Follow by Email

الأحد، 24 ديسمبر 2017

من المناهي اللفظية

من المناهي اللفظية 
الحمد لله الذي خلق اللسان، فأعرب به عما في الجَنان، ففارق الإنسانُ غيره بعلم البيان، وأتمّ به النعمة بكمال الأركان، وميّز العاقل عن الجاهل بما جرى على اللسانِ، وأشهد إلا إله إلا الله الملك الحق الديان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أظهر الله به الحقّ وأبان، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حق التقوى، فإن التقوى جماع الخير، وسابلةُ السعادة، بها تزكو النفوس، وتستقيم الألسن، وتصلح القلوب، "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ".
إن حفظَ المرء للسانه دليلُ عقله وأدبه؛ وبرهان زكاءِ نفسه، وروى البخاريُّ في صحيحِه، عَنْ سَهلِ بنِ سَعْدٍ رضيَ اللّهُ عنهُ، عن رسولِ اللّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم قالَ: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ".
إن المسلمَ الفطن ليحمله عقله ويدفعه دينه إلى عظيم العناية بحسن اللفظ وجميل الكَلِمِ حين يرى المقام يدعو إلى الكلام، وإلا آثر الصمت ولزم الكف طلبًا للسلامة من الآثام، قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" متفق عليه.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ كَثُرَتْ ذُنُوبُه، وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبه كانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ. وقال ابن مسعود رضي اللّهُ عنه: مَا مِنْ شَيءٍ أَحَقُّ بِطول السِّجْنِ مِنَ اللسانِ.
 روى الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر معاذًا بملاك الأمور فقال: "كُفَّ عليك هذا" وأشار صلى الله عليه وسلم إلى لسانه، فقال معاذ: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!".
يا عبد الله: احفظ لسانك وصُنه واحرسه حتى لا يفتِك بدينك، فإنه سبعٌ ضارٍ عقور إن أطلقته في الهوى، وهو ذخيرة وكنز ومِغراف أجر كبير إن استعملته فيما خلق له من طاعة الله وذكره وشكره ودعاءه والثناء عليه.
كان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث! يعني قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه". رواه الترمذي وصححه. وكان الصديق رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
إخوة الإيمان: لا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أولى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
فإلى بيان شيء من أخطاء الناس الشائعة في كلامهم:
 فمن ذلك قولهم: (بِالعون) عند الاجتهاد في الإخبار، فهنا صارت الباء للقسم، والعون ليس من أسماء الله تعالى، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي وحسنه.
ومن ذلك: القسم بغير الله مطلقًا كمن يقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم الله أو بحياة أحد أو حياة أولاده، أو بالأمانة ونحو ذلك.
ومن المناهي دعاء صفات الله تعالى، مثل قول بعضهم: يا قدرة الله ويا رحمة الله ويا وجه الله، ونحو ذلك، فهذا محذور، فاسأل الله بصفته ولا تسل الصفة نفسها، فإن الصفة ليست هي الموصوف بل هي دالة عليه، فقل: اللهم أسألك بوجهك وأسألك برحمتك وأعوذ برضاك من سخطك ونحو ذلك.
ومما ينهى عنه من الألفاظ: الاستثناء في الدعاء، كقول: جزاك الله خيرًا إن شاء الله، ووفقك الله إن شاء الله، وشفاك الله إن شاء الله ونحو ذلك، لأن في ذلك إيهامًا بسوء بثقلها على الله والله تعالى هو القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له". متفق عليه.
ومما ينهى عنه: سبُّ الوجه وتقبيحُه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله عز وجل خلق آدم عليه السلام على صورته". رواه أحمد وحسنه الألباني.
ومن المناهي اللفظية: الذكر بمجرد تكرار اسم الله، فهذا من لوثات أهل الخرافة والتصوّف، فعندهم أن ذكر العامة هو لا إله إلا الله، وذكرُ الخاصة هو تكرارُ اسم الله، وذكر خاصة الخاصة هو تكرار: هو هو، وهذا من الجهل المطبق الثقيل، فإن أعظم الذكر على الإطلاق هو لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي من أجل إقامتها خلق الله الجن والإنس والجنة والنار وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وهي مفتاح الجنة وسبيل الرضوان، وهي التي ترجُح بالسماوات والأرض، فاللهم أحينا عليها وأمتنا وابعثنا عليها إله الحق.
ومن المناهي قول بعضهم: بذلت جهدي والباقي على الله. لأن فيه سوء أدب مع الله من جهة الإيهام بالتشريك في تدبير الله الأمور، فالأمر كله لله وليس باقيه فقط، وكذلك من جهة أنه اعتمد على نفسه أولًا ثم فوّض أمره ثانيًا، وهذه خطيئة، فتفويض الأمور لله لا ينفك عنه المؤمن.
