إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 27 فبراير 2020

وباء كورونا


وباء كورونا
منقولة بنصرف
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ), (ياَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَلأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً), (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تعالى يبتلي عباده بما شاء من البلايا ويمتحنهم بما أراد من الرزايا اختبارًا لإيمانهم وتمحيصاً لنفوسهم وقرعًا لأفئدتهم ليثوبوا إلى أخذ العُدّة لدار القرار.
عباد الرحمن: يتردَّد كثيرًا في مجالس النّاس هذه الأيام حديثٌ عن مرض يتخوَّفون منه ويخشون من انتشاره والإصابة به، وهو ما يسمى بكورونا، والواجب على المسلم في كلِّ حالٍ ووقت، ومع كلِّ نازلة ومصيبة أن يعتصم بالله جلّ وعلا وأن يكون انطلاقُه في الحديث عنها أو معالجتِها قائمًا على أسسٍ شرعيَّة وأصولٍ مرعيّة وخوفٍ من الله جلّ وعلا ومراقبةٍ له.
وهـذه وقفات حول هـذا الموضوع الذي يشكِّلُ في حياة النَّاس هـذه الأيَّام أهمِّيةً بالغةً:
*الوَقْفَةُ الأُولَى: الواجب على كلٍّ مسلمٍ أن يكون في أحواله كلها معْتصمًا بربِّه جلّ وعلا متوكِّلاً عليه معتقدًا أنّ الأمور كلّها بيده *(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)* [التغابن:11]، فالأمور كلُّها بيد الله وطوْع تدبيره وتسخيره؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا عاصم إلَّا الله *(قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً)* [الأحزاب:17]، *(إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ)* [الزمر:38]
وفي الحديث *«وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»*، وفي الحديث *«كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»*، وفي الحديث *«إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة»*.
فالواجب على كلّ مسلم أن يفوض أمره إلى الله راجيًا طامعًا معتمدًا متوكِّلاً، لا يرجو عافيته وشفاءه وسلامتَه إلَّا من ربِّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فلا تزيدُه الأحداثُ ولا يزيدُه حلول المصاب إلا التجاءً واعتصامًا بالله *(وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)*
 *الوَقْفَة الثَّانِيَة: إنّ الواجب على كلِّ مسلم أن يحفظ اللهَ -جلّ وعلا- بحفْظِ طاعته امتثالاً للأوامر واجتنابًا للنواهي، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وصيّته لابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: *«احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ»*؛ فإن أُصيب بمصيبة أو نزلت به ضرّاء فلن تكون إلاَّ رفعة له عند الله، وفي هـذا يقول نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: *«عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»*؛ فالمؤمن في سرّائه وضرّائه وشدّته ورخائه من خيرٍ وإلى خيرٍ، وذلك كما قال نبيّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: *«وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ».
 *الوَقْفَة الثَّالِثَة: إنّ شريعة الإسلام جاءت ببذْل الأسباب والدّعوة إلى التّداوي، وأنّ التَّداوي والاستشفاء لا يتنافى مع التّوكّل على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
والتّداوي الذي جاءت به شريعة الإسلام يتناول نوعي الطّب: الطّبّ الوِقَائي الذي يكون قبل نزول المرض، والطّبّ العِلاجي الذي يكون بعد نزوله؛ وبكلِّ ذلكم جاءت الشَّريعة. وما من داء إلا وقد جعل الله له دواء خلا الموت، فهو حتم لا بد منه.
ففي مجال الطِّبّ الوقائي يقول نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: *«مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِى صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ـ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ـ فَيَضُرُّهُ شَىْءٌ» وقال: "مَن قال حينَ يُصْبِحُ وحينَ يُمْسي: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ".
والله تعالى هو الحافظ, وهو الحفيظ: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا), (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ), وإذا كان الله -تبارك وتعالى-: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا), فكيف بك أيها المخلوق الضعيف؟!
 وجاء عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: *«مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِى لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ»* أي من كلِّ آفةٍ وسوءٍ وشرٍّ، وجاء في حديث عبد الله بن خُبَيْب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: *خَرَجْنَا فِى لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى لَنَا - قَالَ - فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ «قُلْ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ «قُلْ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. قَالَ «قُلْ». قُلْتُ مَا أَقُولُ قَالَ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِى وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ»*، وجاء عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كما في حديث عبد الله بن عمر أنّه كان لا يدع هـؤلاء الدّعوات حين يصبح وحين يمسي: *«اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِى دِينِى وَدُنْيَاىَ وَأَهْلِى وَمَالِى، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِى، وَآمِنْ رَوْعَاتِى، اللَّهُمَّ احْفَظْنِى مِنْ بَيْنِ يَدَىَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي»؛* وفي هـذه الدّعوة تحصينٌ تامّ وحِفْظٌ كامل للعبد من جميع جهاته.
