلّيته بربه، وفوّض إليه كل أمره، وقطع عن قلبه كل حبال الرجاء بالخلق ويأس منهم ووثق بربه؛ فهو حريّ حينها بكرامة الله له ولطفه به، فسلّم أمرك للسلام.
 فإذا تبصّرت مواقع رُشدك وعواقب غيّك، وانتبهت لعيوبك وأبصرتَها، وحرستَ قلبَك وطهّرته، وحصّنت عقلك ونفسك بالعلم والحكمة ومعرفة دخائل النفس وحظوظها العاجلة الخفيّة؛ فستذوق حينها بلسان قلبك حلاوة ثمار الإيمان، وستبتهج بحياتك في رياض القرآن، وستذوق نعيمًا في الدنيا وهو في حقيقته رقيقةٌ من نعيم الجنان، والله الموفق وهو المستعان وعليه المعوّل والتكلان.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
أخي في الله: اتق الله تعالى حق التقوى، واعلم أن الله تعالى لمّا بثّ الخلائق اختار لك هذا الزمان وهذا المكان ليكونا محل الابتلاء الإلهي لك، فكن خير ذاكر صابر حامد شاكر تائب مستغفر. واعلم أن للمؤمن بحرٌ لا تكدره مصائب الزمان، إنه بحر الرضى بالله تعالى، فاغمِسْ كلَّ همّ لك في بحر الرضى بالله، حينها تنطفئ نيران المصيبة ببرد السلام. واعلم لأنّ قدرَك إن لم تذهب إليه؛ جاء إليك. فكن لله، وبالله، ومع الله، وإلى الله؛ فهو الغاية وما سواه هباء، قال سبحانه: (وأن إلى ربك المنتهى) (وأن إلى ربك الرجعى) فمهما سلكت من دروب الحياة خيرًا أو شرًّا، سرورًا أو حزنًا، صحة أو سقمًا، فإليه وحدهُ المنتهى.
واحمد الله تعالى واشكره كثيرًا على أن فضّلك على غيرك تفضيلًا بالعلم به والفرح به والأنس به في وقتٍ ترى فيه من يفرّ من الله حال شدته وكربته، فلا يفزع للصلاة والدعاء، بل لسفر أو لهو أو مسكر (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
ولا تقل ليس معي أحد إذا كان معك الأحد الفرد الصمد، ومن لذائذ النفوس الاكتفاء برب البرايا والنفوس. وأنفع طعام للقلب هو الاكتفاء بالله تعالى.
وإذا استشعر القلب كِبَر ربه صغر على إثر ذلك كل شيء. وإذا انصدع صدرُ المؤمن خوفًا من ذنوبه وأظْلِم بالُهُ فَرَقًا من سوء منقلبه؛ تذكّر سعة رحمة أرحم الراحمين فراقت حياته وتنهنهت أنفاسه وانبلجت أسارير سعادته، قال ابن مسعود رضى الله عنه: ليغفرنّ الله يوم القيامة مغفرةً لم تخطُر على قلب بشر.
وتدبّر قول الخليل عليه السلام لأبيه صانِعِ الأصنام: (يا أبت إني أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن) ففيه سعةُ رحمة الله تعالى، فمن عُذّب غدًا من (الرحمن) الذي هو أرحم الراحمين وأرحم للمرء من نفسه ومن والدته؛ فهو غير حقيق بأيّةِ رحمة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: لتدخلُنّ الجنة إلا من أبى وشرد على الله شراد البعير.
وصلوا وسلموا على رسول الله..