Follow by Email

الثلاثاء، 25 يوليو، 2017

التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات

 التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات
الحمد لله على نِعَم لا تُحصى عددًا، وما أقضي بالحمد حقًّا، وأشكره ولم يزل للشكر مستحقًّا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المالكُ للرقاب كلِّها رقًّا، كوَّن الأشياء وأحكمها خلقًا، وفتق السماء والأرض وكانتا رَتْقًا، و قسم العباد فأسعد وأشقى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ﴾
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف الخلائق خَلْقًا وخُلُقا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وتقى، أما بعد:
 فلا إيمان إلا بتعلق, ولا عبودية إلا بتعلق, ولا إسلام إلا بتعلق, فمدار الدين على تعلّق القلب برب العالمين من جهة ربوبيته له وإحاطته به وحفظه وإمداده ورزقه, ومن جهة إلاهيته وحبه وعبادته وتوجّهه وإسلامه. فقلب المؤمن معلّق بربّه مهما باشرت يده تقليب الأسباب.  
والمؤمن يعلم أن الملك ملك الله, والخلق خلقه, والعبيد عبيده, فهو لا ينفك عن تعلقه بمن هذا شأنه سبحانه وبحمده.
والمؤمن الموفق يعلم أن الله خلقه لعبادته, وأن زبدة رسالة المرسلين هي تحقيق التوحيد وتجريد العبودية وحده لا شريك له "ولما بعث صلوات الله وسلامه عليه صار يقول للناس: "قولوا: لا إله إلا الله" رواه أحمد بسند صحيح. ومعنى لا إله إلا الله: أن يكون التألّه - الذي هو حب القلب وخوفه ورجاؤه - لله وحده، فلا يكون القلب متعلقاً بغير الله جل وعلا.
والمتعلق بالله لا يُخذل في أشد الأهوال ولا يُنسى مع تتابع الكروب, بل تتتابع عليه ألطاف الملك الوهاب, وتتوالى عليه أمداد اللطيف الخبير, وهو ذاكرٌ لربه في كل حال, حتى مع التحام الأقران بتوالي الطعان ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
والمتعلق بالله لا تضيق عليه المخارج عند ادلهام الخطوب وتكاثف الغموم, قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "ضاق بي أمر أوجب غمًّا لازمًا دائمًا، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه. فما رأيت طريقاً للخلاص. فعرَضت لي هذه الآية: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً " فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم. فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج.
فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج.
ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله عز وجل كافيه فلا يعلق قلبه بالأسباب، فقد قال عز وجل: (ومنْ يتوكلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حسبهُ ).
والمتعلق بالله بصير بحاله, عليم بعاقبة أفعاله, يعلم من أين يؤتى لذلك قلّت ذنوبه, حسن الظن بالمولى لذلك كثرت ضراعته وعظمت رغائبه, ويعلم أن لمولاه حِكَمٌ في تأخير إجابة دعواته أحيانًا.
عباد الله:  مَن تعلق بربه ومولاه كفاه ووقاه، وحفظه وتولاه؛ فهو نعم المولى ونعم النصير. ومَن تعلق بغيره وَكَلَه الله إلى مَن تعلق به؛ وخَذَلَه. قال وهبُ بن منبه: "أوحى الله تبارك وتعالى إلى نبيه داوُد عليه السلام: يا داوُد! أما وعزّتي وعظمتي لا يعتصم بي عبدٌ من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن مخرجاً، أما وعزّتي وعظمتي لا يعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوقٍ دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعتُ أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدمه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك" رواه أحمد.
إن المتعلق بالله لا يخشى غيرَه ولا يخاف سواه, لعلمه أن المخلوقين مهما أوتوا من قوة وخبرة وسلطان وبطش فلا يخرجون عن قَدَره وقُدرته طرفة عين, ولو اجتمعوا على أن ينفعوا أو يضروا أحدًا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون.
ومن تعلق بغير ربه فقد حكم على نفسه الحرمان وختمها بالخذلان, وأصل مادّة الشر في العالم هي من تعلق المخلوق بغير خالقه, وتأله قلبه لغير إلهه الحق, فما دخل القلب شرك بالله إلا من باب التعلق, فليعتن اللبيب الناصح لنفسه غاية العناية بحراسة هذا الباب لقلبه.
قال شيخ الإسلام: «والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله؛ فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرَك به شيء" قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "والله ما صدق اللهَ في عبوديته مَنْ لأحد من المخلوقين عليه ربَّانية".
وقال ابن القيم رحمه الله: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحَمَل عنه كل ما أهمه، وفرَّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمَّله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم؛ فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره.
فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته"
عباد الرحمن: وللتعلق بالله تعالى علامات ومنارات.