وفي مجال الطبِّ العِلاجيِّ جاء عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إرْشادات عظيمة وتوجيهات كريمة وأَشْفِيَة متنوّعة جاءت مبيَّنةً في سنّته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يطول المقامُ بذكرها أو الإشارة إليها، وينظر في هذا بسط هذا الموضوعِ الواسع في كتاب زاد المعاد والطب النبوي لابن القيم.
*الوَقْفَة الرابعة: أنَّ المصائب التي تُصيب المسلمَ سواءً في صحّته أو في أهله وولده أو في ماله وتجارته أو نحو ذلك إن تلقَّاها بالصَّبْر والاحتساب فإنها تكون له رِفْعَة عند الله جلّ وعلا، قال الله تعالى: *(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)* [البقرة:155-157]، فالله تبارك وتعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وصبره ورضاه وحمده وشكره بما قضاه عليه.
 *الوَقْفَة الخامسة: أنَّ أعظم المصائب المصيبة في الدين فهي أعظم مصائب الدنيا والآخرة، وهي نهاية الخسران الذي لا ربح معه والحرمان الذي لا طمع معه، فإذا ذكر المسلم ذلك عند مصابه في صحته أو ماله حمد الله على سلامة دينه.
الوقفة السادسة: الطواعينُ والأمراض والأوبئة ليست من الأمور الجديدة, وإنما عرفها الناس منذ القدم, وقد عدّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كثرةَ وقوعِ ذلك من أشراط الساعة, وعلاماتِ قرب قيامها, فعن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: "اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: "المُوتَانُ هُوَ المَوْتُ الْكَثِيرِ الْوُقُوعِ، وَشَبَّهَهُ بِقُعَاصِ الْغَنَمِ، وَهُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْغَنَمَ لَا يُلْبِثُهَا إِلَى أَنْ تَمُوتَ. وَقِيلَ: هُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ فِي الصَّدْرِ. وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَوْبِئَةِ تُؤَثِّرُ فِي الرِّئَةِ، وَتَحْبِسُ النَّفَسَ، حَتَّى يَمُوتَ المَوْبُوءُ".
الوقفة السابعة: الوباء قد يكونُ عقوبةً وقد يكون ابتلاءً, قد يكون عقوبة على انتشار المعاصي وفشوها, كما أخبر الحبيب -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: "لم تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: "مَا ظَهَرَ الْبَغْيُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا ظَهَرَ فِيهِمُ المُوتَان". والله -تبارك وتعالى- يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). فتكون عقوبة ليرتدع الباغي عن بغيه, ويفيق الغاوي من غيه, وينال العاصي جزاء عصيانه.
وقد تكون هذه الأمراض والأسقام ابتلاءً من الله -تبارك وتعالى- لعباده المؤمنين؛ ليزيد في درجاتهم ويمحصهم، وفي الحديث: "ما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة", وقالت عائشة -رضي الله عنها-: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي "أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الوقفة الثامنة: الحذر من التسرع في نشر الأخبار, وإشاعة الإشاعات, ونقل الرسائل التي تصلك دون التثبت منها, فكثير من تلك الرسائل والأخبار كذب محض لا أصل له, وفي نفس الوقت تبث الرعب في قلوب الناس, وتصيب المجتمع بالإرجاف.
والعاقل اللبيب لا يتكلم في شيء إلا إذا تثبَّت من صحته؛ فإذا ثبت لديه ذلك نَظَرَ في جدوى نشره؛ فإن كان في نشره حفز للخير، واجتماعٌ عليه نَشَره، وإن كان خلاف ذلك أعرض عنه، وطواه. ولقد جاء النهي الصريح عن أن يحدث المرء بكل ما سمع, قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع".
اللهم إنا نسألك أن تحفظنا بحفظك, وأن تكلأنا برعايتك, وأن تدفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا الله عباد الله وتذكروا أنم في شهر معظم حرام، قال الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} قال قتادة: العمل الصالح أعظم أجراً في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً. قال ابن رجب : احذروا المعاصي فإنها تحرم المغفرة في مواسم الرحمة .
