إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 8 أكتوبر 2018

فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم


فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم
منقولة ومهذبة ومختصرة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.
أما بعد: فيا عباد الله إن أمة محمد هي خير الأمم فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (جعلت أمتي خيرَ الأمم) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله تبارك وتعالى) ، فقد خلق الله سبعين أمة، وجعل أمة محمد صلى الله عليه وسلم تمام السبعين، وجعلها أفضل أمم الأرض على الإطلاق، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً في الحديث الصحيح: (أمتي هذه أمة مرحومة)، وقال: (عذابها في الدنيا الزلازل والفتن والقتل) ، وقال: (إن أمتي أمة مرحومة عذابها بأيديها) ، فجعل الله سبحانه وتعالى من المكفرات لذنوب هذه الأمة ما يقع فيها من القتل والفتن والزلازل، فإذا قال إنسان: لماذا يضرب الله بعض بلاد المسلمين بالزلازل، وهم فقراء وجياع ومرضى؟
فالجواب: أنها رحمة من الله، يكفِّر الله بها سيئاتهم في الدنيا؛ فيلاقونه عز وجل وقد رحمهم، وكفر عنهم، فكل ما يصيب الأمة من نكبات، من زلازل وفتن، فهي رحمة من الله عز وجل، حتى يوافوا ربهم وقد غفر لهم ذنوبهم، أو غفر لهم من ذنوبهم ما يحمدونه تعالى على ما أصابهم.
وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن (الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله فرطاً وسلفاً بين يديها) أي: يتقدمهم بالموت، يموت قبلهم، (وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها، وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه، وعصوا أمره) ، وقد قبض نبينا صلى الله عليه وسلم وهو راض عن أصحابه، وقام أصحابه بنشر الدعوة في أرجاء الأرض.
 ومن فضائلها دعوات رسول الأمة لأمته: قال عليه الصلاة والسلام -مبيناً ميزة اجتماع هذه الأمة-: (سألت ربي...: ألا يجمع أمتي على ضلالة) ، كما جاء في اللفظ الآخر، ولذلك أوصانا صلى الله عليه وسلم بالجماعة، ونهانا عن الشذوذ، وقال عليه الصلاة والسلام: (سألت ربي ثلاثاً؛ فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألته ألا يهلك أمتي بالسَّنَة) يعني: بالقحط (فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها) ، وفي رواية: (وسألته ألا يسلط عليهم عدواً من غيرهم) أي: يقتلهم جميعاً؛ فيستبيحهم، ويستأصلهم عن بكرة أبيهم، (فأعطانيها) أي: إن الله وعد نبيه عليه الصلاة والسلام ألا يجعل فناء الأمة بالكامل على يد أعدائها، فمهما قتل أعداؤها منها، فإنها باقية، وإسلامها باق، ودينها باق، (وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعني) ، فلذلك صار القتل في الأمة يقتل بعضهم بعضاً، هذا من الأمور التي أذن الله بها، وشاءها لحكم يعلمها سبحانه وتعالى؛ ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة) أي: قحط وجدب عام ومجاعة.
وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام قال: (لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين: سيفاً منها، وسيفاً من عدوها) أي: إنه لن يكون هناك استئصال لهذه الأمة مهما اجتمعت عليها أمم الشرق والغرب، لا تقدر على إفنائها، فهي باقية، ودينها باق.
وكذلك فمن ميزاتها: أنها أول أمة تدخل الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) ، فنبينا أول من يدخل الجنة، وأمته تتبعه على ذلك.
ومن مزايا هذه الأمة: يوم الجمعة، والتأمين، والقبلة تجاه الكعبة، والتحية بالسلام، والصلاة في الصفوف، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (إن اليهود قوم حُسَّد، وهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على السلام، وعلى آمين)
وكذلك أخبر عليه الصلاة والسلام بوقوع الطعن والطاعون في هذه الأمة، وأنه شهادة للمسلمين، أي: إن أجر الشهيد يكتب لمن قتل بالطاعون، وبالطعن أيضاً، وقال عن الطاعون: (وخز أعدائكم من الجن) ، وهو شهادة لكل مسلم.
ومن خصائص هذه الأمة: أن الله عفا عنها ما وقعت فيه بسبب الخطأ والنسيان والإكراه: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال الله: (نعم) رواه الإمام مسلم رحمه الله.
 وعن تفضيل أمة محمد يوم القيامة: قال عليه الصلاة والسلام مبيناً أن هذه الأمة يأتون معلَّمين بعلامة يوم القيامة تميزهم عن بقية الأمم، قال: (إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه) "قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذ؟!" أي هل تعرف أجيال أمتك التي جاءت من بعدك ومت قبلهم؟ "قال: (نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون علي غراً محجلين من أثر الوضوء) رواه الإمام مسلم رحمه الله، وهذا يدل على فضيلة الوضوء، وعلى أهمية إسباغه، وعدم التفريط فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء) ، وكذلك فإنهم يأتون يوم القيامة قد أنارت أعضاء وضوئهم فيها نور، فيكونون غراً محجلين كهيئة الخيل الغر المحجلة التي بياضها في أطرافها وجبهتها.
وقال عليه الصلاة والسلام: (فضلنا على الناس بثلاث: جعل صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وتربتها لنا طهوراً) ، ولذلك كان التيمم من خصائص هذه الأمة، ومن التوسعة عليها لم يكن لأمة أخرى من قبلنا، (وأُوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط أحد منه قبلي، ولا يعطى منه أحد بعدي) .
