Follow by Email

الاثنين، 28 يوليو، 2014

رائع هو.. إحسان الظن

رائع هو.. إحسان الظن


 الحمد لله وبعد: فمن شيم المؤمنين إحسانُ الظنون بعباد الله, فلا يتبعون سوءَ الظنّ إلا عند غلبة الشبهة, مع ذلك فلا يحقِّقُون سوءَ ظنّهم, بل يحملون لإخوانهم أعظمَ المعاذير, وأجمل المحامل, فيقول الصالح لنفسه وقد بلغه عن أخيه سوءٌ: لعلّ الخبرَ لا يثبت, لعلّها نميمةٌ وبهتان, لعلّ أخي المسلم الذي قيلت فيه القالةُ لم يقصد, لعلّه كان ناسيًا, لعلّه كان غافلًا, لعلّه لعلّه.. فيستطيلُ في تلمّس أعذارِ أخيه, فيروح وقد أراحَ فؤاده من حرارة الأحقاد, ووساوس المعاداةِ, فيكسب بذلك أربح التجارات, إذ قد ربح أجره, وربح راحة نفسه, وربح محبّة الناس له, وربح النُّجحَ في أموره لحسن نيّته, فالله شكور حميد, وربح حُسن العاقبة في الدنيا, فكم ممن قصد الإضرار بعبدٍ ثم تاب وأناب وشكر ذلك المضرور على إحسانِ ظنٍّ نفعه ولم يضرّه.
    والطباع سراقةٌ, والجبلّات نزّاعة, وإنّما الحلم بالتحلّم, ومن فروع الحلم حسنُ الظنِّ, ويتأتّى بالدُربة والممارسة وتعلّمِ أسبابِ ذلك, وتلمّحِ موارده, والبحثِ عن متمماته, وفحصِ غوائلِ النفسِ, وتنظيفِ دغائلِها على من لا يستحقون سوى الإحسان.
قال الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” قال بعض السلف: من جعل لنفسه من حُسْن الظَّن بإخوانه نصيبًا، أراح قلبه. وقال رجل لمطيعِ بنِ إياس: جئتُك خاطبًا لموَدَّتك. قال: قد زوجتُكَهَا على شرط أن تجعل صدَاقَهَا أن لا تسمع فيّ مقالة النَّاس.

ومرض الشافعي رحمه الله، فأتاه بعضُ إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوَّى الله ضعفك. فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني. قال: والله ما أردت إلَّا الخير. فقال الشافعي: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير. ألا رحمة الله على المُطّلبي, ما أحكمه وأرحمه وأحسن ظنه!
 ومن رام النجاة فليأخذ بأسبابها, وليتعلّق بِعُراها, وما ثمَّ إلا توفيقُ الله تعالى وهُداه, وقد جعل الله لذلك أسبابًا فمنها:
 أن يلتمسَ الأعذارَ للمؤمنين، قال ابن سيرين رحمه الله: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه. وفي التماس الأعذار راحة للنَّفس من عناء الظَّن السَّيئ، الذي يشغلها ويقلقها، وفيه أيضًا إبقاءٌ على الموَدَّة، وحفاظ عليها من الزوال والانتهاء. وكان بعض الصالحين يردّد:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحبًا   ...   لعلّ له عذرٌ وأنتَ تلومُ
ومنها: إجراءُ الأحكام على الظاهر، وإيكالُ أمر الضَّمائر إلى الله العليم الخبير، واجتناب الحكم على النِّيَّات، فإنَّ الله لم يكلِّفنا أنَّ نفتِّش في ضمائر النَّاس. لذا فالاكتفاء بظاهر الشَّخص، والحكم عليه من خلاله، من أعظم بواعث حُسْن الظَّن، وأقوى مثبتاته.
إذا ساء فِعلُ المرء ساءتْ ظنونهُ   ...   وصدّق ما يعتاده من تَوَهّمِ
قال أبو حامدٍ رحمه الله: إنَّ الخطأَ في حُسْن الظَّن بالمسلم، أسلمُ من الصَّواب بالطَّعن فيهم، فلو سكتَ إنسانٌ مثلًا عن لعن إبليس، أو لعن أبي جهل، أو أبي لهب، أو من شاء من الأشرار طول عمره، لم يضرَّه السُّكوت، ولو هفا هفوة بالطَّعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرّض للهلاك، بل أكثرُ ما يُعْلمُ في النَّاس لا يحلُّ النُّطق به؛ لتعظيم الشَّرع الزَّجرَ عن الغيبة، مع أنَّه إخبار عما هو متحقِّق في المغتاب.
هذا وقد أجاز العلماء بعض صور سوء الظن, كمن بينه وبين آخر عداوةٌ, ويخاف على نفسه من مَكْرِه، فحينئذ عليه أن يحذَرَ مكائدَهُ ومَكْرَه؛ كي لا يصادفه على غرَّة فيُهلِكَه. ومن ذلك من أظهرَ المعصية وتخلف عن الطاعة بلا عذر, كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنَّا إذا فقدنا الرَّجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أسأنا به الظَّنَّ. رواه البيهقي بسند صحيح.
قلت: وشتّان بين ظنِّهم وظنِّ أحدِ الناس الذي فقد جارَهُ عن شهودِ الجماعة بضعةَ أشهر, فأخذ في الكلام في عرضه, والحطِّ من قدره, وأن فيه من سيما المنافقين, وكذا وكذا.. ولم يكلّفْ نفسه السؤالَ عنه, ولا احتمالَ حسنِ الظن به. وفي أحد المجالس بعدما أرغى وأزبد وانتفخ بالباطل, ردّ عليه أحد جيرانه: إن فلانًا الذي ما زلتَ تتكلمُ فيه قد كان مصابًا بمرض خطير ألزمه البيت ستّة أشهر, ثم توفاه الله بعدها, فأُسقطَ في يدِ صاحبنا! ولكن بعد خراب البصرة!
إن حسن الظن هو القاعدة, وسوؤه مع مبرّره الملحُّ هو الاستثناء, فإن انقلب الاستثناءُ قاعدةً هَلَك الناس! قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمةً يظنُّ بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا.
 وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من علم من أخيه مروءةً جميلةً فلا يسمعنَّ فيه مقالاتِ الرِّجال، ومن حَسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى.
فعلى المؤمنِ الناصحِ لنفسه أن لا يبحث لها عن المعاذير والمخارج, وأن لا يُرْكِبَهَا قلائصَ التأويلِ التي لا تُغني عنه من الحق شيئًا, في إساءة الظن بما لم يؤذن له فيهم من المؤمنين, بل عليه أن يسيءَ الظن بنفسه, ويحسن الظن بالعباد, وقد حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فقال: "إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا" رواه أحمد, قال النَّووي: المراد: النَّهيُ عن ظنِّ السَّوء، وقال الخطَّابي: هو تحقيقُ الظَّن وتصديقُه دون ما يهجسُ في النَّفس، فإنَّ ذلك لا يُمْلَك. ومراد الخطَّابي: أنَّ المحَرَّمَ من الظَّن ما يستمرُّ صاحبُه عليه، ويستقرُّ في قلبه، دونَ ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإنَّ هذا لا يكلَّفُ به.
ومن جميل أقوالهم: السِّتر لما عاينت، أحسن من إذاعة ما ظننت. وقال أحد الزُّهاد الحكماء: أَلقِ حُسْنَ الظَّن على الخَلْق، وسوءَ الظَّن على نفسك، لتكون من الأوَّل في سلامة، ومن الآخر على الزيادة.
أيها المؤمنون: تكلّم أحدهم على الحسن ثم ندم واعتذر؛ فعفى عنه وأوصاه بقوله: لا تخرجنّ من بيتك وفي نفسك أنك أفضلُ من مؤمن تلقاه قط.
إبراهيم الدميجي

(لَعلّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)

(لَعلّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)
الحمد لله ............وبعد:
 فالأنعام سورة عظيمة من القرآن العظيم, وجُلُّها في ترسيخ المعتقد الحنيف وبيان صفات الجليل الجميل سبحانه, وقد اشتملت من القوارع والزواجر ما فيه كفاية للمؤمنين, روى الطبراني رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة واحدة, حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح" حسّنه ابن حجر. ومن قرأ صدرها بتدبر لم يملك قلبه إلا أن يخفق رَهَبًا وإجلالًا ومحبة ورجاءً لله رب العالمين.
وقد بين الله في هذه السورة الجامعة سنة كونية جعلها ناموسًا للبشرية بعامّة, وهي تكشف البُعد القِيَمي لفضيلة الشكر مع توضيح عاقبة ضده من المحق والسحق بعد الإمهال والاستدراج,  وأن الرزايا الدنيوية هي في حقيقتِها تنبيهات للمؤمن كي يقشع عن قلبه غبار المعصية وقَتَرَ الخطيئة ويرجع لطمأنينة الطاعة وسكينة الإيمان, قال تبارك وتعالى:  (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) كم نحن بحاجة ملحة لمثل هذه الجرعات الإيمانية التي تحقن في قلب المؤمن حب التوبة وعدم الركون للزائلة والاعتبار بمن غبر والاعتصام بالله تعالى والضراعة إليه والانكسار بين يديه. فما أقرب العبد من رحمة ربه إذا ألقى لربه مقاليد أموره وتبرأ من الحول والطول إلا به وابتهل إليه ابتهال المضطر الملهوف, واعترف بذنبه وخضع وخشع.
البأساء هي الفقر وضيق العيش, أما الضراء فهي الأسقام والآلام, والتضرع هو الدعاء الملحّ مع الافتقار والانكسار, وتلك المحن عتاب لطيف لتثوب الأمم لربها عن معصيته, فابتلاهم بالشدة ليضرعوا إليه فلما لم يفعلوا ابتلاهم بالنعم, وهذا من المكر بهم, وهذا الاعتبار للفرد وللجماعة, ثم قال الله تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) وهنا إغراء وتوبيخ, أي فهلّا إذ ابتليناهم وامتحنّاهم بذلك عادوا إلينا بالتوبة والندم والاعتراف؟! ولكن الحاصل أنّهم أصروا على تنكّب محجّة التوابين وبدلًا من توبتهم ازدادوا جرمًا وكفرًا فعوقبوا بالرّان والقسوة على قلوبهم, وأبعد القلوب عن الله هو القلب القاسي, ومن لم تلينه مواعظ القرآن وتغير الأحوال فلينتظر المليّن الأعظم بنار تلظّى, عياذًا بوجه الله تعالى.
وإن من أشد العقوبات على الذنب أن يُبتلى المذنب بذنب آخر فتجتمع عليه حتى تقسّي قلبه وتوبق مثواه! ويزيّن الشيطان عملَه السيّء حتى إذا وافاه غدًا وحقّت الحقائق وذابت الشهوات وانقشعت غيوم الغفلات تبرأ منه!
ثم قال الله تعالى: (فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) أي فلمّا تركوا الحق خلفهم وأعرضوا ابتلوا بفتح الدنيا ولذتها الزائفة ولحظتها الزائلة, فأصاب سكرُ الغفلة قلوبهم في مقتل, وفرحوا بسحابة صيف مارّة, وتباشروا بلعنةٍ في لباس نعمة! فأتاهم العذاب بغتة فاصطلم نعيمهم وسحق دنياهم, وألحقهم بنار الأبد فما أشقاهم! والمُبْلِسُ هو الآيس من كل خير, وأشد العذاب ما كان بغتة. فعلى الناصح لنفسه أن يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بربه. قال قتادة رحمه الله: بغتَ القومَ أمرُ اللهِ, وما أخذ الله قطُّ قومًا إلا عند سلوتهم ونعمتهم وغِرَّتهم, فلا تغترّوا بالله. وقال الحسن رحمه الله: من وُسِّع عليه فلم ير أنّه يُمكر به فلا رأي له. وقال إسماعيل بن أبي رافع رحمه الله: من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة.
وقد ثنّى الله هذه الموعظة في سورتي الأعراف والمؤمنون قرعًا لقلب كل ناصحٍ لنفسه مريدٍ سعادتها لأبدِ الأبد, ففي سورة المؤمنون قال سبحانه: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) وفي الأعراف: (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرّعون) فلم يضرعوا لربهم فأمهلهم وأملى لهم, ثم استدرجهم بإدرار الأرزاق عليهم ورفع بلاء الدنيا عنهم فقال: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا) أي كثر عديدهم وزاد نفرهم وانبسط نعيمهم فطغوا ولم يخضعوا وكفروا ولم يشكروا (وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء) أي هذا فعل الأيام وما نحن إلا كغيرنا ممن سبق, فكانت سنة الله أمامهم ومن فوقهم فغدوا كأمس الدابر فجأة: (فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون)
ثم قال سبحانه بعد تحذير الناس من عذابه بياتًا أو ضحى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) أشهد أنهم خاسرون كل الخسار, عياذًا بالله من مكرِه, وفي المسند بسند حسّنه الأرنؤوط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبارك قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج) وقال الحسن: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجلٌ, والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن. اللهم عفوك وغفرانك ورحمتك.
وبعد: فهلّا نظر كل منا لنفسه ونقدها نقد بصير, واستعان بالله في هدايتها لتكون مطمئنة للحق علمًا وعملًا, ساعية لبحبوحة الجنة وفردوسها الأعلى, فالجنة تريد عملًا لا كسلًا وجِدًّا لا لعبًا, وهي يسيرة على من يسرها الله له, وليس بين ولي الله وبينها إلّا أن تخرج الروح من الجسد, مالم تحبس في كبيرة أو دَيْنٍ. وكل نعيم دونها غرور, وكل ساعة في رياضها سرور, (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
وخيرًا نفعل لأنفسنا إن أصغينا إلى مواعظ القرآن, فالحياة تنحسر عنا شيئًا فشيئًا حتى يحين رحيلنا الأخير, اللهم اجعله لجنات النعيم. 
أخي المؤمن: هل رأيت وجه الموت بحادث أو مرض ونحوه ثم توارى عنك؟ اعلم أنها رسالة من الدار الآخرة وبرقية من البرزخ فاجعلها منك على ذُكرٍ وللحميد شاكرًا حامدًا محبًّا.
إبراهيم الدميجي
20 رمضان 1435