فمنها: الخضوع والخشوع لربه: فإذا تعلّق المؤمن بربّه فإنه يذل لأمره ويخضع ويخشع, ويعلم أن الأمر كله لله, وأن الدين دينه, فمهما جرت به رياح الأحكام فهو جارٍ معها رخيّةً كانت عليه أو شديدة, فالله خلقه ليبتليه وليظهر رسوخ قدمه في التسليم لأمره وشرعه. 
ومنها: الاستعداد للرحيل: ذلك أن المتعلق بالله مستعدٌّ للرحيل على الدوام, حازمٌ أمره قبل الموت, حاملٌ زاده قبل الفوت, حبلُ أمله في الدنيا أقصر من كراع نملة, وفي الآخرة أوسع من شعاع الشمس "ويجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعداً.
وَيَبكي عَلى الموتَى ويَترُكُ نفسه     ويزعَمُ أَنَّ قَد قَلَّ عَنها عَزَاؤُهُ
ولَو كانَ ذا رأىٍ وعقلٍ وَفِطنَةٍ      لكانَ عَليهِ لا عَليهِم بُكَاؤُهُ
ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان. ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا:
يعمّر واحدٌ فيغرّ قومًا      ويُنسى من يموت من الشبابِ
ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه. فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلاً. وإنما يقدم المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة لطول الأمل.
وإن لم تستطع قصر الأمل فاعمل عمل قصير الأمل. ولا تمسِ حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة فامحها بتوبة، أو خرقاً فارقعه باستغفار. وإذا أصبحت فتأمل ما مضى في ليلك. وإياك والتسويف فإنه أكبر جنود إبليس.
ومنها: تجديد التوبة النصوح: فالمتعلق بالله محسن لمتابه, فهو يعلم ان قلبَه محلُّ نظر ربه تعالى الذي لا تخفى عليه خافية, والحذرَ الحذر من المعاصي. فإن عواقبَها وخيمة.
فوا أسفاً لمعاقَبٍ لا يحس بعقوبته. قال ابن سيرين: عيرت رجلاً بالفقر فافتقرت بعد أربعين سنة.
فالله الله في تجويد التوبة وتجديديها عساها تكف كف الجزاء. والحذر الحذر من الذنوب خصوصاً ذنوب الخلوات. فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما بينك وبينه في السر يصلح لك أحوال العلانية.
ومن علامات التعلق بالله: إحسان الظن بالمولى الكريم: فالمتعلق بربه كلّه أمل في فضله وكرمه وسعة رحمته, وتهش نفسه وتطرب لسماع البشارات للمؤمنين سائلًا ربه أن يسلكه سبيلهم, فهو منتظر لرحمة ربه في الآخرة, راغبًا راهبًا محبًّا, يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله..
عباد الله: ومن علامات التعلق بالله تعالى: حراسةُ الوقت من الضياع: فالمتعلق بالله يعلم أن عمره قصير, وأن سنينه مهما امتدت وبسطت فمناه وآماله أكبر وأبعد من أن تحتويها, لذلك فهو يعمر الباقية ولو بخراب الفانية, فيجعل الدنيا معينة على تحصيل فوز الآخرة وفلاح الباقية, مجتهد في عمارة وقته بذكر الله وما والاه, مقدمٌ الأهم على المهم, متكامل في توزيع جهده, منظمٌ في ترتيب وقته, يقطع بحسن نيته وقوة عزيمته ما لا يقطعه الأفذاذ من أقرانه, متعلق بكليته بالله واثقٌ به متوكلٌ عليه مفوض أموره إليه.
يحزن للساعة التي يغفل فيها عن ربه, فإن اختلستها نفسه الأمارة, واستلبها القرين الرجيم حمل عليهما بنفس لوّامة لهما, فاستعاض عما سلف من غفلته بتدارك ما استقبله والاجتهادِ في تعويض ما فاته, فاطمأنت نفسه للخير الذي ترجوه, والأمل الذي ترقبه, فهو بين ادّكار واعتبار وفرح واستبشار, متقلب على مراضي ربه, مراوح بين الفرض والنفل, قد جهز راحلتي صبره وشكره, وزاملةَ زاد التقوى.
ومنها: توحيد التعلق بالله دون من سواه: وتفكر في قصة خطبة الصديق عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف علّق الناس برب الناس لا بغيره من مخلوقاته, فخطب الناس قائلًا: "أما بعد: فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر رضي الله عنه، فتلاها منه الناس كلهم؛ فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها" رواه البخاري. فأبو بكر رضي الله عنه قد احتمل هذ الخطب الجسيم لأن قلبه كان شديد التعلق بالخالق فوفّقه في ساعة الشدة, وتأمل فقهه بقوله: "فإن الله حي لا يموت" فيا لله! كم فيها للمؤمنين من ذخرٍ ورضى.
ومن العلامات: شدةُ الحرص على موارد حياة القلب ودفع أسباب ضعفه وموته. فلما كان القلب هو قطب رحى الإرادة, وصندوق ذخائر الإيمان, وبصلاحه صلاح النفس وفلاح المصير؛ كان له المحل الأرفع في استصلاحه وتنمية موارد الخير فيه والعمل على حراسته من غوائل الشيطان. ومن كان هذا حاله فهو البصير حقًّا والعاقل صدقًا, وعلى قدر صلاح القلب تكون نسبةُ تحسسه من دغل الذنوب وتفرسه في مآلاتها في حاله ومآله.
والمتعلق بالله حريص للغاية على رعاية أحوال قلبه. فالمتعلق بالله عن علم يخشى سقوطه من عين ربه لأدنى زلة, وخوفه من الله وخشيته وهيبته على قدر علمه به.
كما أنه يوطّن نفسه دائمًا لأحسن الأحوال مع الله مع اختلاف الأحوال عليه.
ومن أمارات التعلق بالله تعلقُ القلب ببيوت الله: فلما تعلق قلبه بربه هفت نفسه لبيوت الله التي رُفعت لذكره (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) فالمسجد هو قطب رحى راحة المؤمن فإذا خرج منه أحس ببَضعة منه بقيت خلفه فلا يطمئن حتى يعاودها، فهو ينتقل من صلاة لقراءة لذكر لتفكر لدعاء حتى اختلط حب المسجد بلحمه ودمه وعصبه، وكذلك المؤمنة في مصلاها في قعر بيتها فسلوتها وراحتها في صلاتها وذكرها ودعائها.