واعلموا رحمكم الله أن تعظيم هذا الشهر هو عام لكل الطاعات بلا تخصيص طاعة  معينة ولا ميقات معين في  هذا الشهر الفضيل، فلا يشرع تخصيص شيء من أيامه بالصيام ولا شيء من لياليه بالقيام كليلة سبع وعشرين وغيرها.  وكلُّ خير في اتباع من سلف.
اللهم صل على محمد..

الخميس، 13 فبراير 2020

العربية لغة القرآن الكريم


العربية لغة القرآن الكريم
منقولة بتصرف
الحمد لله أنزل الذِّكرى بلسان عربي وحفظه، ودَلَّ عبده على طريق الهدى وبَشَّرَه وأنذره ووعظه، له الملكُ وله الحمد، بسط الآمال ونشرها، وطوى الآجال وسترها، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وَسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وقَدَّرَ المقادير حكمةً وحكمًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تقي النَّدَامة يوم الحسرة، وتنجي صاحبها ساعة العسرة.
وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، بَلَّغَ الرسالة، وأَوْضَحَ الدَّلالة، صَلَّى الله وسلم وباركَ عليه وعلى آله وأصحابه السَّادةِ الأبرار، والتَّابعين ومَنْ تبعهم بإحسانٍ ما تعاقَبَ اللَّيل والنَّهار، وسَلَّم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
فأوصيكم - أيُّها النَّاس ونفسي بتقوى الله - عَزَّ وجَلَّ. فاتقوا الله - رحمكم الله - واحذروا اتِّباع الهوى وطول الأمل، فاتِّباع الهوى يصدُّ عن الحق، وطول الأمل يُنسي الآخرة، ومَن صَبَر على مخالفة هوى نفسه أوصله الله مقام أُنسه، ومَن استغرقَ في المَلَذَّات دخل في لُجَّة النَّدامات، ومَن غلبت عليه شهواته بَعُد عليه التَّوفيق ومقاماته، فالهَوى - رحمكم الله - يُردي، والخوف منَ الله يُقَرِّب ويُغني: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41].
أيها المسلمون: أمَّةُ الإسلام خير أمَّة أخرجت للنَّاس، تأمُر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، لها مكانتُها، ولها دورها الحضاري، وفي الأزمنة المتأخِّرة أصابها ما أصابها، وأحاط بشعوبها ما أحاط من عند أنفسهم ومن خارج أنفسهم.
ومن أعظم أسباب ذلكَ: أنَّ الأمَّة لا تَتَبَنَّى مشروعًا للإصلاح ينهض بها على الأصعدة كافَّة، يَتَّفق مع مبادئها، ويراعي خصائصها، وينسجم مع عصرها، ويوظف مستجدات زمانها، وهذا حديثٌ عن ركن من أركان البناء الحضاري، لا يُتصور بناء حقيقي وإشادة كيان مُستقل بدونه، حديث عن عنصر قال عنه أهل الاختصاص والمُنَظِّرون: إنَّه قرين الذات، وهو لازم الهُوية، وركن الحضارات. إنَّه صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، بوجوده تَتَمَيَّز الأمة قائمةً بخصائصها، وتتَّحد به الأمة في صورة تفكيرها؛ بل قالوا: إنَّه أعظم عوامل الوَحدة وأهم أسبابها بعد دينها وعقيدتها.
أتدرون ما هذا الركن الركين - حفظكم الله - وما هذا العنصر الأساس؟ إنَّه - حفظكم الله - لغة الأمَّة ولسانها.
اللغة هي الوعاء الحامل لحضارة الأمة الحافظ لتاريخها وعطائها.
واللغة هي مرآة العقل وأداة التفكير، لغة الأمَّة هي التي تحتضن مخزونها الثقافي ومخزونها العاطفي؛ لتُكَوِّن عقلية أهلها الذين يَتَحَدَّثون بها ويتعلمون بها، وتسوغ نفسياتهم وطريقة تفكيرهم، فاللغة فكرٌ ناطقٌ، والتفكير لغةٌ صامتةٌ.
أيُّها الإخوة: فإذا كانت هذه بعض الإشارات لِمَنزلة اللغة وموقعها في بناء الأمة والحضارة؛ فكيف إذا كان الحديث عن لغة الوحي ولغة التنزيل، لغة القرآن الكريم، أقدم اللغات الحيَّة على وجه الأرض، محفوظةٌ بحفظ كتاب الله في بقائها، وبنائها، وتركيبها، وقواعدها، وتصريفها؟!!