يا معاذ.. ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله

يا معاذ.. ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله

الحمد لله....................... وبعد:
 فتوحيد رب العالمين, وإله السماوات ولأرضين, هو تحقيق للشهادتين, وهو أعظم التكاليف بإطلاق, كما قيل: أمرٌ هذا شأنه؛ حقيق أن تُثنى عليه الخناصر, ويُعضّ عليه بالنواجذ, ويقبض فيه على الجمر, ولا يؤخذ بأطراف الأنامل, ولا يؤخذ على فضلة, بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يُطلب على الفضلة. ومن لطف الله ورحمته أن جعل حروف لا إله إلا الله كلها لسانية ليس منها حرف شفهي, كي يسهل نطقها على المحتضر, «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه أبو داود وعند الشيخين مرفوعاً: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
والتوحيد هو حقيقة الإسلام الذي جاء به نبينا صلوات الله وسلامه عليه, قال الإمام المجدد في الأصول الثلاثة: «...وهذا دينه, لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلّا حذرها منه، والخير الذي دلها عليه؛ التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه. والشر الذي حذرها منه؛ الشرك وجميع ما يكره الله ويأباه».
وكلمة التوحيد قامت بها السماوات والأرض, وخُلق من أجلها الخلق, ونصبت من أجلها الموازين, وقام لأجلها سوق الجنة والنار, وأسست بها الملة, وجردت لأجلها سيوف الملة.
قال الشيخ حمد بن عتيق في إبطال التنديد: «توحيد الألوهية أول واجب على المكلف, وقد أفصح القرآن فيه كل الإفصاح, وأبدى فيه وأعاد, وضرب لذلك الأمثال, وفيه وقعت الخصومة بين الرسل وأتباعهم» وبوّب الإمام المجدد في كتاب التوحيد (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب) وفي حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم على ذلك الباب: «تحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد, وتحقيقه من وجهين؛ واجب ومندوب؛ فالواجب تخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي, فالشرك ينافيه بالكلية, والبدع تنافي كماله الواجب, والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه. والمندوب هو تحقيق المقربين الذين تركوا مالا بأس فيه حذراً مما فيه بأس, وحقيقته انجذاب الروح إلى الله فلا يكون في قلبه شيء لغيره».
وتأمل كيف كان التهليل – وهو شعار التوحيد - من أعظم مكفرات الذنوب, قال شيخ الإسلام: «التهليل يمحو أصول الشرك, والاستغفار يمحو فروعه».
والدعوة إلى التوحيد هي مهمة المرسلين وأتباعهم, ومن أجلها حصل الافتراق العظيم بين الرسل وأقوامهم المكذبين. قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» رواه مسلم. وقال لعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» متفق على صحته.
وشريعة الإسلام شديدة في التوحيد, سمحة في الأحكام, كما جمعهما حديث: «بعثت بالحنيفية السمحة» رواه أحمد. (حنيفية) أي: في العقيدة ففيها التشديد, فقد قال للذي قال: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله نداً» رواه أحمد والنسائي. (السمحة) أي في التشريع «صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً...» رواه البخاري.
وفي الدعوة إلى التوحيد قال الحسن البصري بعدما قرأ هذه الآية: «هذا حبيب الله, هذا ولي الله, هذا صفوة الله, هذا خيرة الله, هذا أحب أهل الأرض إلى الله, أجاب الله في دعوته, ودعا الناس إلى ما أجاب فيه من دعوته, وعمل صالحاً في إجابته». رواه عبد الرزاق عن معمر.
ولمّا اتهم بعض الناس إمام الدعوة بأنه طالب دنيا أجابهم بكتاب وضح فيه التوحيد وضده, ثم قال: ولو كنتم تعلمون حقيقة ما دعوتكم إليه لكنت أغلى عندكم من آبائكم وأمهاتكم وأبنائكم, ولكنكم قوم لا تعقلون!
وشرطا الدعوة؛ الإخلاص والمتابعة. وصفات الداعي؛ الفقه؛ ليعلّم على بصيرة, والرفق؛ وهو أقرب الطرق لنيل المقصود, والحلم؛ للصبر على الأذى في طريق الأنبياء وأتباع الأنبياء. وشرط التمكين للأمة إنما هو التوحيد ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئًا)
وضده الشرك, وهو أظلم الظلم, وأقبح الذنوب ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾
واعلم أن تهوين شأن الشرك الأكبر في غاية الخطورة, فلو أن رجلاً يقوم الليل, ويصوم النهار, ويحج كل عام, ويعتمر كل شهر, ويتصدق بكل ماله, ويجتهد في أعمال البر, ثم وقع في شرك أكبر؛ كدعاء الموتى, والاستغاثة بهم, ونحو ذلك, وقد قامت عليه الحجة الرسالية, فعمله حابط, وجهده خائب, وسعيه مردود, عياذاً بالله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا﴾ فالشرك الأكبر إذا طرأ على الإيمان فإنّه ينقضه بتمامه, كما الحدث في الطهارة يبطلها.
 وليس العمل بنافع مالم يسلم من نواقضه, وأعظمها الردة عن دين الله, لذلك لمّا احتج بعضهم على شيخ الإسلام إبّان دخول التتر الشام بأن التتر مسلمون ويشهدون شهادة التوحيد! رد عليهم الشيخ بأنهم نقضوا ذلك, وقال: إن رأيتموني في ذلك الجانب ــ أي صف التتار ــ وعلى رأسي مصحف منشور فاقتلوني.
 فمسألة البراءة من المشركين عظيمة الخطر, جليلة القدر, عزيزة المطلب, وأعظم الناصحين للأمة هم من يغرسون أصول التوحيد وتوابعه فيها, ويهدمون الشرك وفروعه, ويحاربونه بالحجة والبيان والسيف والسنان, فإذا استقام توحيد الأمة انتظمت لها بقية الأمور, وساغ الخلاف والاجتهاد فيما دونه مما يعذر فيه المقلدون. لذلك لما أشار بعض تلاميذ شيخ الإسلام عليه أن يصنّف في الفقه ــ أي العمليّات ــ فيما نقله البزار, أجاب بأن أحكام الفقه أمرها قريب, وإذا قلد المرء أحد الأئمة فيه فلا حرج عليه, ولكني رأيت أصول الدين قد تنازعها الناس.
فعلى الناصح الحازم أن يعتصم بالعروة الوثقى والحبل المتين, وأن يوقن أنه لا يستقل عن توفيق ربه طرفة عين, فلو وكله الله إلى نفسه ضاع وهلك, والتوحيد أشد الأشياء نزاهة وحساسية, فأقل شوب يجرحه ويشوه صفاءه, وهو ضياء ونور في القلب, يشع على النفس طمأنينة وعلى المستقبل أمنًا وفلاحًا.
أخي المؤمن: قال واعظ الإسلام عبد الرحمن بن الجوزي: «وحّد زيد بن عمرو وما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكفر ابن أُبيّ وقد صلّى القبلتين! فيا من هو من عسكر الرسول! أيحسن منك كل يوم هزيمة؟!
 ومن أراد من العمّال أن ينظر قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه, فيا أقدام الصبر احملي فقد بقي القليل, ويا أيها الراكب قد علمت أين المنزل فاحد لها تسر».
إبراهيم الدميجي