ويكفي المؤمن الذي أمسى بهذا الحنين لموطن السجود بشارةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجل قلبه معلق بالمساجد" متفق عليه. فالمؤمن من عُمّار بيوت الله بقلبه وقالبه. والحمد لله رب العالمين. 

الرابط

التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات


السبت، 25 فبراير، 2017

عبر من قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر.

عبر من قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر.
الحمد لله..
فإن الله تعالى قد قص في كتابه قَصصًا لنعتبر بها ونتفكّر في مآلاتها ونستلهمَ عِبرها ونقتديَ بمواطن الاستقامة فيها ونزيدَ بصائرنا نورًا بضيائها، فقال جل اسمه: (فاقصص القَصص لعلهم يتفكرون)
ومن تلك القَصص قِصة عجيبة فريدة وهي قصة موسى الكليم عليه السلام مع العبد الصالح الخصر، فقد روى الشيخان عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "قَامَ مُوسى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحى اللهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعُ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَكَانَ لِمُوسى وَفَتَاهُ عَجَبًا فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ مُوسى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هذَا نَصَبًا وَلَمْ يَجِدْ مُوسى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ قَالَ مُوسى: ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًى بِثَوْبٍ (أوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ) فَسَلَّمَ مُوسى فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ فَقَالَ: أَنَا مُوسى فَقَالَ: مُوسى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا يَا مُوسى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرًا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلاَّ كَنَقْرَةِ هذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسى نِسْيَانًا فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ مُوسى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بَغَيْرِ نَفْسٍ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَأَقَامَهُ قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسى: لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ: هذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قَالَ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسى لَوَدِدْنَا لَو صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا.
قال السِّعدي رحمه الله تعالى: وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله. فمنها فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
ومنها: البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل.
ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ }
ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا }
ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله: { آتِنَا غَدَاءَنَا } إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعا.
ومنها: أن المعونةَ تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } والإشارة إلى السفر المجاوز، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب، مع طوله.
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره.
وأما قوله في آخر القصة: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا }
ومنها: أن العلم الذي يُعلّمه الله لعباده نوعان:
علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده. ونوع علم لدنّي، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا }
ومنها: التأدبُ مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطفَ خطاب، لقول موسى عليه السلام: { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } فأخرج الكلام بصورة الملاطفة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر.
ومنها: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر.
ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها لقوله: { تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ } أي: مما علمك الله تعالى.
ومنها: أن العلم النافع، هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك، فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: { أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }
ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه.
ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود.
ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول { إِنْ شَاءَ اللَّهُ }
ومنها: أن العزم على فعل الشيء، ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا } فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل.
ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله، ولا في حقوق العباد لقوله: { لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ }
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر.
ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبرَ، وعدمَ المبادرة إلى الإنكار.
ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعي أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإنّ قَتْلَ الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما، أعظم شرا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته، وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها، داخل في هذا.
ومنها: القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير. كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن.
ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا }
ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته.
ومنها: أن خدمةَ الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح.
ومنها: استعمالُ الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } وأما الخير، فأضافه إلى الله تعالى لقوله: { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } كما قال إبراهيم عليه السلام { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وقالت الجن: { وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } مع أن الكل بقضاء الله وقدره.
ومنها: أنه ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه في حال من الأحوال، ويترك صحبته، حتى يُعتِبَه، ويُعذَرَ منه، كما فعل الخضر مع موسى.
ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قَدَرٌ محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة.

بارك الله لي ولكم...