لم يمر بالعربية حَدَث أعظم من الإسلام ونزول القرآن على محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - تَحَوَّلَ فيها لسان العرب إلى شعرٍ يتنافس فيه أهل الإسلام في ديارهم كافة: درسًا وعنايةً، تعلمًا وتعليمًا، لا لنُفوز سياسيٍّ ولا لسبق حضاري؛ ولكن دين وقربة.
الإسلام جعل للعربية الصدارة والاهتمام تكلُّمًا وتعلمًا، يغار عليها كل مسلم، ويطمح إلى إتقانها كل مصلٍّ ومتعبد.
لقد بلغت اللغة ما بلغه الإسلام دارًا وانتشارًا، واستوعبت ما أتت عليه الحضارات السابقة قبلها، وصاغتها حضارة واحدة إسلاميَّة الصبغة، عالمية المنزع، إنسانيَّة الرؤية، لغة عظيمة حملت حضارة العالم أكثر من أربعة عشر قرنًا.
يقول خبراء اللغة: لأول مرَّة في تاريخ البشريَّة - على ما يُعلم مِنَ التاريخ الموثوق به - أن يُكتب للسانٍ طبيعيٍّ أن يعمَّر ما يزيد على سبعة عشر قرنًا، محتفظًا بمنظومته الصَّوتيَّة والصرفيَّة والنَّحويَّة، فيطوِّعها جميعًا ليواكب التَّطَوُّر في الدَّلالات، دون أن يتزعزع نظامه من داخله. بينما المعهود في تاريخ اللِّسانيات والتاريخ اللغوي المقارن أن أربعة قرون هي الحد الأقصى الذي يدخل بعده التغيير التدريجي لمكونات المنظومة اللغويَّة!! واللُّغة العربية بدأت على غاية الكمال، فليس لها طفولةٌ ولا شيخوخة!
عباد الله: إن رُقِيَّ المجتمع المسلم العربي وجلاء هويته يكمنان في اعتزازه بدينه، وتمسكه بلغته، فإن دين المرء ولغته هما أُسَّانِ للانتماء الحقيقي وقُطْبَانِ، فالدين قلبه، واللغة لسانه، ولما كان اللسان غشاء القلب وبريده، فإن اللغة فرع عن الدين، المبني على الكتاب العربي المبين، وسُنَّة أفصح مَنْ نطق بالضاد سيد المرسلين -صلوات الله وسلامه عليه-، ومن المقرَّر بداهةً أنه لا توجد أُمَّة دون لغة، ولا لغة دون أمة، وإن شرف اللغة العربية؛ لغة الكتاب العربي المبين بين اللغات كشرف دين الإسلام بين الأديان، وإذا كان نور فؤاد الأمة دينها، فإن نور لسانها لغتها العربية؛ لأن اللغة العربية لغة قرآن وسُنَّة، لغة عبادة وعلم، وفِكْر وأدب وثقافة وحضارة وسياسة، وهي لسان مشترك يجمع أكثر من مليار مسلم ونصف المليار على وجه الأرض، لا يقرأون القرآن إلا بها مهما نطقوا بغيرها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “إن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون“.
ألا فاعلموا -رعاكم الله- أن المرء مهما قلَّب بصرَه وأرخى سمعه فلن يجد أعذب من اللغة العربية، ولا أمتنَ منها ولا أعمقَ، ولن تستطيع لغة في الوجود مقاربتَها فضلا عن مجاراتها، بل إن كثيرا من لغات العالم تحوي كلمات ذات أصل عربي، كيف لا وقد تميزت بحروف متكاملة مصنَّفة على مخارج نقطها من الحلق إلى الشفتين، يُضاف إلى ذلكم تميُّزُها بأحرف لا توجد في لغة أخرى غيرها.
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصورا على اللسان، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخُلُق والدين تأثيرا قويًّا بيِّنًا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتُهم تزيد العقلَ والدينَ والخُلُقَ“.
وقد أحسن ابن القيم -رحمه الله- في بيان فضلها حيث قال: “وإنما يَعرف فضلَ القرآن مَنْ عرف كلامَ العرب، فعرف علم اللغة، وعلم العربية، وعلم البيان، ونَظَرَ في أشعار العرب وخُطَبِها ومقاولاتها في مواطن افتخارها ورسائلها“.
وإذا طلبتَ من العلومِ أجلَّها  ...   فأجلُّها منها مُقيمُ الألسُنِ
عباد الله: لقد كان للمشارَكة الحضارية والثورة التقنية دور رئيس في انكماش اللغة العربية وتهميشها حتى تحوَّل مَنْحَاها فانحرفت عن مسارها وسياقها الصحيح، وظهر على إثر ذلك سلبياتٌ في التواصل اللغوي للمجتمع العربي الواحد، والأمة العربية برمتها، مع أن لغتها هي المكوِّن الرئيس في تشكيل هويتها، وإذا ما وقع ذلكم فحدِّثوا حينذاك ولا حرج؛ عن شرخ الهوية وهَجِين اللغة المُفرِزَينِ اختلالا ثقافيا وضَعْفا علميا؛ لأن المجتمعات كالوعاء، تصب فيه كل الثقافات غير أن إيجابيات تلك الثقافات وسلبياتها مرهونة بموقع اللغة العربية من ذلك التفاعل صعودا ونزولا؛ لأن اللغة العربية تقوم على ثلاث وظائف في تكوين المجتمع، تتجلى في كونها أداة للتفكير ووسيلة للتفاهم والتواصل الاجتماعي، وعنوانا لهوية الفرد والمجتمع، بيدَ أن غفلة كثير من الناس عن استحضار هذا الأساس بلغت بهم إلى تهميش ظاهر، وتسطيح مُقلِق؛ فأحلوا غيرَها محلَّها في كثير من استعمالاتهم؛ فإن ذا البصيرة يشاهد ويسمع طغيان الحديث بغير العربية بين أهلها أنفسهم؛ يظهر ذلك جليًّا في تسمياتٍ غيرِ عربيةٍ، ومحادَثات بغيرها دون حاجة، في الدُّور والسُّوق وبتسميات لأعلام ومؤسسات ومصطلحات ومَحالِّ تجارةٍ وغير ذلكم، حتى أصيب محبوها بهاجس من الغربة والانكسار أدى ببعض المحافظين منهم عليها إلى أن يلوكوا ألسنتَهم بالعربية على استحياء خشيةَ التعيير أو التندر أو الاستهجان، هذا إن سَلِمُوا من سهام اللمز بهم، والتقليل من شأنهم، ووصفهم بالجامدين الذي لا يُحسنون الرطانةَ الوافدةَ، ولم يتَّشحوا بوشاحها البراق على حد وهمهم.
 يقول عمر: "تعلموا العربية فإنها من الدين، وقال: تفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي".". وكان شعبة يقول: "تعلموا العربية فإنها تزيد في العقل"، وقال الثعالبي: "من أحبّ الله أحبّ رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومن أحبّ النبي العربي أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب".
والله الموفِّق وهو الهادي إلى سواء السبيل، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب وخطيئة، فاستغفِروه وتوبوا إليه، إن ربي كان غفورا رحيما.

الخطبة الثانية:
الحمد لله العظيمِ شأنُه، القاهرِ سلطانُه، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شأن عن شأن يُشغِلُه، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله، عزَّ مقامه، وعَلَت فضائله - صَلَّى الله وسَلَّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، صدقوا الله فأنجز لهم ما وعدهم، والتابعين ومَنْ تبعهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-، ثم اعلموا -يا رعاكم الله- أن الذين يستبدلون العجمة بالعربية ظنًّا منهم أنها علامة الرقي ومكمن الافتخار، فظنُّهم -لَعَمْرو اللهِ ظنٌّ مقلوب، واستسمانٌ لذي ورم، نعم قد يبلغ التعامل بغير العربية مبلغ الضرورة أو الحاجة أو التحسين، ولا حرج في ذلكم؛ كما فعل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا احتاج إلى مثل هذا؛ حيث أمر زيد بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- أن يتعلم اللغة السريانية. (رواه أحمد).
ولغة القرآن تعلو ولا يعلى عليها، (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)[الزُّمَرِ: 28].
هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المسبِّحة بقدسه، وأيَّه بكم -أيها المؤمنون- فقال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].
اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر صحابة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفِّسْ كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْنَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانتَه يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفِّقْه ووليَّ عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنتَ وليها ومولاها.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخميس، 6 فبراير 2020

تحصين وتعزيز الأمن العقدي والفكري


تحصين وتعزيز الأمن العقدي والفكري
الحمد لله معز من أطاعه ومذل من عصاه، الحمد لله الذي خلق الكون ومن عليه بالحكمة ابتداء وبالقدرة اعتلاء، وبالعمل ابتلاء، وبالعطاء فضلاً ونعمة ومنة. نحمده حمد الشاكرين له، المنقادين لحكمه، المتمثلين لأوامره المنتهين بنواهيه. ونشهد أن لا إله في الأرض ولا في السماء إلا هو. ونصلي ونسلم على من بعثه الله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وهاديًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد:
أيها الإخوة المؤمنون: راقبوا الله في سركم وجهوكم، واتقوه ما استطعتم، فإن تقواه من أوجب العبادات، وأعظم القربات.