الخميس، 10 أبريل، 2014

إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّهَلاً بِعُمَر

إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّهَلاً بِعُمَر
11/6 /1435

    الحمد لله الولي الحميد, جعلنا من خير أمة أخرجت للناس, خير الخلق نبيها, وخير الأصحاب أصحابه, لا كان ولا يكون مثلهم, صفوة الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي أفضل الأمم وأكرمها على الله عز وجل, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله, صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد:
     فاتقوا الله معاشر المؤمنين وجددوا إيمانكم فإنه يخلق كما تخلق الثياب, وطالعوا سير أسلافكم من الصالحين لعل القلوب أن تهتز لذكراهم فتسير على منهاجهم. فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل، ومن أفضل خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد فعل.
فمن يجاري أبا حفص وسيرته  **  أو من يحاول للفاروق تشبيهاً
   وإذا جرد ابن تيمية قلمه للكتابة عن عمر؛ علمنا أن نوعاً راقياً من الكتابة يُشيّد. ونظماً بديعاً من المعاني ينثر, فإذا انضم لذلك غضبة سُنّيّة حنيفية دفاعاً عن أمير المؤمنين, الذي فرق الله به بين الحق والباطل؛ أيقنّا بجزالة الكلم، وفخامة المعاني، ونصاعة البراهين، وقوّة الأسلوب, فلله أبوه! ورحم الله امرأة درّت عليه وحَنَت!
حي المنازل إذ لا تبتغي بدلاً  **  بالدار داراً ولا الجيران جيراناً
    فرضي الله عن الفاروق, ورحم ابن تيمية. وجزاهما عن الإسلام خير ما جزى المصلحين والمجاهدين. ومن ذلك أن أحد رؤوس الرافضة، ويقال له ابن المطهّر الحلّي, ألّف كتاباً في ذم السنة وأهلها، وملأه بالدجل الفاحش، والكذب الممجوج, وسوء الأدب مع أفضل قرون الأمة، وموّه ببعض الأغاليط، حتى راج على أشباه الأنعام، من الرافضة الذين دندنوا ببعض قرمطته وسفسطته عند أهل الحق, فرغبوا للجبل الأشم، والبحر الخضم؛ شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن يهتك شبه الدجال الرافضي، فانبرى رحمه الله وأعلى نزله وجمعنا به ووالدينا ووالديه في عليين، فسطّر كتابه الباهر (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية) فنقض شبه الرافضي شرعاً وعقلاً، فأعلى الله به السنة، وقمع به البدعة، وأطار به وساوس الرافضة، كما اطار عمر وساوس المفتونين إبّان حياته. بالعلم والحجة والبرهان, وبالسيف والدِّرَّةِ والسنان, تلك المكارم لا قعبان من لبن..كأنما عناهما أبو تمام إذ قال:
فما هو إلا الوحي أو حد مرهف  **    تميــل ظباه أخدعي كل ماثل
فهذا دواء الداء من كل عــالم    **  وهذا دواء الداء من كل جاهل
وسنذكر شيئا مما رقمه رحمه الله: قال: ومناقب عمر باب طويل, قد صنف الناس فيه مجلدات.
فمن إجابة الله لدعوته؛ أنه دعا على أناس لما عارضوه في قسمة الأرض, فقال: اللهم اكفني فلاناً وذويه، فما حال الحول وفيهم عين تطرف.
وأما خوف عمر من الله تعالى, ففي صحيح البخاري, عن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر, جعل يألم, فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذلك, لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته, ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته, ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم, ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. فقال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه و سلم ورضاه؛ فإنما ذاك من الله منّ به عليّ. وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه؛ فإنما ذاك من الله منّ به عليّ. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً؛ لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه.
     وفي صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون في حديث قتل عمر، قال: يا ابن عباس: انظر من قتلني. فجال ساعة ثم جاء، فقال: غلام المغيرة. قال: الصنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يدعي الإسلام_فقتيل الكافر أعظم درجة من قتيل المسلمين_ قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، فقال: إن شئت فعلت _أي: إن شئت قتلنا_ قال: كذبت_أي: أخطأت_ بعد ما تعلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم. فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ, فقائل يقول: لا بأس, وقائل يقول: أخاف عليه, فأُتى بنبيذ فشربه, فخرج من جوفه, ثم أتى بلبن فشربه فخرج من جرحه, فعلموا أنه ميت, فدخلنا عليه, وجاء الناس يثنون عليه, وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك, من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقدم في الإسلام ما قد علمت, ووليت فعدلت, ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفافاً لا علي ولا لي. فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض. فقال: ردوا على الغلام. قال: يا ابن أخي! ارفع إزارك, فإنه أنقى لثوبك, وأتقى لربك. يا عبد الله بن عمر! انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه, قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّ من أموالهم, وإلا فسل في بني عدي بن كعب, فإن لم تف أموالهم وإلا فسل في قريش, ولا تعدهم إلى غيرهم, فاد عني هذا المال, انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام, ولا تقل: أمير المؤمنين, فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً, وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه.