ومن المناهي: التلبيس على الناس بتزيين ألقاب المنكر حتى تستسيغَها النفوس، ولكم أن تعلموا أن إبليس هو أول من لبّس فقد سمّى الشجرة التي نهى الله آدم عن أكلها بشجرة الخلد، ثم تبعه حزبه فسموا الخمر بمشروب الروح والزنا بالعلاقة والميسر باليانصيب والرشوة بالقهوة والمكس بالجمارك وغير ذلك من تلبيس الشيطان.
ومن المناهي: قول بعضهم: يعلم الله أني فعلت كذا، وقد يكون كلامه مخالفًا للحقيقة ولو في بعض أجزائه فيكون قد اتهم الله بالجهل بقدر ما أخطأ فيه، تعالى الله وتقدس.
ومن المناهي: قول بعضهم: فلانٌ شكله غلط، والله تعالى يقول: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" وقال: "الذي خلقك فسواك فعدلك". فالحذر من الاستهزاء بصنع الله تعالى وخلقه بأي حال.
ومن المناهي قول بعضهم: تبارك علينا فلان، وسبب النهي – كما حرره ابن القيم رحمه الله – أن كلمة تبارك جاءت على وزن تفاعل، وهذا البناء يراد به المبالغة في البركة وإنمائها وهي لا تكون إلا لله، خاصة وأن كل ما جاء في القرآن على هذا النحو فقد أُفرد لله تعالى وحده كقول الله تعالى: "تبارك الذي نزل الفرقان" و"تبارك الذي بيده الملك"، ولكن لا بأس أن يقول: فلان مبارك أو فيه بركه ونحو ذلك، إنما المحذور هو قول: تبارك فلان.
ومن المناهي قول بعضهم: شاءت حكمة الله كذا أو قدرة الله أو شاء القدر كذا ونحو ذلك، لأن الحكمة صفة للموصوف سبحانه، فلا مشيئة لها، والذي يشاء هو الله.
ومن المناهي الشنيعة قول بعضهم: ظلمك الله كما ظلمتني أو خانك الله كما خنتني، ونحو ذلك وهذا جهل عظيم بالله تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة" والله تعالى يمكر بمن مكر به ولكنه لا يخون تعالى وتبارك وتقدّس.
بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية:
الحمد لله.....
عباد الرحمن: ومن المناهي قول بعضهم: فلانٌ ما يستاهل، وفلان لا يستحق، ونحو ذلك لأنه اعتراض على حكم الله تعالى وتسخط على قدره وتعقّب لأمره. "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"، "وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا".
ومن المناهي: سبُّ الدهر، وهذا يجري كثيرًا على ألسنة جهلة الشعراء، فيذمون الزمان وينعتونه بالغدر والخيانة والظلم ونحو ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: يؤذيني ابنُ آدم يسب الدهر، وأنا الدهر؛ بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار" رواه الشيخان، فالدهر مسخّر بأمر ربه فليس أهلًا للسب، وسبّه يعود على من صرّفه ودبّره، فليعتن المؤمن بذلك، وليحفظ لسانه من سّب ربه وهو لا يدري! ولا قوة إلا بالله.
ومن مناهي الألفاظ قول بعضهم: من حسن الطالع أن حدث كذا، فهذا التعبير قد تسلل إلى بعض العامة من شرك التنجيم وهو محرّم، لأن الطالع هو النجم، وعبدةُ النجومِ يحيلون التدبير إليها، ويقرؤونه من مطالعها ومنازلها، وقد هدم الرسل الشرك في الربوبية كما هدموا شرك الألوهية، فلا خالقَ ولا مدبرَ ولا متصرفَ إلا اللهُ وحده لا شريك له، "الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار".
ومن المناهي: قول بعضهم: اقرأوا الفاتحة على روح فلان، فهذا محدث، وكل بدعة ضلالة، والميت ينفعه الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والعمرة، فلا ينبغي أن يُتساهل فيما لم يرد في الشرع الحنيف، والاستحسان باب البدع.
ومن المناهي: قول من أراد تنزيه الله تعالى عن الخطأ: العصمة لله، ووجه المنع أن العصمة لا بد لها من عاصم، والله تعالى هو الذي لا عاصم من أمره، ولا يحتاج لمن يعصمه فهو الخالق لكل شيء، وهو على كل شيء قدير، سبحانه وبحمده. أما إن أراد بها أن الله هو الذي يعصم ويحفظ فلا بأس بها، والسياق هو الذي يحدّد المراد.
ومن المناهي قول: توكلت على الله وعليك، فالتوكّل عبادة لا يتوجّه بها إلا إلى الله وحده، وعلى المرء أن يقول: توكلت على الله ثم اعتمدت عليك، فيردف التوكل على الله بـ"ثمّ" المفيدة للترتيب، ويتحاشى لفظةَ التوكلِ على المخلوق ويستبدلها بلفظ الاعتماد، وهو الأحوط للدين والأبرأ للذمة والأصوَن للسان، أما عبارة: وكّلت فلانًا، فلا بأس بها لأنها من باب الإنابة لا الاعتماد.
ومن فروع النهيِ عن التشريك: النهيُ عن قول: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان ونحو ذلك.