وهم شهود الله تعالى فعند البخاري ومسلم عن أنس قال: "مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال: (وجبت)، ثم مُر بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال: (وجبت)، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجبت، ولهذا وجبت! قال: (شهادة القوم، المؤمنون شهداء الله في الأرض)" ؛ ولذلك جاء في لفظ: (يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار) ، فالمؤمنون شهداء الله في الأرض إذا أثنوا على الميت خيراً كان في خير، وإن أثنوا عليه شراً -أي: ذكروه بشر- كان في شر، وهكذا.
ومن خصائصنا: هذا اليوم العظيم الذي نحن فيه الآن، قال عليه الصلاة والسلام: (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة ) وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة: (نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق) .
وكانت هذه الأمة في أهل الجنة شأنها عظيم، "قال عليه الصلاة والسلام: (أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟) قالوا: فكبرنا، ثم قال: (أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟) قال: فكبرنا" "ثم قال: (إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة)"، وسأخبركم عن ذلك، ما المسلمين في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، بل قد جاء أنهم ثلثي أهل الجنة في الحديث الذي رواه أحمد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم) ، فالحمد لله على نعمائه.
ومن خصائص هذه الأمة: أن (الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح.
وكذلك فإنه سبحانه وتعالى قد جعل الخير في هذه الأمة في أولها وآخرها، وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) .
وكذلك بورك لهذه الأمة في بكورها، فكان البكور بركة على هذه الأمة.
عباد الله: هذه طائفة من الأخبار الصحيحة في القرآن والسنة على فضل هذه الأمة، وعلى خيريتها، وعلى ميزاتها ورفعتها على من سواها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
...............
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله الصادق الوعد الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أزواجه وذريته. أما بعد فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن فترات الضعف لا تنفي أن هذه الأمة هي أفضل أمة، وهي خير أمة، وهي الأمة الغالبة في الأرض، وفترات الضعف لا يقاس عليها.
أيها المسلمون، ما دمنا بهذه الخيرية فلماذا صرنا في هذه المنزلة؟ يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب الحال الذي نحن فيه الآن، فيقول صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال قائل: "ومن قلة نحن يومئذ؟" قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن)، فقال قائل: "يا رسول الله، وما الوهن؟" قال: (حب الدنيا، وكراهية الموت) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح، قال القاري في المجمع": "يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأس يمنعهم، فلا رادع، ولا مانع؛ يأخذونها سهلة ميسورة".
وقوله: (ومن قلة نحن يومئذ) أي: هل ذلك التداعي لأجل قلة نحن عليها يومئذ؟، فقال عليه الصلاة والسلام: (بل أنتم يومئذ كثير) أي: عدد كثيرون في العدد، (ولكنكم غثاء كغثاء السيل) قال في تفسير الغثاء: "ما يحمله السيل من زبد ووسخ شبههم به لقلة شجاعتهم، ودناءة قدرهم" شبههم بالغثاء، ما يحمله سيل الأمطار من زبد ووسخ، لا قيمة له تافه "شبههم به لقلة شجاعتهم، ودناءة قدرهم"، ثم قال: "(ولينزعن) أي: ليخرجن، (الله من صدور عدوكم المهابة) أي: الخوف والرعب منكم"، وقد كانت هذه الأمة في أيام قوتها مرعبة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (نصرت بالرعب) ، وهم إذا عادوا إلى الدين يصاب الكفار بالرعب حتماً؛ لأنه قال: (نصرت بالرعب)، وهذا النصر له ولأمته المتمسكين بدينهم من بعده، ينصرهم الله بالرعب؛ وينزع من عدونا الرعب منا في حال تخلفنا عن ديننا، "قال: (وليقذفن في قلوبكم الوهن) أي: الضعف، قالوا: (وما الوهن؟) فقال: (حب الدنيا، وكراهية الموت)، وهما أمران متلازمان، فكأنهما شيء واحد، يدعو إلى إعطاء الدَّنية في الدين من العدو المبين" انتهى كلامه رحمه الله.
وقال عليه الصلاة والسلام مبيناً الداء الذي نعيشه في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود أيضاً عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) العينة أن يبيع شيئاً إلى أجل بثمن، ثم يشتريه ممن باعه عليه نقداً بثمن أقل، يعني: حيلة على الربا، فإذا وقعت الأمة في الربا، وتبايعت بالربا، واحتالت على الربا، هذه واحدة، قال: (وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع) أي: اشتغلتم بالزراعة، (وتركتم الجهاد) فلم يذم النبي عليه الصلاة والسلام الزراعة مطلقا، ولم يقل لنا لا تزرعوا، بل قال ازرعوا في أحاديث أخرى أمرنا بالزراعة، لكن نهانا عن الانشغال بها، قال: (ورضيتم بالزرع)، فالسر في قوله: (رضيتم)، ثم في قوله: (وتركتم الجهاد)، فترك الجهاد هو المصيبة، وليست الزراعة المصيبة، الرضا بالزراعة الرضا بالدنيا، (وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً) وكذلك فإن من الذل أن صاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل في سبيل الله، وهي أعز الأماكن. فبالدين لا بغيره نُنصر وتكون لنا العزة والتمكين.
اللهم صل وسلم وبارك على محمد وأله وصحبه..