إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 23 فبراير 2019

الخشوعُ في الصلاة


الخشوعُ في الصلاة
منقولة مختصرة ومزيدة
الحمد لله المتفرد بالعظمة والجلال، المتفضل على خلقه بجزيل النوال. أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وهو الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى الحق، والمنقذ بإذن ربه من الضلال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآلٍ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل.
أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واعبدوه حق عبادته، وأخلصوا له، تقربوا إليه خوفاً وطمعاً. أيها المسلمون، العبادات والقربات تتفاضل عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة والخشية والخشوع والإنابة. والعابدُ حقاً والمتقربُ لربه صدقاً، هو الذي تحقق في قلبه صدق الامتثال للأوامر على وجهها، وابتعد عن المخالفات بجميع وجوهها، يجمع بين الإخلاص والحب والخوف وحسن الطاعة.
ومن أجل تبين هذا التفاضل وإدراك هذا التمايز، هذه وقفة مع أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين؛ مع الصلاة عماد الدين.
صفاتُ المؤمنين المفلحين مبدوءة بها، واستحقاقية ميراث الفردوس مختتمة بالمحافظة عليها: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزكاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لاِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وفي استعراضٍ آخرَ مِن كتاب الله للمكرّمين من أهل الجنة تأتي المداومة على الصلاة في أول الصفات، وتأتي المحافظة عليها في خاتمتها: (إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ الْمُصَلّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ فِى جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ).
أيها الإخوة، إنه ثناء على هؤلاء المصلين ما بعده ثناء، وإغراء ما بعده إغراء، لكن هذه الصلاة التي أقاموها صلاة خاصة، ذات صفات خاصة، صلاة تامة كاملة، صلاة خاشعة في هيئة دائمة، ومحافظة شاملة.
إنها صفات وعناصر إذا حصل خللٌ فيها أو نقصٌ؛ فقد حصل في صلاة العبد نقصٌ بقدر ذلك القصور، بل قد يتحول الوعد إلى وعيد، وينقلب رجاء الثواب إلى عرضة للعقاب، اقرءوا إن شئتم: (فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) واقرأوا في صفات المنافقين: (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاءونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى).
أيها الإخوة: إنّ روحَ الصلاة ولبَّها هو الخشوعُ وحضور القلب، حتى قال بعض أهل العلم: صلاة بلا خشوع ولا حضور جثة هامدة بلا روح. إن الخشوع ـ أيها الأحبة ـ حالةٌ في القلب تنبُع من أعماقه مهابةً لله وتوقيراً، وتواضعاً في النفس وتذللاً. لينٌ في القلب، ورقة تورث انكساراً وحُرقة.
وإذا خشع القلب خشع السمع والبصر، والوجه والجبين، وسائر الأعضاء والحواس. إذا سكن القلب وخشع، خشعت الجوارح والحركات، حتى الصوت والكلام: (وَخَشَعَتِ الاصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً).
وقد كان من ذكر النبي في ركوعه: "خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي وما استقلَّت به قدمي لله رب العالمين" رواه أحمد. وحينما رأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. ويصف الحسن رحمه الله حال السلف بقوله: كان الخشوع في قلوبهم، فغضوا له البصر في الصلاة.
عباد الله، إذا خشع قلبُ المصلي استشعرَ الوقوفَ بين يدي خالقه، وعظُمتْ عنده مناجاتُه، فَمَن قدَرَ الأمرَ حق قدره، واستقرَّ في جنانه تعظيمُ الله وجلالُه، وامتلأ بالخوف قلبُه؛ خشعَ في صلاته، وأقبلَ عليها، ولم يشتغل بسواها، وسكنت جوارحه فيها، واستحق المديح القرآني: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ). رُوي عن مجاهد - رحمه الله - في قوله تعالى: (وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ) قال: القنوت: الركون والخشوع، وغضُّ البصر، وخفضُ الجَناح. قال: وكان العلماءُ إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن عزَّ وجلَّ عن أن يشدَّ نظره، أو يلتفت أو يقلّب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا ما دام في الصلاة. كانوا حين يدخلون المسجد يخلعون الدنيا من قلوبهم مع خلعهم نعالَهم.
بالخشوع الحق، يكون المصلون مخبتين لربهم، منكسرين لعظمته خاضعين لكبريائه، خاشعين لجلاله: (إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ).
ولتعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الخشوع يتفاوت في القلوب بحسَب تفاوت معرفتها لمن خشعت له، وبحسَب مشاهدةِ القلوب للصفات المقتضية للخشوع. وبمقدار هذا التفاوت يكون تفاضل الناس، في القبول والثواب، وفي رفع الدرجات، وحط السيئات. عن عبد الله الصنابحي - رضي الله عنه - قال: أشهدُ أني سمعت رسول الله يقول: "خمسُ صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن، وصلّاهن لوقتهن، وأتمّ ركوعهن وخشوعهن؛ كان له على الله عهدٌ أن يغفرَ له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه" رواه أحمد وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئٍ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فأحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم يُؤتَ كبيرة وذلك الدهر كله" رواه مسلم. وعن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه بشيء؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". رواه مسلم.
فالصلاة الخاشعة هي الراحة الدائمة للنفوس المطمئنةِ الواثقةِ بوعد ربها المؤمنةِ بلقائه. وأين هذا من نفوسٍ استحوذ عليها الهوى والشيطان؟! فلا ترى من صلاتها إلا أجساداً تهوي إلى الأرض خفضاً ورفعاً. أما قلوبُها فخاوية، وأرواحُها فبالدنيا متعلقة، ونفوسُها بالأموال والأهلين مشغولة.
لما سمع بعض السلف قوله تعالى: (لاَ تَقْرَبُواْ الصلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) قال: كم من مصل لم يشرب خمراً، هو في صلاته لا يعلم ما يقول، وقد أسكرته الدنيا بهمومها.
أيها الإخوة، وهناك نوع من الخشوع حذّر منه السلف، وأنذروا وسموه: خشوع النفاق. فقالوا: استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قالوا: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع. ولقد نظر عمر رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا، ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر خشوعاً على ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق. وقال الحسن: إن أقواماً جعلوا التواضعَ في لباسهم، والكبرَ في قلوبهم، ولبسوا مداعج الصوف ـ أي: الصوف الأسود ـ واللهِ لأَحدُهم أشدُّ كِبْراً بمَدْرَعته من صاحب السرير بسريره، وصاحبِ الديباج في ديباجه.
فاتقوا الله - رحمكم الله- واحفظوا صلاتكم، وحافظوا عليها، واستعيذوا بالله من قلب لا يخشع، فقد كان من دعاء نبيكم صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" رواه مسلم. (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله،،، أما بعد: أيها المسلمون، يذكر أهل العلم وجوهاً عدة، يتبين فيها حضور القلب، ويتحقق فيها حال الخشوع، وحقيقة التعبد.
من هذه الوجوه: الاجتهاد في تفريغ القلب للعبادة، والانصراف عما سواها، ويقوَى ذلك ويضعُفُ بحسَب قوّةِ الإيمان بالله واليوم الآخر، والوعدِ والوعيد. ومنها: التدبّرُ لما تشتمل عليه الصلاة من قراءةٍ وذكر ومناجاة.
ومنها: الاجتهاد بدفع الخواطر النفسية، والبعدِ عن الصوارف الشاغلة. وهذه الصوارف والشواغل عند أهل العلم نوعان: صوارفُ ظاهرة وهي ما يشغل السمع والبصر، وهذه تعالَج باقتراب المصلي من سترته وقِبلته ونَظِرِه إلى موضع سجوده، والابتعاد عن المواقع المزخرفة والمنقوشة، والنبي لما صلى في خميصةٍ لها أعلامٌ وخطوطٌ نزعَها وقال: "إنها ألهتني آنفاً عن صلاتي". متفق عليه.
والنوع الثاني: صورافُ باطنة مِن تَشَعُّبِ الفكر في هموم الدنيا وانشغال الذهن بأودية الحياة، ومعالجةُ ذلك بالتفكرِ والتدبر لما يَقرأ ويَذكر وباستحضارِ قُرْبِ مَنْ يُناجي. ومما يعين على حضور القلب وصدقِ الخشوع؛ تعظيمُ المولى جل وعلا في القلب، وهيبتُه في النفس، ولا يكون ذلك إلا بالعلم بالله عزَّ شأنه، ومعرفةِ حقارة النفس وقلّةِ حيلتها، وحينئذٍ تتولدُ الاستكانةُ والخشوع والذُّل والإنابة.
أمرٌ آخر - أيها الإخوة - يحسُن التنبيه إليه، وهو دالٌّ على نوع من الانصراف والتشاغل، مع ما جاء من عِظَمِ الوعيد عليه، وخطرِ التهاون فيه، ذلكم هو مسابقةُ الإمامِ في الصلاة، فما جُعِلَ الإمام إلا ليؤتَم به، فلا تتقدّموا عليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" متفق عليه.