واعلموا أنكم في زمان اختلطت فيه السبل وتشابهت فيه المسالك وكثر فيه أدعياء الصلاح والإصلاح لذلك وجب على كل ناصح لنفسه ولأمته أن يعزز الأمن العقدي والفكري والمنهجي وأن يحذر الزيغ والانحراف عن صراط الله المستقيم إلى سبل وتيارات وبدع وإرهاب غير مشروع وانحراف عن جادة الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم.
إذن فإذا أردنا تصحيح المسار فلنبدأ بأنفسنا، ولنقم لله تعالى بتهذيبها مما علق بها من مسائل شبهات استبطنتها شهوات رَغَبٍ ورَهَبٍ، والله مع المتقين.
فواجب الوقت: إحسانُ الظن بالله تعالى، وحراسةُ ثغور الإسلام، والعملُ على إطفاء الحرائق التي علِقَت بأطرافِ دين الناس، وإنقاذُ ما يمكن إنقاذه من بقايا وئامهم وصلاحهم، ودفعُ ورفعُ عادياتِ الشر والفساد عنهم، والاشتغالُ بصيانة المسلّمات الكبرى للشريعة في الأمة، وبناءُ محاضن التربية الجادة والعلم والفكر، والتأكيدُ على امتثال الشريعة معتقدًا وعملًا وسلوكًا وأخلاقًا، (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم).
والمؤمن يخشى على نفسه مغبة أعمال المنافقين وهو لا يشعر، ولربما أوصلت سيئاتُ أعمالهم لخبيث اعتقادهم، وسمع رجلٌ أبا الدرداء رضي الله عنه يتعوّذ من النفاق في صلاته، فلما سلّم قال له: ما شأنُك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم اغفر لي، ثلاثًا، لا تأمن البلاء، والله إنّ الرجلَ ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه. وسئل حذيفة رضي الله عنه عن النفاق فقال: "هو الذي يصف الإيمان ولا يعمل به". فلا بد للمؤمن أن يخاف النفاق، وقال الحسن رحمه الله: "من لم يخف النفاق فهو منافق". فالخوف من النفاق مطلب شرعيّ، لأنه من تربية النفس لتزكيتها، لكن بحدود حتى لا ينقلب الحال لوسواس وسوداوية وقنوط، فالخوف سوطُ القلوب لتستقيمَ على الطريق، فهو مُؤدِّبٌ مُهذِّبٌ لا مُعذِّب مُتلف، وقد سأل رجلٌ حذيفة رضي الله عنه عن النفاق، فقال: أتستغفر إذا أذنبتَ، وتصلي إذا خلوتَ؟ قال: نعم، فقال: اذهب فما جعلك الله منافقًا.
وبين المداراة والمداهنة فرق ظاهر، وتأمل الفرق بين إرخاء أشرعة القارب تلافيًا للريح العاتية مع ثبات وجهته، وبين تغيير مسار القارب عن وجهته الصحيحة الوحيدة، (إنا لا نضيع أجر المصلحين)
  فقُم من عثرتك، وانفض ثيابك، واستقبل باب من لا يخيب من دعاه، ولا يُطرد من لاذ بحماه. وكم من آية غيّرت بالهدى تاليها ومتدبرها، وكم من حديث ألجم ألْسُنًا وكم من حديث أطلقها، قال علقمة: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث، ويعني به روايته رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله عز وجل ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل بها عليه سخطه إلى يوم القيامة". حديث صحيح رواه أحمد وغيره.
عباد الله: لا بد لتعزيز الأمن العقدي والفكري من تأكيد مرجعية الوحي المطلقة، فمن لم يثق في الوحي ثقة مطلقة فلا ترجُه. وهذه مسألة في غاية الخطر، فمصادر التلقّي في زماننا متنوّعة المنابع مختلفة المشارب، وكلها كَدَرٌ ومرض إلا ينبوع الوحي فهو الحياة. فالذي خلقنا هو العالِم بما يصلُح لنا ويُصلحُنا.
ولكل اجتماع نزاع، ولابد لكل نزاع من فصل، ولا يمكن هذا الفصل إلا بمرجعيّة يُسلّمُ بها الطرفين، فأهل العقل المادّي مختلفون، وكذلك أصحاب الحسّ والذوق والرؤى ونحوهم. أما أهل الإسلام فقد جعل الله لهم مرجعيّة جامعة مانعة: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا) والرد إلى الله يكون بتحكيم كتابه، والرد إلى الرسول يكون بتحكيم سنّته، والآي والأحاديث في هذا مشهورة معلومة. وفتنُ الابتلاء نارٌ تُنضج عقولَ أقوامٍ وتُحرق آخرين.
وتأمل كلام المؤمن الورع الحكيم المجرب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في الفتنة، فقد دعاه بعض الناس للخروج معهم، فأبى عليهم وقال: "لا، إلا أن تعطوني سيفًا له عينان بصيرتان، ولسان ينطق بالكافر فأقتله، وبالمؤمن فأكفّ عنه.
 وضرب لهم سعد مثلاً فقال: مثلنا ومثلكم؛ كمثل قوم كانوا على محجة، -أي البيضاء الواضحة -فبيناهم كذلك يسيرون هاجت ريح عجاجة، فضلوا الطريق، فقال بعضهم: الطريق ذات اليمين، فأخذوا فيه فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: الطريق ذات الشمال، فأخذوا فيه فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: كنا على الطريق حيث هاجت الريح، فنُنيخ، فأناخوا وأصبحوا، فذهبت الريح وتبيّن الطريق".
وقد ذُكِر عن علي رضي الله عنه أنه قال: "العلم نقطة كثّرها الجاهلون". أي أنّ أصل العلم الذي فقههُ الصحابة رضي الله عنهم كان نزرًا نافعًا، وهو أصول قيّمة ومحكمات جامعة تُرجع إليها المسائل وتُعرض عليها الدلائل، ويفيءُ طالبُ العلم بها لبركة الوحي الصافي، ويَرِدُ بها الحقَّ الوافي، وهو فقه الكتاب وفقه أحاديث النبي صلّى الله عليه وسلّم وأعماله، وهو ليس بهذه الكثرة المُشَتِّتة، إنما شقّق الناس بعدها وتشدّقوا وأوغلوا وغالوا. فبركة العلم في صفائه من كدر التكلّف، ونقائه من دَغَلِ المخالفة.
والمؤمن متعلق بالدليل لأنّ الدليل عبارة عن أعلامٍ يهتدي بها في مسيره للآخرة، فإن انحرف عنها؛ انحرف عن الطريق، وإن انحرف عن الطريق لم يصل. والأعلام منها ما هو صحيح وهي نصوص الوحي الصحيحة، ومنها أعلام زائفة وهي ما لم تصحّ، وبهذا تظهر بركة أهل الحديث الذين حفظ الله بهم أعلام الدين، ودلائل الملة، وعلامات الطريق.
دِينُ النَّبِيّ محمَّدٍ أَخبَارُ  ...  نِعْمَ المَطِيَّةُ للفَتَى الآثارُ
لاَ تُخدَعَنَّ عن الحَدِيثِ وأَهلِهِ  ...  فالرَّأيُ ليلٌ والحدِيثُ نَهَارُ
ولَرُبَّما غَلَطَ الفَتى سُبُلَ الهدى  ...   والشَّمسُ طَالِعَةٌ لها أنوارُ
بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أسبغ علينا المنن، وأكرمنا بأقوم كتاب وأهدى سَنن، نستغفره سبحانه من الذنوب والخطايا في السر والعلن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث بالرحمة وأزكى السُنن، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته، شموس الضحى، وبدور الدجى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، ولتكن التقوى ديدنكم وسبيلَكم لتفوزوا في الدارين، ولتسعدوا في الحياتين.
عباد الله: أن من ثوابت الأمة التَّوحِيد، وهو أصل الأصول ومحض تحقيق الشهادتين وغاية الخلق الإنساني، وكلُّ المحكمات راجعة لهذا الأصل العظيم. ولا يعني هذا إهدارها، ولكن لكل شيء قدره.