    فسلّمَ واستأذن, ثم دخل عليها, فوجدها قاعدة تبكي, فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام, ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي. فلما أقبل, قيل: هذا عبد الله ابن عمر وقد جاء, فقال: ارفعوني, فأسنده رجل إليه, فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين, أذنت. قال الحمد لله, ما كان شيء أهم من ذلك, فإذا أنا قضيت؛ فاحملوني, ثم سلّم, وقل: يستأذن عمر بن الخطاب, فإن أذنت لي؛ فأدخلوني, وإن ردتني؛ ردوني إلى مقابر المسلمين... وذكر تمام الحديث.
     ففي نفس الحديث؛ أنه يعلّم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مات وهو عنه راض, ورعيته عنه راضون, مقرون بعدله فيهم. ولما مات كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل مصيبته لعظمها عندهم. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم, وتصلون عليهم ويصلون عليكم, وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم, وتلعنونهم ويلعنونكم" ومعلوم أن شهادة الرعية لراعيها أعظم من شهادته هو لنفسه, وقد قال تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً" (البقرة: 143) وفي المسند عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: "يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن وبالثناء السيء" ومعلوم أن رعية عمر انتشرت شرقاً وغرباً, ومع هذا فكلّهم يصفون عدله وزهده وسياسته, ويعظمونه, والأمة قرناً بعد قرن تصف عدله وزهده وسياسته, ولا يُعرف أن أحداً طعن في ذلك. ولم يقتل عمر رضي الله عنه رجل من المسلمين, لرضا المسلمين عنه, وإنما قتله كافر فارسي مجوسى.
     وخشيته من الله لكمال علمه, فإن الله تعالى يقول: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" ( فاطر: 28)
أما علمه فقد ثبت من علم عمر وفضله ما لم يثبت لأحد غير أبي بكر, ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم, أنه كان يقول: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون, فإن يكن في أمتي أحد فعمر" قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون.
    وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "بينا أنا نائم, إذ رأيت قدحاً أُتيتُ به, فيه لبن, فشربت منه حتى أني لأرى الرّي يخرج من أظفاري, ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "العلم".
   وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "بينا أنا نائم, رأيت الناس يُعرضون عليّ, وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك, ومرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه" قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدين".
  وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث؛ في مقام إبراهيم, وفي الحجاب, وفي أسارى بدر.
    وفي الصحيحين أنه لمّا مات عبد الله بن أبي بن سلول, دُعي له رسول الله صلى الله عليه و سلم ليصلي عليه, قال عمر: فلما قام, دنوت إليه, فقلت: يا رسول الله! أتصلي عليه وهو منافق؟ فأنزل الله: "ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره" (التوبة: 84) وأنزل الله: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم" ( التوبة: 80).
    وقد روى من وجوه ثابتة عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر, يقول به" وفي لفظ: "جعل الحق على لسان عمر وقلبه" أو "قلبه ولسانه" وهذا مروى من حديث ابن عمر وأبي هريرة.
   وقد روى أحمد والترمذي وغيرهما عن عقبة بن عامر الجهني قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب"
   والعلماء يعرفون قدر علمه وفقهه, ويخضعون لعدل عمر وعلمه.
    وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده, فأمر قد عرفته العامة والخاصة, فإنها أعمال ظاهرة, وسيرة بينة, يظهر لعمر فيها من حسن النية وقصد العدل وعدم الغرض وقمع الهوى, مالا يظهر من غيره, ولهذا قال له النبي صلى الله عليه و سلم: "ما رآك الشيطان سالكاً فجا؛ إلا سلك فجاً غير فجك" لأن الشيطان إنما يستطيل على الإنسان بهواه وعمر قمع هواه. وقال: "إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه" ووافق ربه في غير واحدة نزل فيها القرآن بمثل ما قال. وقال ابن عمر: كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر. وهذا لكمال نفسه بالعلم والعدل, قال الله تعالى: "وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً" (الأنعام: 115) فالله تعالى بعث الرسل بالعلم والعدل, فكل من كان أتمّ علماً وعدلاً؛ كان أقرب إلى ما جاءت به الرسل, وهذا كان في عمر أظهر منه في غيره, وهذا ظاهر لكل أحد.
أما زهده فكان زاهداً ورعاً في كل شأنه, ولم يكن له غرض في فَدَك ولا غيرها, فلم يأخذها لنفسه, ولا لأحد من أقاربه وأصدقائه, ولا كان له غرض في حرمان أهل بيت النبي صلى الله عليه و سلم, بل كان يقدّمهم في العطاء على جميع الناس, ويفضلهم في العطاء على جميع الناس, حتى إنه لما وضع الديوان للعطاء وكتب أسماء الناس, قالوا: نبدأ بك؟ قال: لا, ابدأوا بأقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وضعوا عمر حيث وضعه الله. فبدأ ببني هاشم, وضمّ إليهم بني المطلب, لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد, إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" فقدّم العباس وعلياً والحسن والحسين, وفرض لهم أكثر مما فرض لنظرائهم من سائر القبائل, وفضّل أسامة بن زيد على ابنه عبد الله في العطاء, فغضب ابنه وقال: تفضل علي أسامة؟! قال: فإنه كان أحب إلى رسول الله منك, وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك. وهذا الذي ذكرناه من تقديمه بني هاشم وتفضيله لهم, أمر مشهور عند جميع العلماء بالسير, لم يختلف فيه اثنان.