 وانظروا إلى حال الصحابة رضوانُ الله عليهم مع نبيهم وإمامِهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قال البراء بن عازب: كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وفي صلاته، فكان إذا انحطَّ من قيامه للسجود، لا يحني أحدٌ منا ظهره حتى يضعَ رسولُ الله جبهتَه على الأرض ويُكبّر، وكان يستوي قائماً وهُم لا يزالون سجوداً بعدُ. ورأى ابن مسعود - رضي الله عنه - رجلاً يسابق إمامه فقال له: لا وحدك صليت، ولا أنت بإمامك اقتديت.
فاتق الله يا عبد الله، وعظِّمْ أمر الصلاة، فهي الحبل الواصل بينك وبين الله تعالى، والبابُ الذي تدخلُ منه عليه، وهي أعظم أركان الإسلام العملية، وهي في الحقيقة معيارُ الإيمان، وقد قال الإمام أحمد: "إنّما حظَهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتُهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة". فأعط الصلاة نفيسَ وقتك وسمينَه لا زائدَهُ وقليلَهُ. وكلُّ مواعيدِك مع نفسك والبشر ألغها أو أجّلْها إذا أقبل موعدُك مع الله تعالى.
فاخلعِ الدنيا مع رَفْعِكَ للتكبير، وكبّر تكبير من أيقن بأنه لا أكبرَ من الكبير جلَّ جلاله، واتلُ كلامه كمَن يخاطبه ويناجيه، واجعل قلبَك بين يديك تُحرِّكُه بالآي والذكر والضراعة، واركع ركوع خاضع لمولاه بقلبه ورقبته وحياته، وارفع رفع حامدٍ شاكرٍ فَرِحٍ بربه تعالى، واسجد سجود من يظنُّ أنه لن يقوم منها إلا للموت، وبعثر همومك وأزلْ غمومَك بسجدة طويلة خاشعة، وصلّ وسلم على نبيك بعد التشهد كحالِ من هو بحضرته، وفي جلسة التشهد الأخير قبل السلام لا تعجل، بل اغتنم تلك اللحظات بين يدي ربك عبدًا خاضعًا خاشعًا طالبًا فضلَهُ ونَوَاله. فادعُ واضرع وألحّ، فوعزّةِ ربِّك إنها من الهنيهات الجليلة التي تُرجى أن يقال لك فيها: سل تُعط، (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) فمن ذا الذي دعاه فردّه، أو رجاه فخيّبه، أو لجأ إليه فتركه، أو استنصره فخذله، الخيرُ كله منه وإليه، فلتفرّ من نفسك إليه.
إن كنتَ مُشتاقًا لها كَلفًا بِها ... شوقَ الغريبِ لرؤية الأوطانِ
كُن محسنًا فيما استطعت فربَّما ... تُجزى عن الإحسان بالإحسانِ
واعمل لجناتِ النعيم وطيبِها ... فنعيمُها يبقى وليس بفانِ
أدِمِ الصيامَ مع القيامِ تعبُّدًا ... فكلاهما عملان مقبولانِ
ولا تستوحش فلستَ وحدك، بل الله في عليائه معك بحفظه وعونه ومدده، ومن كان الله معه فلا ضيعةَ عليه، فالله أَنيسُه ونصيره وحافظه ومغنيه، قال سبحانه: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

السبت، 9 فبراير 2019

الحَسَدُ آكلُ الحسنات


الحَسَدُ آكلُ الحسنات
الحمد لله..
أما بعد، فطهّروا قلوبكم يا عباد الله بالتقوى، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، وإن المؤمن حريصٌ دومًا على تنقيةِ قلبِه وتصفيةِ صدره وغسْلِ روحِه من سيئات الأخلاق ودنيا النفوس. ولقد تأملت سيءَ الأخلاق فما رأيت أشأمَ من خَصلتي الكبر والحسد، ثم تدبرتُها في القرآن فوجدتُهما سبب إبلاسِ إبليسَ في الشرِّ، وارتكاسِهِ في الخذلان، ووقوعِه في اللعنة والرجم.
لقد حسد آدمَ وتكبّر عليه، فأخلِق بمن تشبّه به في سواد قلبه أن يَمتنعَ الخيرُ عن قلبه ومِن قلبه، فحُبُّ الخيرِ للناس مفتقرٌ لقلبٍ واسع طاهر، ونيّةٍ طيبة حسنة، وقبل ذلك لمحضِ توفيقٍ من الرحمن.