ومن المناهي: الإعراضُ عن لُبابِ التوحيد وهو الدعاء، والاستهانة به، بشبهة علمِ الله تعالى بالحال، وقد يجادلون بما لا تصح نسبته لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بأنه قال حينما ألقي في النار: علمه بحالي يغني عن سؤالي. وهذا باطل لا يصح لا سندًا ولا متنًا، وقد ذكر الله تعالى عن خليله عليه السلام أنه كثير الدعاء والضراعة إليه ومن دعواته: "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" وقد قال حينما ألقوه في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وفيها كمال التسليم مع تضمن الدعاء بالسلامة، فهذا الدعاء العظيم قد جمع الثناء والمسألة، وهذا من فقه الأنبياء العظيم، لذلك قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم: "فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".
 ودعاء المسألة في حقيقته دعاء ثناء لأنه يتضمن الأصول الحسنة للتوكل على الله وحسن الظن به والعلم به وعظيم الرجاء والرغبة والرهبة، كما أن دعاء الثناء يتضمن دعاء المسألة بجميل التعرض لكرم الكريم بالثناء عليه الثناء الجميل، وبالله التوفيق.
ومن المناهي: قول بعضهم: مسيجد، مصيحف، لأن ذلك التصغير اللفظي موهم بالتصغير المعنوي المفضي للاستهانة بشعائر الله تعالى، فالواجب تعظيمها وإجلالها بالقول والفعل والاعتقاد. "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".
ومن المناهي التي بدأت في الانتشار: القول بأن اليهود والنصارى ليسوا كفارًا، وأن الأديان الثلاثة على سبيل نجاة، وينسبون كفر اليهود والنصارى - ظلمًا وضلالًا - لإمام الحنيفية إبراهيمَ عليه السلام فيقولون: الأديان الثلاثة الإبراهيمية كلها موصلة للجنة، وهذا ضلال مبين، وتكذيب لله رب العالمين إذ قال: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" وقال تعالى: "قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون".  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم.
ومن مناهي القول: قول بعضهم للأخر: الله يسأل عن حالك! فالله تعالى عليم بكل شيء، ولا تخفى عليه خافية، وليس في حاجة لسؤال واستخبار، فحتى وإن كان قصد القائل أن يعافيَ الله فلانًا ويوفقه فالتعبير عن قصده لم يوفَّق له، بل عليه أن يقول: وفقك الله وأعانك ولطف بك وسلّمك ونحو ذلك.
ومن الأخطاء: تسميةُ النبي صلى الله عليه وسلم بأسماءِ بعض سور القرآن الكريم مثل: طه، يس. فهي ليست من أسمائه صلى الله عليه وسلم، بل هي من الآيات المنزلة في أوائل سور الكتاب العزيز كأمثال: ألم، ألر، ق، ص، ونحوها.
 إما أسماؤه صلى الله عليه وسلم فخذها من فيه إذ قال: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي؛ الذي يمحو اللّه بيَ الكفر، وأنا الحاشر؛ الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب؛ والعاقب الذي ليس بعده نبي" متفق عليه.
ومن المناهي: قول: رأي الدين هو كذا وكذا، قال الشيخ أبو زيد رحمه الله: الرأيُ أساسه مبني على التدبر والتفكر، ويتردد بين الخطأ والصواب. فلا يقال رأي الدين، بل حكم الله وأمره ونهيه وقضاؤه، أما إذا كان الرأي صادرًا عن اجتهاد فلا يقال فيه رأي الدين، ولكن يقال: رأي المجتهد أو العالم.
هذا، ومن الأدب مع الله تعالى أن تقول في إنكارك على من جاهر بالمنكر أو عاند أو حارب أو حادّ شرع الله أن تقول: ما أغرّ فلانًا بالله! ولا تقل: ما أجرأ فلانًا على الله، فهي موهمة لشيء من قدرة المخلوق على الخالق، وهذا محال. "يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم؟".
ومن المناهي الشديدة: أن يتألّى العبد على ربه إعجابًا بطاعته واحتقارًا لعباد الله، فيقول: لن يغفر الله لفلان، أو يستحيل أن يتوب فلان، أو فلان من أهل النار ونحو ذلك، فهذا التألي من أسباب حبوط العمل - عياذًا بالله - ولا يغني عنه أن يكون دافعه الغيرة على محارم الله، فالله لا يُتقرب إليه بمعصيته، والعباد عباد الله، وهو أعلم بهم وببواطنهم وبخواتمهم. ووقد روى مسلم عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه قولَه: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألّى –أي يحلف - عليّ ألا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك".
ومن المناهي قول بعضهم في سياق إلحاحه على أخر: وجهَ الله أن تفعل كذا، أو جاه الله عليك أن تفعل كذا، أو أسوق جاه الله عليك ونحو ذلك، وهذا سوء أدب مع الله تعالى، لأنه استشفاع بالعظيم الكبير الباقي على المخلوق الحقير الصغير الفاني، فهو محرم لا يجوز، بل قد ورد عند أبي داود - بسند فيه لين - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد غضبه حينما اشتُشفع بالله تعالى عليه، وبالله التوفيق.