فمَنْ نَقَضَ توحيدَه بشرك وخرج من ربقة المسلمين؛ فليس له من حقوق الأخوّة شيء، بل منه وعليه البراء حتى يُسلم وجهه لله رب العالمين. ولا يعني ذلك الوقوف على ظواهر هذا الأصل لوحدها، أو التمسح بدعاوى أنّنا أهل التوحيد، بل لا بد من تحقيقه بجذوره وأصوله وفروعه وأطرافه، وتكميل حقوقه قدر المستطاع، ومتى حقّقناه جملةً فسنكون قد انتظمنا كلّ المحكمات معه، لأنه مبدؤها وإليه معادُها، فالسلفية مبادئٌ ومسلّمات لا دعاوى وشعارات.
عباد الرحمن: ومن أصول الأمن العقدي والفكري تعظيم وحراسة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ويحصلُ ذلك بالاتّباع الصادق لهدي نبينا الخاتم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فتحقيق الشهادة الثانية يكون بصدق اتّباعه ظاهرًا وباطنًا.
ومن المهمات الابتدائية لكل مؤمن وضوحُ الطريق لسالكه، فيرى السائر فيه مَدَّ بصره وضوحًا لا غبش فيه، ويتبيّن حدوده واضحة لا لبس فيها، فيُبصر موضع كلَّ خطوة قبل مدِّ قدمه في المسير. ذلك أن السبيل إن لم يكُ على الجادّة النبوية فكل خطوة فيه للأمام هي في حقيقتها خطوة للخلف، فإن انحراف المنهج يستلزم انحراف المسير، وعلى قدر زاوية الانحراف وسرعة السير يكون معيار البعد زمانًا ومكانًا.
ويا أخي: إن كنت عامّيًّا ففرضُك سؤالُ من وثقت بورعه وعلمه، فإن اتّسع بِطَانُ علمك فقارِن واتبَع أشبه الأقوال بالحق فإن على الحق نورًا، ومتى تبحّرت فاجتهد ولا تقلّد.
ولا ترتبط بشخص تضعَه حجة لك على الدوام سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه فلا تربط الناس بشيخٍ رباطًا لا ينفك، بل اربطهم بالوحي، ثم أرشدهم للاستنارة بعلم ذلك الشيخ، ومَنْ قصد البحر استقل السواقيا. قال شيخ الإسلام: "وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرّقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون".
واعلم يا عبد الله أن من تعظيمِ السنة حفظُ حقوقِ أهلِها، وكلّ مؤمن له حظ من ذلك مهما جافاها بقول أو فعل أو مسلك أخطأ فيه. ويتضح ذلك بأن تتذكر الشهادة الأولى بالتوحيد وعظيم حق أهلها مهما صدر منهم مالم ينقضوها، إذ لهم عليك حق الولاء بحسب قربهم منها، فيجتمع لهم الحب بقدر تحقيقهم لها والبغض بقدر بُعدهم عنها، وهذا مسلك دقيق جدًّا قلَّ من يُراعيه في زمن البغي العلمي والعملي، والله المستعان.
 وبالجملة فكل من كان من أهل التوحيد ففيه جزء من تعظيم السنّة، وله حظٌّ من حقّهما، فلا يجوز بحال معاملته كالكافر الفاجر، وكذلك لا يجوز تقريبه وتولّيه كالمؤمن الطاهر، بل لكل مقام قدرُه وحدّه، والعبرة بما ظهر من حسنه أو سوئه.
وقال جل شأنه: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) فخذ الدين كلَّه لا بعضه، واستقم كما أمرت لا كما اشتهيت، وانتهر صولة نفسك الأمارة برهبة الموقف غدًا بين يدي الجبار جل جلاله، وتذكّر ساعة: "إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضبْ قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي. ".. رواه البخاري.
واعلم – رحمك الله تعالى -أنه قد كثر في زماننا التنابزُ بالألقاب حتى صارت قوالبَ يلقيها من شاء على من شاء، مع أن كثيرًا ممن أُطلقت عليهم تلك المسمّياتُ والألقاب، حتى استقرّت في صدور الرعاع أو أشباه الرعاع؛ هم في الحقيقة بريئون من تلك الوصمات وما أُلصقت بهم من تلفيقات، فأكثرها تُهَمٌ تنفيريّة تُلقى على كواهل من لم يتبنّوا تلك الأخطاء أو الضلالات، ولم يجدوا في غَيْبتهم من يَتثبت ويتبيّن ويدفع عن أعراضهم القالات، وموعد الجميع غدًا بين يدي رب البريات.
إذن فلا تكن ممن يَصِم أو يرضيه أن يوصَم، ولتهنِك تسمية الله لك (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) وجواب الأُمَّةِ ربَّها يوم القيامة حين يسألهم: "من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون". رواه البخاري.
اللهم صل على محمد..