أيها المؤمنون: لقد كان عمر عادلاً وقّافاً عند كتاب الله تعالى. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قدم عيينة بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس, وكان من النفر الذين يدنيهم عمر, وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر كهولاً كانوا أو شباناً, فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه, فقال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحرّ لعيينة, فأذن  له عمر, فلما دخل عليه قال: هيه يا ابن الخطاب! فوالله ما تعطينا الجزل, ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به, فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه و سلم: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف: 199) وإن هذا من الجاهلين, فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه. وكان عمر وقافاً عند كتاب الله.
    وعمر رضي الله عنه من المتواتر عنه أنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم, حتى أنه أقام على ابنه الحدّ لما شرب بمصر, بعد أن كان عمرو ابن العاص ضربه الحدّ, لكن كان ضربه سراً في البيت, وكان الناس يُضربون علانية, فبعث عمر إلى عمرو يزجره, ويتهدده, لكونه حابي ابنه, ثم طلبه, فضربه مرة ثانية, فقال له عبد الرحمن: ما لك هذا! فزجر عبد الرحمن. وأخبار عمر المتواترة في إقامة الحدود وأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم أكثر من أن تذكر.
    وقد بلغ من علمه وعدله ورحمته بالذرية؛ أنه كان لا يفرض للصغير حتى يفطم, ويقول: يكفيه اللبن. فسمع امرأة تُكرهُ ابنها على الفطام؛ ليُفرض له. فأصبح فنادى في الناس: إن أمير المؤمنين يفرض للفطيم والرضيع. وتضرُّرَ الرضيع كان بإكراه أمه لا بفعله هو, لكن رأى أن يفرض للرضعاء ليمتنع الناس عن إيذائهم, فهذا من إحسانه إلى ذرية المسلمين.
    ومن المعلوم للخاص والعام؛ أن عدل عمر رضي الله عنه ملأ الأفاق, وصار يضرب به المثل, كما قيل: سيرة العمرين, وأحدهما عمر بن الخطاب.
وروى ابن بطة عن غالب بن عبد الله العقيلي قال: لما طعن عمر دخل عليه رجال منهم ابن عباس, وعمر يجود بنفسه, وهو يبكي, فقال له ابن عباس: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: أما والله ما أبكي جزعاً على الدنيا, ولا شوقاً إليها, ولكن أخاف هول المطلع! قال: فقال له ابن عباس: فلا تبك يا أمير المؤمنين, فوالله لقد أسلمت؛ فكان إسلامك فتحاً, ولقد أُمّرت؛ فكانت إمارتك فتحاً, ولقد ملأت الأرض عدلاً, وما من رجلين من المسلمين يكون بينهما ما يكون بين المسلمين فتُذكر عندهما إلا رضيا بقولك, وقنعا به. قال: فقال عمر: أجلسوني. فلما جلس قال: أعد على كلامك يا ابن عباس. قال: نعم, فأعاده. فقال عمر: أتشهد لي بهذا عند الله يوم القيامة يا ابن عباس؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين, أنا أشهد لك بهذا عند الله, وهذا علي يشهد لك, وعلي بن أبي طالب جالس, فقال علي بن أبي طالب: نعم يا أمير المؤمنين.
عباد الله: لقد أعزّ الله بعمر الإسلام, وبسط له الثناء على ألسن المؤمنين, وقد أفرد العلماء مناقب عمر, فإنه لا يُعرف في سير الناس كسيرته.
  وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت كأني أنزع على قليب بدلو, فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوباً أو ذنوبين, وفي نزعة ضعف, والله يغفر له, ثم أخذها عمر بن الخطاب؛ فاستحالت في يده غرباً, فلم أر عبقرياً من الناس يفرى فريه, حتى ضرب الناس بعطن". 
   وقالت عائشة رضي الله عنها: كان عمر أحوذياً, نسيج وحده, قد أعدّ للأمور أقرانها. وكانت تقول: زينوا مجالسكم بذكر عمر.
    وروى الشعبي عن علي رضي الله عنه قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.
    وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما رأيت عمر قط, إلا وأنا يُخيَّلُ لي أن بين عينيه ملكاً يسدّده. وقال أيضاً: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.
   وقال أيضاً: إذا ذُكر الصالحون فحيهلاً بعمر, كان إسلامه نصراً, وإمارته فتحاً. وقال أيضاً: كان عمر أعلمنا بكتاب الله, وأفقهنا في دين الله, وأعرفنا بالله, والله لهو أبين من طريق الساعين. يعنى أن هذا أمر بيّن يعرفه الناس.
   وقال أيضاً: لو أن علم عمر وُضع في كفّة ميزان, ووضع علم أهل الأرض في كفة, لرجح عليهم.
   وقال أيضاً لما مات عمر: إني لأحسب هذا قد ذهب بتسعة أعشار العلم, وإني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب مع عمر يوم أصيب.
    وعن زيد بن وهب: أن رجلاً أقرأه معقل بن مقرن آية, وأقرأها عمر بن الخطاب آخر, فسألا ابن مسعود عنها, فقال: لأحدهما: من أقرأكها؟ قال: معقل بن مقرن. وقال للآخر: من أقرأكها؟ قال: عمر بن الخطاب. فبكى ابن مسعود حتى كثرت دموعه, ثم قال: اقرأها كما أقرأكها عمر, فإنه كان أقرأنا لكتاب الله, وأعلمنا بدين الله. ثم قال: كان عمر حصناً حصيناً على الإسلام, يدخل في الإسلام, ولا يخرج منه, فلما ذهب عمر انثلم الحصن ثلمة لا يسدها أحد بعده, وكان إذا سلك طريقا اتبعناه ووجدناه سهلاً, فإذا ذكر الصالحون فحيهلاً بعمر, فحيهلاً بعمر, فحيهلاً بعمر.
   وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: كان الإسلام في زمن عمر كالرجل المقبل, لا يزداد إلا قرباً, فلما قُتل؛ كان كالرجل المدبر, لا يزداد إلا بعداً.
  وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء؛ فانظروا ما صنع عمر فخذوا برأيه.
  وقال أبو عثمان النهدي: إنما كان عمر ميزاناً, لا يقول كذا ولا يقول كذا.
وروى عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب" قال فغدا عمر على رسول الله صلى الله عليه و سلم, فأسلم يومئذ. وفي لفظ: "أعزّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" وعن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا.