اللهم صل على محمد...

الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

الصبر عند فقد الأحبة وأحكام البكاء على الميت

الصبر عند فقد الأحبة وأحكام البكاء على الميت
الحمد لله..
عباد الرحمن: أن الصبر هو ذلك الينبوع العجيب الذي يسقي جميع أعمال القلوب، فلا قِوام لها إلا به، بإذن الله، وقلب لا صبر له لا فوز له. ويكفي في مدحه قولُ ربنا: (وبشر الصابرين) ومعيته: (مع الصابرين) ومحبته: (والله يحب الصابرين).
إن المؤمن الموفّق هو من يتحصن بجُنة الصبر عند ادلهامّ الملمّات وانصباب الكُربات، وحينما يرى ببصره وبصيرته أكثرَ الناس قد استبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًّا فإنه يضع قلبه على نابض قلبه صاعدًا ببصره إلى سماء الله الفسيحة يتلوا مثاني الصبر في كتاب ربه ضارعًا لإلهه بكل رُوحه وجوارحه ونفسه وكيانه أن يفرغ على قلبه صبرًا يثبته حين زاغت أقدام الإقدام عن مراضي الملك العلام.
والمؤمن الذي أراد الله به خيرًا هو الذي إذا أُعطي شكر وإذا ابتُلي صبر وإذا أذنب استغفر، هدانا الله سبيلهم.
عباد الله: الموت ليس هو أخر المطاف، بل هو مجرد بوابة لمرحلة جديدة نجتازها في رحلتنا للدار الآخرة، وقد كتب الله تعالى أن الجنة موعد المحبين من المؤمنين، أما الفراق الحقيقي فهو فراق أهل النار عياذًا بالله تعالى، قال الله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) قال قتادة رحمه الله: هي الفرقة التي لا اجتماع بعدها!
إن الدنيا دار لأواء وشدّة امتحان، ولا يزال الناس – مؤمنهم وكافرهم – يتجرعون فيها غُصص الكروب وفواجع الفقد ولوائع الحرمان، ولكن يفترق المؤمنين عن الكافرين بأن تلك الشدائد والأحزان والهموم والأسقام إنما هي مكفرة لسيئاتهم ورفعة لدرجاتهم وزيادة في حسناتهم إما الكافر فيخرج من المصيبة في نفسه وأحبابه بمصيبته في دِينه وحرمانه، عياذًا بالله تعالى من خيبات الرغائب.
هذا ولا يمنع جميل الصبر من إسبالِ عبرات الرحمة ونفثِ زفرات الوفاء، فعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحِبّه وابن حِبّه رضي الله عنهما، قال: أرسلتْ بنت النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني قد احتُضر فاشهدنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينها.
 فقام ومعه سعد بن عبادة، ورجال رضي الله عنهم، فرُفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع -أي تتحرك وتضطرب ولها حشرجة- ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". متفق عليه
وعن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القَين وكان ظئرًا لإبراهيم عليه السلام، "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبّله وشمّه". ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟! فقال: "يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن العينَ تدمع، والقلبَ يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". متفق عليه.
ومهما يكن من أمر المصائب فعاقبتها على المؤمنين خير ورشاد حتى لو كانت ألم فقد الأحباب! فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة". رواه البخاري، قال العثيمين رحمه الله: "الصفي: هو من يصطفيه الإنسان ويختاره من ولد، أو أخ، أو عم، أو أب، أو أم، أو صديق. المهم أن ما يصطفيه الإنسان ويختاره ويرى أنه ذو صلة منه قوية. فإذا أخذه الله عز وجل، ثم احتسبه الإنسان، فليس له جزاء إلا الجنة".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبيّ لها فقالت: يا نبي الله، ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة! قال: "دفنت ثلاثة؟!" قالت: نعم قال: "لقد احتظرتِ بحظار شديد من النار". رواه مسلم، أي احتمت بحمى عظيم وسورٍ كبير من النار يقيها حرها ويؤمنها من دخولها لأنها صبرت على فقد ابنها.
وعن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة: "إنه قد مات لي ابنان، أفما أنت محدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، "صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه – أوقال: أبويه -، فيأخذ بثوبه كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة". رواه مسلم.
وانظر بركة الصبر والحمد والاسترجاع فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله (إنا لله وإنا إليه راجعون)، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها". رواه مسلم، ولقد قالت ذلك حين مات زوجها أبو سلمة رضي الله عنه فأخلف الله لها أعظم زوج في البشر وهو رسولنا صلى الله عليه وسلم.
فلا بد للمؤمن من جرعات تصبّر يقيم بها أَود دينه ومروءته، وأن يرضى بربه وبحكمته وأقدراه.
عباد الرحمن: ثمّ أمورٌ تتعلق بالمصيبة كالبكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها فإلى شيء من أحكامها:
 إن الجزع اعتراض على قدر الله تعالى، وقد يكون الجزع بالقول أو الفعل أو الحال، وكله منهي عنه، أما مجرد البكاء والندب اليسير الصادق على غير وجه الجزع والتسخط فلا بأس به. وبيان ذلك كالتالي:
أوّلًا: البكاء على الميت. ولا بأس به، بل هو من الرحمة، وسبق بيان بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحزنه مع كامل رضاه عن ربه وحمده له، وفي المسند أيضًا وحسنه الألباني عن عائشة أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده إنى لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي.
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه زار قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله". رواه مسلم، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه قبّل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه". رواه الترمذي وصححه.
وصح عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه نعى جعفر وأصحابه وعيناه تذرفان". رواه البخاري.
 وصح عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قبّل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميّت وبكى. رواه البخاري.
ولكنه بكاء يسير لا جزع معه، قال خالد بن أبي عثمان: كان سعيد بن جبير يعزيني في ابني، فرآني أطوف بالبيت متقنًّعًا، فكشف القناع عن رأسي وقال: الاستكانة من الجزع.
وقد أنكر اسحق بن راهويه أن يترك لبس ما عادته لبسه، وقال: هو من الجزع.
وعن شيخ من قريش قال: مات الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن، وعبيد الله يومئذ قاض على البصرة وأمير، فكثر من يعزيه، فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره فأجمعوا أنه إذا ترك شيئًا مما كان يصنعه فقد جزِع.
وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيّرون شيئًا من زيهم قبل المصيبة، ولا يتركون ما كانوا يعملونه، فهذا كله مناف للصبر، والله سبحانه أعلم.
ثانيًا: الندب والنياحة.
 قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء، لما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية" متفق عليه، وفي الصحيحين أيضًا عن أبى بردة قال: وجع أبو موسى وجعًا فغُشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة – وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة جزعًا- والحالقة – وهي التي تحلق رأسها عند المصيبة-  والشاقة – وهي التي تشق ثيابها عند المصيبة-.
وفي صحيح مسلم عن أبى مالك الأشعرى أن النبي قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن - وفيه الإخبار والتحذير والبراءة، لا الإباحة والموافقة-: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب". رواه مسلم.
وفي الصحيحين أيضًا عن المغيرة بن شعبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من ينح عليه يُعذّب بما نيح عليه" رواه البخاري.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبى موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: وا عضُداه، وا ناصراه، وا كاسياه، جُبُذ - أي جُذِب بقوة - الميت وقيل له: أنت عضدها؟! أنت ناصرها؟! أنت كاسيها؟!".  وفي صحيح البخاري عن النعمان ابن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: وا جبلاه، وا كذا، وا كذا، - تعدد عليه - فقال حين أفاق: ما قلت لي شيئًا إلا قيل لي: أنت كذا؟! فلما مات لم تبك عليه.
إذن فهل يُعذب الميت بما نيح عليه؟
قال ابن القيم رحمه الله: هذا محمول على من سنته وسنة قومه ذلك إذا لم ينههم عنه، لأن ترك نهيه دليل على رضاه به، لأنه متى غلب على ظنه فعلهم ولم يوصهم بتركه فقد رضي به وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه، فأما اذا أوصاهم بتركه فخالفوه فالله أكرم من أن يعذّبه بذلك.
عباد الله: اعلموا أن الكلمة اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب، نص عليه أحمد في مسنده من حديث أنس أن أبا بكر رضى الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يده على صدغيه وقال: وا نبيّاه، وا خليلاه، وا صفيّاه! رواه أحمد وصححه الألباني.
 وفي صحيح البخاري عن أنس أيضًا قال: لما ثَقُلَ على النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشّاه الكرب، فقالت فاطمة: وا كرب أبتاه، فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟! رواه البخاري وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون". متفق عليه.
 وهذا ونحوه من القول الذي ليس فيه تظلّم للمقدور، ولا تسخط على الرب، ولا إسخاط له، فهو كمجرد البكاء. والله المستعان.
بارك الله لي ولكم..
............
الخطبة الثانية
الحمد لله...
عباد الله: ليس هناك دليل الكتاب ولا من السنة يدل على مشروعية قراءة أي سورة من سور القرآن في سكن الميت، أما الاجتماع لمجلس العزاء مع صنع الطعام ففي مسند أحمد عن جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه أنه قال: "كُنَّا نَعُدّ الاجتماع إلى أهل الميت، وصنع الطعام بعد دَفْنه من النياحة".
فالاجتماع على العزاء يكون نياحة إذ اجتمع فيه شيئان:
الأول: أن يكون هناك اجتماع للعزاء عند أهل الميت وجلوس طويل عندهم. والثاني: أن يكون هناك صنع للطعام من أهل الميت لإكرام هؤلاء، والتباهي بكثرة من يمكث إظهارا للمصيبة لهذا الميت.
أما الجلوس للتعزية فقط بدون صنع الطعام فهذا لا بأس به تسهيلًا للوصول إلى أهل الميت لتعزيتهم، والوسائل لها أحكام المقاصد، وليس من السنة تحديدها بثلاثة أيام، بل هي بحسب الحاجة وقد يكتفى بيوم، والأصل أن المسلم يُعزّى في أي مكان سواء في المسجد أو السوق أو منزله أو غير ذلك بدون تراتيب.
ولو أن أهل الميت امتنعوا من استقبال المعزين بعد الظهر وبعد العشاء حسمًا للمادة كان حسنًا.
اللهم صل على محمد...