 والشيطانُ حريص على تلويث قلوبِ العباد بسواد خبثه وقتار شؤمه، ولم يجد من رواحله كالحسد والكبر. فعند أحمدَ بسند حسنٍ عن الزبير بن العوام رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "دَبَّ إليكم دَاءُ الأُممِ قَبلَكم: الحسدُ والبغضاءُ، وَهي الْحَالِقةُ أمَا إنَّي لا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكن تَحْلِقُ الدَّينَ، والَّذي نَفْسي بِيدِه لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا، أَلا أدُّلكم على مَا تَتَحَابُّونَ بِهِ؟ افْشُوا السلامَ بينَكم".
فالمؤمن الناصح لنفسه يحرسُها من آكِلِ الحسناتِ الحسد، ولا يسكنُ الحسدُ إلا قلبَ وضيعٍ، ولا يتمكنُ إلا من نفسِ خسيس، أما المؤمن فيردُّه إيمانه ويحجُزُه ورعه، وأما العاقل فيُثنِيهِ عقلُهُ، وأمّا الشريف فيستحي لشرفِهِ. وقيل لبعضهم: ما بالُ فلانٍ يُبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.
أخي المؤمن: إياك والحسد! فإنه آكل الحسنات، فيأكلها كما تأكل النار الحطب، وموبِقُ إبليسَ في أسحقِ الدركات، وهو أوَّلُ ذنبٍ عُصيَ اللهُ به، واعلم أنه لا يجتمع في قلبٍ حسدٌ مع حبِّ الخيرِ للناس، فلا بدَّ لأحدهما أن يُزيحَ مكانَهُ أو بعضَهُ للآخر. فاغسِلْ قلبك من حوبات الذنوب، وطهّر صدرك من نجاسات الأحقاد والشحناء ولوْثات الحسد والبغضاء. ومن توكل على ربه وفوض إليه أمره أوشك أن يصل لتوفيقه ورضوانه بإذنه تعالى ورحمته، فليس مع الرحمن يأسٌ.
واعلم أنّ كثيرًا من نعرات الشقاق بين الناس فسببُها الخفيُّ حسدٌ كامنٌ في الضمائر، مستترٌ عن الظواهر، ولكن تشمّه الأرواح، وتستوحشه النفوس، ويُظهره الخذلان، ويُختم بسوء العاقبة والحرمان.
 والحاسد معترض على قدر الله تعالى بحاله: قال الله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله). وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ألا لا تعادُوا نِعَمَ الله، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
أيا حاسدًا لي على نعمتي ... أتدري على من أساتَ الأدب
أسأت على الله في حُكْمِهِ ... لأنّك لم ترضَ لي ما وهب
والحاسد سقيم غَمِّهِ وقتيل هَمِّهِ، وذكروا عن الإمام الشافعي قوله: إن سمعتَ بسفينة تمشي على الرمل فصدّق، لكن إياك أن تصدّق أن حاسدًا يبيتُ قرير العين! وقال عمر رضي الله عنه: يكفيكَ من الحاسد أنه يغتمّ وقتَ سرورك. وقال الفقيه أبو الليثِ السَّمَرْقَندي رحمة الله تعالى علينا وعليه: تَصِلُ إلى الحاسد خمسُ عقوبات قبل أن يصل حسدُهُ إلى المحسود: غَمٌّ لا ينقطع، ومصيبةٌ لا يُؤجرُ عليها، ومذمّةٌ لا يُحمدُ عليها، وسَخَطُ الربِّ، ويُغلق عنه باب التوفيق. فالحاسد شقيٌّ مكلوم مهموم، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لم أرَ ظالمًا أشبه بالمظلوم من حاسد.
 وقال الأصمعي: رأيتُ أعرابيًّا قد بلغ عمرُه مئةً وعشرين سنة، فقلت له: ما أطولَ عُمُرَك، فقال: تركتُ الحسدَ فبقِيتُ. كما قيل: قاتلَ اللهُ الحسدَ ما أعدلَهَ، بدأَ بصاحبه فقتلَه، فالنارُ تأكلُ بعضَها إن لم تجد ما تأكلُه.
ولقد تأملت في الناس فرأيت أن الحسد يستتر خلف كثير مما يسمّونه أسباب كراهية، فَجُزْ ناديهم بطهارة قلبك وسلامة صدرك وحسن ظنك. وإن البرَّ يا صاحبي أسلافٌ.
والحسد والكبر خصلتا إبليس، ومطيّتاه لغزو قلوب العباد، ولو رُفع الحسدُ من الأرض؛ لأغلقت المحاكمُ أبوابَها. ومن الخطأ أن تطلب ألّا تُحسد فلكل نعمةٍ حاسد.