وقال ابن مسعود: كان عمر حائطاً حصيناً على الإسلام, يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه, فلما قُتل عمر انثلم الحائط, فالناس اليوم يخرجون منه.
    وعن أم أيمن رضي الله عنها, قالت: وَهَى الإسلام يوم مات عمر.
  وعن القاسم بن محمد: كانت عائشة رضي الله عنها تقول: من رأى عمر بن الخطاب؛ علم أنه خلق غناء للإسلام, كان والله أحوذياً نسيج وحده, قد أعد للأمور أقرانها.
    وقال محمد بن إسحاق في السيرة: أسلم عمر بن الخطاب, وكان رجلا ذا شكيمة, لا يرام ما وراء ظهره, فامتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عزّوا. وكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر بن الخطاب, فلما أسلم؛ قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.
   وقال أبو المعالي الجويني: ما دار الفلك على شكله.
   وثبت عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدّث عمر بالحديث, فيكذب الكذبة, فيقول: احبس هذه! ثم يحدّثه الحديث فيقول: احبس هذه! فيقول: كل ما حدثتك به حق إلا ما أمرتني أن أحبسه.
    وعن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بعث جيشاً, وأمّر عليهم رجلاً يُدعى سارية, قال: فبينا عمر يخطب في الناس, فجعل يصيح على المنبر: يا سارية! الجبل. يا سارية! الجبل. قال: فقدم رسول الجيش, فسأله, فقال: يا أمير المؤمنين! لقينا عدونا فهزمونا, فإذا بصائح: يا سارية! الجبل. يا سارية! الجبل. فأسندنا ظهورنا إلى الجبل؛ فهزمهم الله. فقيل لعمر بن الخطاب: إنك كنت تصيح بذلك على المنبر.
    وثبت عن قيس عن طارق بن شهاب, قال: كنا نتحدث أن عمر يتحدث على لسانه ملك. وعن مجاهد قال: كان عمر إذا رأى الرأي نزل به القرآن.
أيها الناس: لقد كان الشيطان يفرق من عمر, فعن مجاهد قال: كنا نتحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر, فلما قتل عمر وثبت.
   واستأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعنده نساء من قريش يكلمنه, ويستكثرنه, عالية أصواتهن, فلما استأذن عمر؛ قمن فابتدرن الحجاب, فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك, فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبت من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي, فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" فقال عمر: قلت: يا رسول الله! أنت أحق أن يهبن. ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن تهبنني, ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه و سلم! قلن: نعم, أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال رسول الله: "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً؛ إلا سلك فجاً غير فجك" متفق عليه, وفي حديث آخر: "إن الشيطان يفر من حسّ عمر"
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الخطبة الثانية:
..... أما بعد:
فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا عباد الله: حفظ الناس لعمر وصايا حسنةً نافعة, منها ما حدّث به يحيى بن جعدة قال: قال عمر رضي الله عنه: لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله؛ لولا أن أسير في سبيلي الله, أو أضع جبهتي في التراب ساجداً, أو أجالس قوماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقط طيب الثمر.
    وكلام عمر رضي الله عنه من أجمع الكلام وأكمله, فإنه ملهم مُحَدَّث, كل كلمة من كلامه تجمع علماً كثيراً, مثل هؤلاء الثلاث التي ذكرهن, فإنه ذكر الصلاة والجهاد والعلم, وهذه الثلاث هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة.
    وقال ابن عباس: قال لي عمر: إنه والله يا ابن عباس ما يصلح لهذا الأمر إلا القوي في غير عنف, اللين في غير ضعف, الجواد في غير سرف, الممسك في غير بخل. قال يقول ابن عباس: فوالله ما أعرفه غير عمر.
    وعن سالم عن أبيه: أنه كان إذا ذكر عمر قال: لله در عمر, لقل ما سمعته يقول يحرك شفتيه بشيء قط يتخوفه؛ إلا كان حقاً.
عباد الله: لقد كان عمر يرجع إلى الحق متى علمه, وقصة رد المرأة عليه, دليل على كمال فضله ودينه وتقواه, ورجوعه إلى الحق إذا تبين له, وأنه يقبل الحق حتى من امرأة, ويتواضع له, وأنه معترف بفضل الواحد عليه, ولو في أدنى مسألة, وليس من شرط الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور, فقد قال الهدهد لسليمان: "أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين" (النمل: 22)
   وبالجملة؛ فهذا باب يطول وصفه, وعمر أكمل الصحابة بعد أبي بكر, والصحابة أعلم الأمة وأفقهها وأدينها, ولهذا أحسن الشافعي رحمه الله في قوله: هم فوقنا في كل علم وفقه ودين وهدى, وفي كل سبب ينال به علم وهدى, ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا, أو كلاما هذا معناه.
   وقال أحمد بن حنبل: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم.
    وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال: أيها الناس من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد, كانوا أفضل هذه الأمة, أبرّها قلوباً, وأعمقها علماً, وأقلّها تكلفاً, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه, وإقامة دينه, فاعرفوا لهم فضلهم, واتبعوهم في آثارهم, وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم, فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
    وقال حذيفة رضي الله عنه: يا معشر القراء! استقيموا, وخذوا طريق من كان قبلكم, فوالله لئن استقمتم؛ لقد سبقتم سبقا بعيداً, وإن أخذتم يمينا وشمالاً؛ لقد ضللتم ضلالاً بعيداً.