الخميس، 7 ديسمبر 2017

علاج الوسواس

علاج الوسواس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْبَرِّ الرَّحِيمِ، يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُتَقين، وَأَشْهَدُ ‏أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ‏عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ‏وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.‏ أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:(وَأَنْ ‏تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏بَصِيرٌ)‏ .‏
 أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن نعمة الإيمان نعمة عظيمة لا تضاهيها نعمة، ويكفي في هذا أن المؤمنين عندما يدخلون الجنة يعترفون بالفضل لله في هدايتهم، فيقولون: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف: 43]. اللهم اجعلنا ووالدينا وذرياتنا ممن يقولونها هناك.
عباد الرحمن: إن نعمة الإيمان لمن أجلِّ نعم الله - تعالى - على عباده، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاث من كُنَّ فيه، وجد بهنَّ حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعدما أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار))؛ متفق عليه.
فالمؤمن حصنه الحصين هو الإيمان، فبإيمانه يتعلق قلبه بالله، ويتوكل عليه، ويستعين به، ويلجأ إليه، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإيمان هو الذي يوجهه لفعل الخير، والبعد عن الشر، ويحميه من نزغات الشيطان ونفثه وهمزه.
ولو نظرنا إلى غالب من يعانون من وساوس الشيطان، لوجدناهم من ضعاف الإيمان والعلم؛ لأن الشيطان لا يتسلط على المؤمن القوي الإيمان العالم بأمور دينه، إنما يتسلط على ضعيف الإيمان الجاهل بأمور دينه، وأما أهل العلم والإيمان، فقلَّما يأتيهم بوساوسه، ويندر أن يشككهم في أمور عباداتهم.
عباد الله: إن الشيطان يقف للناس على كل طريق يوصل إلى الله والدار الآخرة؛ قال - تعالى - عنه: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
وقد وجه الله - تعالى - عباده إلى الحذر منه ومن متابعته، وأمر بعداوته ومخالفته؛ ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6]، وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرًا لنا من طاعته، وقطعًا للعذر في متابعته؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴾ [الأعراف: 27]، وأمرنا - سبحانه - بلزوم صراطه المستقيم، والبُعد عن اتباع السبل؛ قال - تعالى -: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ [الأنعام : 153].
عباد الله: إن وساوس الشيطان وخطراته لها أساليب وحِيَل كثيرة، فتارة تدخل في إيمان المسلم، وتارة في الطهارة، وتارة في النية، وتارة في الصلاة، وغير ذلك من عبادات المسلم، والشارع الحكيم وجه عباده إلى الحذر من تلك الوساوس ومجاهدتها، والاستعاذة بالله منها، فمنها:
أولاً: ما يرد على قلب المؤمن مما يعارض إيمانه بالله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - واليوم الآخر، فإنها لا تضرُّه ما دام أنه يعلم أنها باطلة، ويبغضها، ويكرهها، ويتألم منها، والشيطان إذا عجز عن إضلاله، وإخراجه عن دينه، اجتهد في أن يشوش عليه إيمانه؛ بإلقاء الوساوس التي تزعجه.
ولتطمئن نفسك إيها المؤمن أن تلك الوساوس لا تضرك فإن الله تعالى قد عفا لهذه الأمة ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.
جاء رجل إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال له: إني أُحدّث نفسي بالشيء، لئن أخرُّ من السماء أحب إليّ من أن أتكلم به، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة))؛ رواه أحمد، وفي لفظ آخر عند مسلم: قال له - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((ذاك صريح الإيمان))؛ يعني: كراهة هذا الوسواس، وبغضه، والنفرة منه من صحة الإيمان، فمثل هذه الوساوس لا تضر المؤمن ما دام أنه ثابت على عقيدته. إنما هي خطرات يلقيها الشيطان في فؤاده ليحزنه بها.
ثانيًا: التلبيس على المسلم في نيته: فترى بعض الناس يتلفظ بالنية خوفًا من بطلان عبادته، وما علم أن التلفظ بالنية بدعة، وأيضًا يجعله يتكلف إحضار تلك النية، وتكرار التلفظ بها، وهذا كله مخالف للشرع، فالنية محلها القلب، فهذا الذي جلس ليتوضأ قد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد عاقل يفعل شيئًا من عباداته ولا غيرها بغير نية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل، ولو أراد إخلاء أفعاله عن نيته، لعجز عن ذلك، فلماذا يكلف الإنسان نفسه ما لا تطيق؟
ثالثًا: التلبيس عليه في الطهارة والوضوء، فيقول له: أنت ما غسلت فرجك، أو أن ثوبك قد مسته نجاسة، أو أنك لم تتوضأ الوضوء الصحيح، فيجعله يعيد غسل الأعضاء، ويطيل الغسل، ثم يوسوس له أنك لم تغسل هذا العضو أو ذاك، فيعيد، ويعيد؛ حتى يصبح في حيرة من أمره، وربما وسوس له في الإسراف في الوضوء. فلا تجوز الزيادة في غسل العضو على ثلاث مرات "فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم".
وربما كرر وضوءه فوق ثلاث، بل ربما تجاوز ذلك، وربما أعاد وأعاد، وقد ورد عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قوله في الوضوء: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء))؛ رواه أبو داود، وصححه الألباني.
رابعًا: التلبيس عليهم أثناء الصلاة، فربما يردد بعض الكلمات أو يرفع بها صوته، ويشوش بذلك على المصلين بجانبه، من أجل التحقق من أنه قد قالها، وربما يكرر الآية كاملة، بل ربما يعيد الصلاة مرة أخرى؛ خوفًا من أنه لم يقرأ الفاتحة، ويشعره أثناء صلاته أنه أحدث وهو لم يحدث، أو أنه لم يصلِّ الصلاة كاملة، أو أنه لم يأت بركن من أركانها، أو غير ذلك من صور التلبيس.
والدليل على ذلك ما رواه مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: "يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها عليّ، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ذاك شيطان يُقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته، فتعوَّذ بالله منه، واتْفُل على يسارك ثلاثًا))، قال: ففعلتُ ذلك، فأذهبه الله عنِّي"، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد؛ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))؛ رواه مسلم. وفي هذا حسم لمادة الوسوسة، فما لم تسمع أو تشم فأنت طاهر، وأمور العبادات مبنية على غلبة الظن بحمد الله كما قرره أهل العلم.
قال الإمام أحمد في من ظن خروج شيء من البول بعد الاستنجاء: لا تلتفت إليه، حتى تتيقن ، وَالْهَ عنه ، فإنه من الشيطان ، فإنه يذهب إن شاء الله .
أما سبب الوسوسة فهو عدة أسباب، ومن ذلك ما ذكره الجويني حيث قال: "إنّ للوسواس سببين: إما نقص في غريزة العقل، وإما جهل بأمور الشريعة الإسلامية".
إذًا السبب الأول هو نقص في غريزة العقل، وذلك أن كثيرا من الموسوسين في عقولهم ضَعف يتمكّن به الشيطان من التأثير على ذلك الإنسان، ومن الأمثلة على ذلك أنه جاء رجل إلى أحد علماء التابعين فقال له: يا إمام، إني أنغمس في الماء مرّة ومرتين وثلاثا ثم أخرج منه وما زلت أشكّ هل ارتفعت عني الجنابة أم، هل اغتسلت أم لا، فقال له العالم: اذهب فقد سقَطت عنك الصلاة، فلمّا ذهب الرجل قالوا للإمام: كيف قلت لهذا الرجل ما قلت؟! فقال: إنه مجنون، فالذي ينغمس في الماء ثلاث مرات ثم يشكّ أغتسل أم لا فهو مجنون، وقد صح عن النبي  أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاث))، وذكر منهم: ((والمجنون حتى يفيق))، وهذا مجنون.
أما السبب الثاني من أسباب الوسواس الذي ذكره الجويني رحمه الله فهو الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية، فيجهلون مثلا أحكام الطهارة والوضوء، فيقعون في الوسوسة في ذلك. فاستعينوا بالله على تقواه واستعيذوا به على مجاهدة الشيطان ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [فصلت : 36].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات، والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، فاستغفروا الله يغفر لي ولكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
..........
الخطبة الثانية
الحمد لله... أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - اعلموا أن النجاة في قوة الإيمان، وحسن التوكل على الملك الديَّان. واعلموا أن الله تعالى لا يكلف المرء فوق طاقته، وأن خطرات الشيطان المزعجة والمروّعة لإيمانه لا تضره، وأنه قد عفا عن حديث النفس مهما بلغ حتى يفعل أو يتكلم.
عباد الله: قد يسأل البعض عن داء الوسوسة: هل له دواء؟ والجواب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء))؛ رواه البخاري.
فأهم دواء نافع لتلك الوساوس: هو الإعراض عنها بالكلية، حتى وإن كان في النفس من التردد ما كان، فإنه متى لم يلتفت لذلك لم يثبت، بل يذهب بعد زمن قليل، كما جرب ذلك الموفقون، وأما من أصغى إليها وعمل بقضيتها، فإنها لا تزال تزداد به؛ حتى تخرجه إلى حيز المجانين، بل تصبح حاله أشد منهم، كما شوهد في كثير ممن ابتلوا بها وأصغوا إليها وإلى شيطانها، وقد جاء التنبيه عليه من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمن ابتلي بالوسوسة بقوله: ((فليستعذ بالله ولْيَنْتَهِ))، وأرشد - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى من خطرت له تلك الخواطر أن يستعيذ بالله من الشيطان، ويقول: ((آمنت بالله ورسله))، وأن يُعرِضَ عن هذه الوساوس، ولا يشتغل بها، ولا يسترسل معها، بل يعرض عنها، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - أيضًا: ((يأتي أحدكم الشيطان، فيقول: مَن خَلَقَ كذا، مَن خَلَق كذا، حتى يقول: من خلق الله، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليَنُتَهِ، وليستعذ بالله))، وفي رواية: ((فليقل: آمنت بالله ورسوله))؛ رواه البخاري، ومسلم.
فتأملوا هذا الدواء النافع الذي علَّمه مَن لا ينطق عن الهوى لأُمَّته.
وقال العز بن عبد السلام: دواء الوسوسة أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطاني، وأن إبليس هو الذي أورده عليه وأنه يقاتله، فيكون له ثواب المجاهد؛ لأنه يحارب عدو الله، فإذا استشعر ذلك فرَّ عنه، وأنه مما ابتلي به نوع الإنسان من أول الزمان، وسلَّطه الله عليه محنة له؛ ليُحقَّ اللهُ الحقَّ، ويُبطلَ الباطل ولو كَرِهَ الكافرون.
أيها المؤمنون، وبعد فإن أنفع علاج في دفع الوسوسة الإقبالُ على ذكر الله - تعالى - والإكثار منه.
فعلى كل من ابتلي بذلك أن يترك تلك الوساوس ويعرض عنها، وعليه من الإكثار من تلاوة القرآن، والأعمال الصالحة، واللجوء إلى الله، والتضرُّع إليه ودعائه - سبحانه - أن يدفع عنه كيد الشيطان، وأن يلزم قراءة آية الكرسي، وسورةَ الإخلاص، والفلق، والناس، خاصة عند نومه، وأن يحافظ على أذكار الصباح والمساء، وأن يكثر من ذكر الله كثيرا فهو من أقوى الأسلحة لصدِّ تلك الوساوس.
وقال ابن القيم في معرض كشف شبهات أهل الوسوسة إن الصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه هو قصد السبيل ، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة ، فالميزان الذي يعرف به الاستقامة والجور هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الدين .

اللهم صل على محمد...

الخميس، 30 نوفمبر 2017

المشاهد العشرون التي تعين على الصبر عن المعصية

المشاهد العشرون التي تعين على الصبر عن المعصية
 الحمد لله..
عباد الله: قد ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا، وما ذاك إلا لشرفه وضرورة المؤمن له، ولما كان الصبر مأمورًا به جعل الله سبحانه له أسبابًا تعين عليه وتوصل إليه، وكذلك ما أمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابًا تمدّه وتعين عليه، كما أنه ما قدّر داءًا إلا وقدّر له دواء، أو ضمن الشفاء باستعماله.
 فالصبر وإن كان شاقًّا كريهًا على النفوس فتحصيله ممكن، والمعاصي حفر الجحيم، ولا بد دون الوقوع فيها من الصبر بالله ولله، وأكبر معين على الصبر هو تقوية باعث الدين، فمع زيادة الأيمان تقوى نفس المؤمن ضد نزغات الشيطان. فإنه يكون بأمور:
 أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يُعصى وهو يرى ويسمع، ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة.
 الثاني: مشهد محبته سبحانه، فيترك معصيته محبة له، فإن المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين، كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد.
 الثالث مشهد النعمة والإحسان، فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعل هذا لئام الناس، فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلًا إليه، ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه، فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك، فأقبح بها من مقابلة!
 الرابع: مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلًا عن هذا العبد الضعيف.
 الخامس: مشهد الفوات، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، ويزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعًا وعقلًا وعرفًا.
 ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان، الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافًا مضاعفة، فكيف أن يبيعه بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها؟!
 تذهب الشهوة وتبقى الشقوة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" متفق عليه، وقال بعض التابعين: ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص، فإن تاب لبسه.
السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرّة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوّه من الآدميين، وأحلى موقعًا وأتم فرحة، وأما عاقبته فأحمدُ عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد، وأعاده إلى صحته واعتداله.
 السابع: مشهد العِوَض، وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العوض والمعوّض، فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.
 الثامن: مشهد المعية، وهو نوعان: معية عامة، ومعية خاصة.
 فالعامة اطلاع الرب عليه وكونه بعينه لا تخفي عليه حاله، والمقصود هنا المعية الخاصة كقوله تعالى: (ان الله مع الصابرين) وقوله: (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وقوله: (وان الله لمع المحسنين).
 فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته من قضاء وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخره، فكيف يؤثر عليها لذةً منغّصة منكّدة في مدة يسيرة من العمر، إنما هي كأحلام نائم أو كظل زائل؟!
 التاسع: مشهد المعاجلة، وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله على غرّة فيُحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة، فيا لها من حسرة ما أمرها وما أصعبها! لكن ما يعرفها إلا من جربها.
 العاشر: مشهد البلاء والعافية، فانّ البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها.
 فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن مرضت أبدانهم.
 الحادي عشر: أن يعوّد باعث الدين ودواعيه مصارعة داعي الهوى ومقاومته على التدريج قليلًا قليلًا، حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته، فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال.
 الثاني عشر: كفّ الباطل عن حديث النفس، وإذا مرّت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها، فإنها تصير أماني وهي رؤوس أموال المفاليس.
 ومتى ساكن الخواطر صارت أماني، ثم تقوى فتصير همومًا، ثم تقوى فتصير إرادات، ثم تقوى فتصير عزمًا يقترن به المراد! فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته.
 الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى، وليس المراد ألا يكون له هوى، بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه، ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى، فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه.
 فإن كل شيء من الإنسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان، وما لا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد، فالعلم ان لم يكن لله كان للنفس والهوى، والعمل إن لم يكن لله كان للرياء والنفاق، والمال إن لم ينفق في طاعة الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى، والجاه إن لم يستعمله لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه، والقوة إن لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته.
 فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس.
 الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التي ندب عباده إلى التفكر فيها، وهي آياته المتلوة وآياته المجلوّة، فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاضرة الشيطان ومحادثته ووسواسه.
 وما أعظم غبن من أمكنه ألا يزال محاضرًا للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاضرة الشيطان من الإنس والجن، فلا غبن بعد هذا الغبن، والله المستعان.
 الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعًا إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب، فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذَّب به ويناله بسببه غاية الألم؟! بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبنًا.
 السادس عشر: تعرّضُه إلى مَنِ القلوب بين أصبعيه وأزِمّةُ الأمور بيديه وانتهاء كل شيء إليه على الدوام، فلعله أن يصادف أوقات النفحات، كما في الأثر المعروف: "إن لله في أيام دهره نفحات، فتعرّضوا لنفحاته، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم". رواه الطبراني عن أنس مرفوعًا وحسنه الألباني.
 ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التي لا يُسأل اللهُ فيها شيئًا إلا أعطاه!
ولا يستوحش من ظاهر الحال، فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء في صفاته، فإنه ما حرمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليُحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال.
فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه، ويعطيه بحرمانه، ويُصحُّه بسقمه، فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلًا إلا إذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه.
 السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين، فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكلما انقاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين.
 ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل؛ فلينظر أين روحه في هذا العالم؟
اللهم ارحمنا برحمتك وألهمنا الصبر الجميل واجعلنا من الصابرين إله الحق، بارك الله لي ولكم..
.......
الخطبة الثانية
الحمد لله..
الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة، وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع، فمتى لم يفرَغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلًّا قابلًا ينزل فيه، وإن فرّغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقّه من الدغل لم يكن الزرع زرعًا كاملًا، بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له.
 وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع، ويُودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث، فإذا طهّر العبد قلبه وفرّغه من إرادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص وعرّضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه؛ كان جديرًا بحصول الغلة.
 وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة.
 ولا سيما إذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة، فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسبابٌ نصبها الله تعالى مقتضيةً لحصول الخير ونزول الرحمة، كما نصب سائر الأسباب مقتضيةً إلى مسبباتها، بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها، ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب، والحس على العقل، ولظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه.
 ولو فرّغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب، فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو زال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب. فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المُعطشة المُجدبة سدٌّ كثيف، فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه!
 التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعزٍّ لا ذل معه، وأمنٍ لا خوف فيه، وغَنَاء لا فقر معه، ولذة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه.
 وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعزِّ الذي يقارنه الذل ويعقبه الذل، والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف، وكذلك الغناء واللذة والفرح والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده، وهو سريع الزوال.
 فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله، وأكثرهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، والذي ظفر به إنما هو متاع قليل والزوال قريب، فإنه سريع الزوال عنه.
 والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير، فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه، فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمَن دونهم، فإن الزهد في الدنيا مُلْكٌ حاضر، والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على ألا يصل إليه.
 فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقًّا، لأن صاحب هذا المُلْك حُرّ، والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مُسخَّر مملوك في زي مالك، يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير!
 فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك الظاهر الذي صورته مُلْكٌ وباطنه رِقٌّ، وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة.
 والبصير الموفّق يعير نظره من الأوائل إلى الأواخر، ومن المبادئ إلى العواقب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
 العشرون: ألا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول المقصود، بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله، واستفراغ الوسع والطاقة فيه، ومِلاك ذلك الخروج عن العوائد، فإنها أعداء الكمال والفلاح، فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدًا، ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمع بالدجال فلينأ عنه". رواه أبو داود، فما استُعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه.
 وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يُظهر له في مظانّ الشر بعض شيء من الخير، ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة، والله اعلم.
اللهم صل على محمد..

(عدة الصابرين (102 – 113)