وقال ابن تيمية: "قد يبتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله لعلم نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقًا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم". وأرى العداوةَ لا أَرَى أسبابَها! لذلك فعند كلامك على الأقران - مهما كان حالهم وعلمهم ومقامهم - حاذر أن تلامس المقارنة بينهم، لأن هذا من شأنه أن يثير الحسد الكامن في قلوبهم. قال ابن تيمية: الحسد مرض غالب، لا يخلص منه إلا القليل من الناس!
ولقد صدق أبو الأسود الدؤلي إذ قال: "إذا أردت أن تعظم فمُت". فالميِّتُ تكبُرُ محاسنُه، وتُنسى معايبه، وتَدفِنُ الرحمةُ به الحسدَ عليه. وبالتغافل عن الحُساد يستريح الفؤاد.
فاحرص - رعاك الله – على سلامة صدرك وليكُنْ  قلبُك طاهرًا من كل ما يُشينُهُ، فلا تحمِلْ على الناس لأجل دنيا.
وسلامة الصدر هي الطريق لحسن النصح للمسلمين، فمن أراد بلوغ مرتبة أن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه فليبدأ بتفقّد سلامة صدره لهم. فالمؤمن قلبُه سليمٌ، وصدرُهُ سليمٌ، ونصحُه للناس صافٍ مُتدفِّقٌ، يُحب لهم ما يُحب لنفسه من خيري الآخرة والدنيا.
وصدره سالم من سواد الحسد، وقَتَرَةِ الحِقد، ودخانِ الضغينة، فهو سليمٌ كقلب الطيرِ البريء، طهَّر قلبَه من نتنِ معصية، وقُبح خطيئةٍ وضِرَامِ بغضاءٍ لمسلم، ومثلُ هذا موعودٌ برحمة ربه وجزيل هباته. (جزاؤهم عند ربهم جناتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه).
وهل تعلم سرَّ استنارةِ الوجوه وانفساحِ الصدور: إنه القلب السليم! فتفقّد – رحمك الله - طهارةَ قلبك، وسلامةَ صدرك، فإنها من نفيسِ رأس مالك في الدار الآخرة، فنِعَمّا طهارةُ القلبِ ذخيرةٌ بين يديك غدًا، وأكرِمْ بها قربانًا وزُلفى إلى مولاك أبدًا، أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم: (من أتى الله بقلب سليم).
فإن السعيد من ولد آدم هو من اتقى الله تعالى حق التقوى، وتحلى بسلامة الصدر وطهارة القلب، فالفائز عند الله غذًا هو من سَلِمَ صدره اليومَ. والمؤمنُ طاهرُ القلب كأبيه آدم عليه السلام، فإن خُدِعَ يومًا لطيبته فلهُ سلَفٌ صالحٌ بأبيه، الذي لم يكن يتصوّر أن هناك من سيقسم بالله كاذبًا (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين).
إنّ سلامةَ الصدرِ خلق شريف، يتحلّى به أهلُ المروءاتِ العظيمةِ، والنفوسِ الساميةِ والرغائبِ الكبرى في فلاح الدار الآخرة. وكان السلف رحمهم الله يحفظون لسالمِ الصدر هذه الخَصلةَ ويحمدونه عليها. قال اياسُ بنُ معاوية: كان أفضلُهُم عندَهم أسلَمُهُم صدورًا وأقلُّهُم غِيبة.
ومن كان قلبه سليمًا الحسدِ وصدرُهُ خاليًا من الحقدِ فقد تنعّم بشيء من نعيم الجنة، فمِنْ نفيسِ نعيمِهَا سلامةُ صدورِ سكانِها وراحتُهم، قال ربنا تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين).
وسلامة الصدر منحةٌ من الله تعالى ومحض فضل من لدنه، يختص به من أراد توفيقه من خواصِّ عباده. وسئل الإمام أحمد: ما التوفيق؟ فقال: ألّا يكلك الله إلى نفسك. فالقلبُ قُلَّبٌ مالم يعصمه مولاه، والصدر ضيّق ما لم يفسحه الله، والهم ملازم ما لم يرفعه الله. (إن في ذلك لآيات لأُولي النهى).
إنّ سالمَ الصدرِ على عباد الله يعيشُ بين الناسِ وجنتُهُ في صدره، وبستانُه في قلبه، وسعادته وسكينته في روحه، ينظرُ إليهم بعيني قلبِه السليمِ، وصدرِهِ الناصحِ الناصعِ الواسعِ، فلا يرى شيئًا من نَكَدِهِم عليه يستحقُّ ذلك المقابلَ، فينقلبُ إليهم سليمَ الصدرِ، حسَنَ الظنِّ، مُحبًّا لهم كل خيرٍ يُطيقه، مُسديًا لهم كل فائدة يسطِيعها، لعِلمِه أنه لم يُخلق لحملِ همومِ دنيا وغمومِ فانية.
إنه فقط يحمل هم آخرته، ويسعى لتحصيل رضى مولاه، فإن صادَفَهُ ظلمٌ له أو أذىً؛ لم يتكدّرْ تَكَدُّرَ الهلوعين، ولم تَضِقْ نفسُهُ بأمرٍ هو عند الناسِ عظيمٌ وعندَ الأتقياءِ تافه.
 فَمَا كُلُّ ما راجتْ عند الناس عظمَتُهُ عظيمًا، وما كلُّ ما تهالك الناس على تحصيله يستحق، ولا كلّ ما حَمَلَ الناسُ همَّ إزاحتِه واجتنابِه حقيقٌ بذلك، فالميزانُ هو ميزانُ الآخرة، وإنما المعوّلُ على رضى الرحمن. ومن كان معيارُهُ الآخرة؛ نَفَذَتْ بصيرتُه، واستقام عمله، ومن كان ميزانُهُ العاجلة؛ عمي قلبه وانتكس عمله. (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار).
والدنيا كَدرٌ وكَبَدٌ وعناء فلا تفرح بها ولا تحزن لها ولا تعطها فوق قدرها، ولن يُنالُ منها نعيمٌ إلا وفي طَرَفِهِ بؤسٌ، وما تحت الخضراءِ وفوقَ الغبراءِ بمستريحٍ (لقد خلقنا الإنسان في كبد).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الأحد، 3 فبراير 2019

الاستهزاء بالدين ردّةٌ عنه، وغيبة المؤمنين نقصٌ فيه


الاستهزاء بالدين ردّةٌ عنه، وغيبة المؤمنين نقصٌ فيه
الحمد لله،،،، أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أصول الإسلام تعظيم رب العالمين وإجلاله وهيبته وخشيته، ومن لوازم ذلك تعظيم شعائره وذلك شرط التقوى، قال سبحانه: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وقال: ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه).
وما من عضو بعد القلب أشدّ خطرًا من هذا اللسان، وما من جارحة أحقُّ بطول حبس منه، وإنه لعجيبة من عجائب خلق الله تعالى، ونعمة جليلة من أكبر آلائه، فبِهِ يكون البيان الذي نبّه ربُّ العزة لجلال شأنه بقوله: (علمه البيان).
فبه لسانًا وبَنانًا يُعرب عن مكنون ضميره ورغائب نفسه، وبه يطلب حاجته، وبه يعبد ربه ويدعوه ويلهج بذكره وشكره. فهو من أعظم وسائل رضى الله عن عبده لمن أحسن استعماله في طاعته.
وبالمقابل فهو هاوية لا قرار لها إلا في دركات الجحيم لمن أطلق عنانه بالكفر والشرك ومساقط غضب الجبار جل جلاله، وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم". وتأمّل: "لا يلقي لها بالًا"! إنه اللسانُ، ذلك البَنَّاءُ العجيبُ للحسنات، والهادمُ لها!
 من هنا يتبيّن للمؤمن خطر هذه الجارحة التي تسمّى اللسان، وفي زماننا – زمان الكتابة – أصبح القلم أحد اللسانين، فاحفظ لسانَيك لعلّك تنجو. ولا يكن لسانُك: كحسامِ السيف ما مسَّ قطع!
وإن كان بغيُ السِّنان مُعطِبٌ فإن مبدأه اللسانُ، وكم في المقابر من قتيلِ لسانه، ومَن سلّ سيف بغيِ لسانه قُتل به، وعقلُ المرءِ مدفون بلسانه، فاللسان غطاء العقل، فمتى نطق انكشف الغطاء، ولكل عملِ جارحةٍ غدًا من الله طالبٌ وسائلٌ، فهل أعددت جوابًا صوابًا؟!
ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أَوْلَى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أَوْلَى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه.
ومما يحزن قلب المؤمن ما يراه من تساهل بعض الناس في شأن الاستهزاء بالدين وشعائره، مع أن ذلك من موجبات الردة عن الإسلام عياذًا بالله تعالى، قال في شأن المستهزئين بالدين: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم). وتدبّر كيف أثبت لهم إيمان ثم كفروا بكلمة! قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: "إنما كنا نخوض ونلعب" ما يلتفت إليه رسول الله، ويقرأ: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون..) الآية. قال الإمام المجدد: وفيه أن من الأعذار ما لا يُقبل من صاحبه.
وقال العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: من كان ديدنه قول: المطاوعة كذا وكذا. فهذا يخشى عليه أن يكون مرتدا، فلا ينقم عليهم إلا أنهم أهل طاعة.
وقال العثيمين رحمه الله: الذين يسخرون من الملتزمين بدين الله فيهم نوع نفاق، فالله قال عن المنافقين: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين).
وفي فتاوى اللجنة الدائمة: من قال لآخر: يا لحية. وقصده السخرية فهو كفر، وإن قصد التعريف فليس بكفر، لكن لا ينبغي أن يدعوه بذلك.
وقال ابن جبرين رحمه الله: وقع كثير من الشباب في ردة جماعية، وقد دخل عليهم الشيطان من بابين: ترك الصلاة، والاستهزاء بالدين.
فاحفظ لسانك إن رمت النجاة، واعلم أن من أعظم أسباب حفظ اللسان: دوامُ ذكر الله تعالى، فالذكر يملأ فراغ القلب بتعظيم العظيم، ويشغل اللسان بالأمر العظيم، حينها يرى صاحبُه نفاسة عمره فيحفظه. (ولذكر الله أكبر). والذكر هو اتصال البال بالله تعالى بأي وجه كان، بالقلب: تذكُّرًا وتفكُّرًا واعتبارًا، وباللسان: بالقرآن والأذكار وقول الخير، وبالأفعال الشرعية.
 وللذكر مراتبٌ وتفاضلٌ: في أنواعه وأفضلها القرآن، وأحواله وأشرفها السجود، وأزمنته وأطيبُها السَّحر، وأمكنته وأجلّها عَرَفَة، والدين كله ذكرٌ، وضدُ الذكرِ الغفلة.
 فعلى المؤمنين بعامّة وطلبة العلم خاصّة الاعتناء بحراسة اللسان من فخّ إبليس في المجالس: الغِيبة. فهي من كبائر الذنوب، مع ذلك فحال كثير من الصالحين معها كالمستحلّين لها بالحال لا بالاعتقاد، خذلانًا وخيبة!
 فالنفس تستروح لتنقّصِ الناس لتستريح من لومها على تقصيرها، وهذا الإسقاط الخفي إن لم يتداركه الناصح لنفسه في نفسه فإنه يستفحل به حتى يأكل حسناته بكيل مظالم العباد. وقد قيل: القلوب كالقدور في الصدور، تغلي بما فيها، ومغارفُها ألسنتُها، فانتظر الرجلَ حتى يتكلم، فإنّ لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج.
لقد توسّع بعضهم في التساهل في الغيبة بما لم تُبحه الشريعة، فالأصل الثابت هو حرمة العرض المسلم، فلا يباح خرق هذا الأصل إلا على برهان من الشريعة، وليس كلّ من زعم أنه يحذّر من بدعةٍ محقّ في تحذيره ولا مستنٌّ في أسلوبه وطريقته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ". متفق عليه.
  وكذلك حمّالةُ حطب السيئات: النميمة. وبعضهم ينمّ ولا يشعر ظانًّا أن النميمة لا تكون مذمومة إلا إن كانت بقصد سيء، وما علم أن النميمة هي نقلُ الكلام على وجه الإفساد بأي وجه كان، فكم من ناقل كلمة على وجه المرح والتفكّه أفسد مودة القلوب وأحيى ميت العداوات، كيف إن صحبها مكر ودناءة وسوء طوية. ومن حمل إليك حطب نميمته في الناس، فاعلم أنه سيسلخك قريبًا في قدورهم.
 ومن جعل قلبه وعاءً لاستقبال النمائم، وساعدها بأجنحة سوء ظنونه بالناس؛ فليبشر بخراب مدينة سروره، واضمحلال هناءة عيشه، فالعَضْهُ نفّاخةُ فتن.
 ففتّش صحيفتك ونقّها اليوم قبل نشرها غدًا، ونقّ سريرتك الليلة قبل ابتلاء السرائر غدًا، وتذكّر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة نمّام". ولما مرّ بقبرين قال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير! بلى إنه كبير: أما أحدهما، فكان يمشي بالنميمة.." متفق عليهما.
ومن بوائقِ الألسن: التنابزُ بالألقاب بغيًا وعدوانًا، ويكأن زماننا هو زمان هذا النوع من البغي، والله المستعان. ولما قال رجل لصاحبه: إني لأرحمُك مما يقول الناس فيك؟ قال: أفتسمعُني أقولُ فيهم شيئًا؟ قال: لا، قال: إياهم فارْحَم.
فاعتقل قلمَك ولسانك في محبس حكمتك وعقلك وورعك، ولا تُطلِقْهما إلا بخير، وفكّر واعتبر بمآل خطواتك قبل الإقدام، وصوّب قراراتك قبل انطلاق السهام.
وإن أردت الإحساس بحلاوةِ الإيمان وتذوُّقِ لذة العبادة والانتعاش ببرد اليقين واستشعار نور الصدر ودفئه وانفساحه فانشغل بما يفيدك في المعاد، وبما هو من مهمّاتك الأوّلية وما خلقتَ من أجل تحقيقه.
وتدبر حال أهل الجنة: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) لمّا طهّرُوها في الدنيا بيّضها لهم يوم لقياه ورؤيته، وأذلّوها له بالسجود في الدنيا فأعزّهم في دار كرامته. فابحث – وفقك الله - عن نعيمك المرتقب وسعادتك اللذيذة في سجدة خاشعة طويلة تغسل فيها همومك وتبخّر من صدرك غمومك: (اسجد واقترب).
ومتى تعلق المؤمن بكلّيته بربه، وفوّض إليه كل أمره، وقطع عن قلبه كل حبال الرجاء بالخلق ويأس منهم ووثق بربه؛ فهو حريّ حينها بكرامة الله له ولطفه به، فسلّم أمرك للسلام.
 فإذا تبصّرت مواقع رُشدك وعواقب غيّك، وانتبهت لعيوبك وأبصرتَها، وحرستَ قلبَك وطهّرته، وحصّنت عقلك ونفسك بالعلم والحكمة ومعرفة دخائل النفس وحظوظها العاجلة الخفيّة؛ فستذوق حينها بلسان قلبك حلاوة ثمار الإيمان، وستبتهج بحياتك في رياض القرآن، وستذوق نعيمًا في الدنيا وهو في حقيقته رقيقةٌ من نعيم الجنان، والله الموفق وهو المستعان وعليه المعوّل والتكلان.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
أخي في الله: اتق الله تعالى حق التقوى، واعلم أن الله تعالى لمّا بثّ الخلائق اختار لك هذا الزمان وهذا المكان ليكونا محل الابتلاء الإلهي لك، فكن خير ذاكر صابر حامد شاكر تائب مستغفر. واعلم أن للمؤمن بحرٌ لا تكدره مصائب الزمان، إنه بحر الرضى بالله تعالى، فاغمِسْ كلَّ همّ لك في بحر الرضى بالله، حينها تنطفئ نيران المصيبة ببرد السلام. واعلم لأنّ قدرَك إن لم تذهب إليه؛ جاء إليك. فكن لله، وبالله، ومع الله، وإلى الله؛ فهو الغاية وما سواه هباء، قال سبحانه: (وأن إلى ربك المنتهى) (وأن إلى ربك الرجعى) فمهما سلكت من دروب الحياة خيرًا أو شرًّا، سرورًا أو حزنًا، صحة أو سقمًا، فإليه وحدهُ المنتهى.
واحمد الله تعالى واشكره كثيرًا على أن فضّلك على غيرك تفضيلًا بالعلم به والفرح به والأنس به في وقتٍ ترى فيه من يفرّ من الله حال شدته وكربته، فلا يفزع للصلاة والدعاء، بل لسفر أو لهو أو مسكر (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
ولا تقل ليس معي أحد إذا كان معك الأحد الفرد الصمد، ومن لذائذ النفوس الاكتفاء برب البرايا والنفوس. وأنفع طعام للقلب هو الاكتفاء بالله تعالى.
وإذا استشعر القلب كِبَر ربه صغر على إثر ذلك كل شيء. وإذا انصدع صدرُ المؤمن خوفًا من ذنوبه وأظْلِم بالُهُ فَرَقًا من سوء منقلبه؛ تذكّر سعة رحمة أرحم الراحمين فراقت حياته وتنهنهت أنفاسه وانبلجت أسارير سعادته، قال ابن مسعود رضى الله عنه: ليغفرنّ الله يوم القيامة مغفرةً لم تخطُر على قلب بشر.
وتدبّر قول الخليل عليه السلام لأبيه صانِعِ الأصنام: (يا أبت إني أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن) ففيه سعةُ رحمة الله تعالى، فمن عُذّب غدًا من (الرحمن) الذي هو أرحم الراحمين وأرحم للمرء من نفسه ومن والدته؛ فهو غير حقيق بأيّةِ رحمة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: لتدخلُنّ الجنة إلا من أبى وشرد على الله شراد البعير.
وصلوا وسلموا على رسول الله..