اللهم صل على محمد..

الخميس، 6 فبراير، 2014

عمل قوم لوط

عمل قوم لوط
5/ 4/ 1435
الحمد لله الذي يسر لنا سبل الهدى و التقى والعفاف، ونجانا بفضله مما يحذر المرء منه ويخاف، وأكرمنا بجوده الذي ليس على أحد بخاف، وجعلنا بكرمه ومنته من المسلمين الأحناف، أحمده سبحانه وأشكره أن شرع لأمة الإسلام من الحدود ما يحفظ لها أمنها ودينها وعفافها وسلامتها من الانحراف، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم  تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي رسول الله , وشر الأمور محدثاتها , وكل بدعة ضلالة .
( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )
أيها المسلمون : فَطَرَ الله جل وعلا بني آدم على حب الخير والنزاهة والعفة وسمو الهدف وحسن الأخلاق , كما فطرهم على كره الشر والرذائل والساقط من الأخلاق والأفعال والأقوال , بيد أن قومًا من بني البشر شذوا عن فطرة الله التي فطر الناس عليها , فقلبوا الموازين , واستبدلوا الخير بالشر , والعفة والنزاهة , بالخسة والقذارة , فعمدوا الى ما نهى الله عنه فأتوه والى ما أمر الله به فقلوه وتركوه , يعيش أحدهم في عالم الجرائم والذنوب والمعاصي , تنازعه فطرته الخيرة فيكبتها , ويدعوه واعظ الخير في قلبه فلا يعبأ بدعائه , لا يتورع عن ارتكاب أي ذنب مهما عظم , لان الجرم قد استحكم , وغلبة النفس قد طغت .
جريمة نكراء يقدم عليها كل من انتكست فطرته , واتصف بكل صفات الخنا والعار , إنها جريمة عمل قوم لوط, التي كَلِفَتْ بها النفوسُ الخبيثة وغذّتها وسائل وروافد عديدة 0
عمل قوم لوط – أيها الإخوة – جريمة بدأها على وجه الأرض قوم لوط عليه السلام وأكرمَ الله لوطًا وشرّفه وطهره منهم ومن فجورهم , ولم تعرف هذه الموبقةُ قبلَهم, قال الله تعالى ( أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ) وقد خوّفهم لوطٌ عليه السلام ووعظهم وحذّرهم مغبةَ فجورهم ذاك , ولكنهم حقا قومٌ مسرفون , فتمادوا في غيهم حتى همّوا بضيوف نبيهم لوطٍ عليه السلام ليفعلوا بهم الفاحشة , وقد دفعهم لوطٌ ليثنيهم عن مرادهم , وقدم لهم له بناتَهُ ليزوجهم إياهن وقال لهم (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ) وقد رأى الملائكةُ الكرام ما دار بينه وبين قومه فقالوا للوط عليه السلام ( إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) وأمروه أن يترك البلدة من عشيّته قائلين له ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد ) وقالوا له مخبرين بلحوق قومه سريعًا في مصارع الغابرين في الأمم الشقية: ( إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) بلى, إنه لقريب , قال الله تعالى: ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا علها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ) إن الجزاء دائما يكون من جنس العمل , فهاهم قوم لوط لما قلبوا فطرة الله قلب الله عليهم ديارهم , وجعلهم عبرة لغيرهم , فهذا مكان عذابهم باق إلى يومنا هذا .
عباد الله: جريمةُ عملِ قوم لوطٍ حكمها في شرع الله معلوم, فهي كبيرة من كبائر الذنوب , حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها أشد التحذير وأعظم النكير حتى خافها على أمته من بعده فقال عليه الصلاة والسلام " إن أخوف ما أخاف على امتي عمل قوم لوط " رواه الترمذي وصححه الألباني, وروى الحاكم وحسنه الألباني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خمس بخمس ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم, وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر, ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت, ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين, ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر).
وقال صلى الله عليه وسلم : "يا معشر المهاجرين, خصالٌ خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن, لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا, ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنينَ وشدة المؤنة وجورِ السلطان عليهم, ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء, ولولا البهائمُ لم يمطروا, ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم, وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم . ‌رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
عباد الرحمن: احذروا موارد اللعنات من رب البريات فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ملعون من وقع على بهيمة ، ملعون من عَمِلَ بعمل قوم لوط " ‌ رواه أحمد وصححه الألباني, وروى النسائي بسنده عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوط , لعن الله من عمل عمل قوم لوط , لعن الله من عمل عمل قوم لوط"
وروى الترمذي بسند صحيح قوله صلى الله عليه وسلم " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " وهذا فيما إذا كان المفعول به قد أمكن نفسه للفتعل راضيًا غير مكره, وإلا فهي من المصائب المكفرة. فحد الفاعل والمفعول به الراضي القتل, وقد أجمع على ذلك الصحابة والعلماء من بعدهم , ولكن اختلفوا في كيفية قتله , فمنهم من يرى إحراقه بالنار , ومنهم من يرى رميه من أعلى شاهق في البلد , ومنهم من يرى ضرب عنقه بالسيف وهو الصواب. فهو جرثومة في المجتمع لا يسلم منها سوى ببترها عنه.
أيها المؤمنون: لقد كان السلف رحمهم الله شديدي الحذرِ والتحذير من مقدمات تلك الفاحشة كالنظر إلى الأمرد أو مجالسته, ولو كان ذلك في طلب العلم , قال الحسن ابن ذكوان : لا تجالس أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور العذارى , وهم اشد فتنة من النساء . وقال بعض التابعين : ما أنا بأخوفَ على الشاب الناسك من سبع ضارٍ من الغلام الأمرد يجلس إليه.
وجاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله ومعه صبي حسن الوجه فقال له الإمام : من هذا منك ؟ فقال ابن أختي , قال : لا تجئ به إلينا مرة أخرى , ولا تمش معه في طريق لئلا يَظن بك من لا يعرفُك ولا يعرفُه سوءا.
إنها الفاحشة التي نزل بأهلها عذابٌ لم ينزل على غيرهم لقبح جريمتهم وشناعة فجورهم, فاحشةٌ أعقبتها الحسرات، وذهبت اللذات، وانقضت الشهوات، وتمتعوا قليلاً وعذبوا طويلا،  "وما هي من الظالمين ببعيد"
ومما يلحق بذلك – يا عباد الله – إتيان المرأة في الدبر, فملعون من فعل ذلك, ولا ينظر الله إليه.
وإذا خلـوت بريبـة فِي ظلمـة       والنفس داعيـة إلَى الطغيـان
فاستحي من نظر الإلـه وقل لَها        إن الـذي خلق الظـلام يراني
اللهم احفظنا وذرياتنا وجيراننا والمسلمين من كل ما يبعدنا عن مرضاتك, اللهم من أراد عفاف المؤمنين بسوء فعليك به, اللهم طهر قلوبنا ونقِّ أعمالنا واهدنا ويسر الهدى لنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم واسترحموه يرحمكم وتوبوا إليه يتب عليكم , إنه هو التواب الغفور الرحيم .


الخطبة الثانية
الحمد لله الذي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن, والصلاة والسلام على من حذر أمته من مضلات الفتن, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه ربه بأحسن سبيل وأفضل كتاب وأقوم سَنَنٍ صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد :
فاتقوا الله تعالى يا عباد الله واعتصموا به واستغيثوا به واستعينوا. واحرصوا على الفضيلة وسبلها , وربوا ذريتكم عليها واسألوا الله صلاحَكم وصلاحَهُم. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "لو أن لوطياً اغتسل بكل قطرة من السماء لقي الله غيرَ طاهر" فلهذه الجريمةِ أضرارٌ كثيرةً جداً يقصر دونها العد والإحصاء, وهذه الأضرار متعددة فأضرارٌ دينية وخلقية واجتماعية ونفسية وصحية وغير ذلك, فهي كبيرة من كبائر الذنوب, وسبب للبعد عن علام الغيوب, وسببٌ لمقت الله وأليم عقابه وأخذه الشديد في الدنيا والآخرة, بل خطرها على التوحيد إذ أنها ذريعة للعشق, والعشق ذريعة للشركِ والتعلقِ بغير الله تعالى.
ومن أضراره قلةُ الحياء, فالحياء هو الحياة,
فلا والله ما في العيش خير               ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ومنها سوءُ الخلق وقسوةُ القلب وقتلُ المروءة والشهامة, وانتكاسُ الفطرة وذهاب الغيرة من القلب, وسواد الوجه وظلمتُه, وحرمان العلم وبركته, وذهابُ الشجاعة.
ومن أضرارها زوالُ البركات والخيرات, وحلولُ العقوبات, وقلة الأمن وشيوعُ الفوضى وحرمانُ الأمة من السعادة الحقيقية وتفسخ المجتمع وتحلله.. وهل يُرجى ممن يلوط العَذِرَةَ, أو يدعو الناس لنفسه كالمرأة خيرًا؟! "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد..