Follow by Email

الخميس، 9 نوفمبر، 2017

أسباب معينة على الصبر على البلاء

أسباب معينة على الصبر على البلاء
أسباب معينة على الصبر على البلاء
الحمد لله..
عباد الرحمن إن المؤمن مبتلى، وقد أهبطه الله تعالى للأرض ليبلوه أيحسن أو يسيء،  فالسعيد من عاد لربه وقد أفلح وأنجح، وقد خاب من أولاد آدم من رجع بخيبته وخسارِه، وربنا تبارك وتعالى يقول: (ولبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)
واعلموا أن ثمّة أسبابٌ معينةٌ بإذن الله على الصبر على البلاء. قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى:
"أحدها: شهود جزائها وثوابها.
 الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
 الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.
 الرابع: شهوده حقِّ الله عليه في تلك البلوى، وواجبُه فيها الصبرُ بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.
 الخامس: شهود ترتّبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغلُه شهودُ هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة، قال علي بن أبي طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة.
 السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبوديةَ تقتضي رضاه بما رضي له به سيدُه ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم.
 السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه، فيذهب نفعه باطلًا.
 الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم مالم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره، قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال الله تعالى: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) وفي مثل هذا القائل:
 لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
 التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليَه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا، فإن ثبت اصطفاهُ واجتباه، وخلع عليه خِلَعً الإكرام، وألبسه ملابس الفضل، وجعله من أولياءه وحزبه.
 وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرد وصُفع قفاه وأُقصي، وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأنّ المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعمًا عديدة.
 وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيعُ القلب في تلك الساعة، والمصيبةُ لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان، لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
 العاشر: أن يعلم أن الله يُربّي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء، فيستخرجُ منه عبوديتَه في جميع الأحوال، فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال.
 وأما عبدُ السراء والعافية الذي يعبدُ الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته.
 فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الأيمان النافعُ وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمانٌ يثبُت على البلاء والعافية، فالابتلاء كَيْرُ العبد، ومحكّ إيمانه، فإما أن يخرج تبرًا أحمرَ وإما أن يخرج زَغَلًا محضًا، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبيةُ ونحاسية، فلا يزال به البلاء حتى يُخرج المادةَ النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا.
 فلو علم العبد أن نعمةَ الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية؛ لشغلَ قلبَه ولسانه بشكره، ولقال: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه أبو داود بسند صحيح.
وكيف لا يشكر من قيّض له ما يستخرج خبثَه ونحاسه وصيّره تِبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظرِ إليه في داره.
 فهذه الأسباب ونحوُها تثمر الصبرَ على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، وألا يفضحنا بابتلائه، بمنه وكرمه"(1).
بارك الله لي ولكم..
..............
الخطبة الثانية:
الحمد لله..
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". رواه الترمذي. أي بصبّ البلاء والمصائب عليه جزاء لما فرّط من الذنوب منه، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة، ومَن فعل ذلك به فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلًا في الدنيا خف جزاؤه عليه، حتى يكفّر بالشوكة يشاكُها، حتى بالقلم يسقط من الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من دنسه.
 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" رواه الدارمي بسند حسن. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" رواه ابن حبان بسند حسن.
قال شيخ الإسلام: المصائب نعمة لأنها مكفرات للذنوب، ولأنها تدعو إلى الصبر فيثاب عليها، ولأنها تقتضي الإنابة الى الله والذل له والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.
فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، ومعلوم أن هذا من أعظم النعم، ولو كان رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفف الله عنه عذابه بمصائبه، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق الا أن يدخل صاحبَها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع حصل له من الجزع والسخط والنفاق ومرض القلب أو الكفر الظاهر أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررًا في دينه بحسَب ذلك، فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة المصيبة.
 كما أن من أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمةً للخلق، والله تبارك وتعالى محمود عليها، فإن اقترن بها طاعةٌ كان ذلك نعمةً ثانية على صاحبها، وإن اقترن بها للمؤمن معصية فهذا مما تتنوع فيه أحوال الناس كما تتنوع أحوالهم في العافية.
 فمن ابتلى فرُزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعد ما كفّر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاةَ ربه عليه حيث قال: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، وهذا من أعظم النعم. فالصبر واجب على كل مصاب فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك.
 وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه" أي أخّر عنه العقوبة بذنبه "حتى يُوافِي به يوم القيامة" أي لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب وافيها، فيستوفي ما يستحقه من العقاب.
  وهذا – يا عباد الله -  مما يزهد العبد في الصحة الدائمة خوفًا أن تكون طيباتُه عُجّلت له في الحياة الدنيا، والله تعالى لم يرض الدنيا لعقوبةِ أعدائه كما لم يرضها لإثابة أوليائه، بل جعل ثوابهم أن أسكنهم في جواره ورضي عنهم كما قال تعالى: (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر)

1- طريق الهجرتين (1 / 502)


الأربعاء، 8 نوفمبر، 2017

مقويّات الصبر عن معصية الله تعالى

مقويّات الصبر عن معصية الله تعالى
الحمد لله والصلاة والسلام والبركة على نبيه ومصطفاه وعلى آله وصحبه، وبعد: فإن المؤمن الناصحَ لنفسه الراغبَ لخيرِها وفلاحِها وسعادتها حريصٌ على الدوام على كل ما فيه مصالحُها وحراستها من كل شر يحيط بها، ولمّا كان رأس الشر عصيان الرحمن كان على المؤمن التجافي عن الخطيئة قدر طاقته، قال ربنا تبارك وتعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين)
فالمؤمن يتطلّب الأسباب الشرعية المفضية لبعده عن المعصية حتى يسلم من غوائل السقوط من عين الله تعالى، وقد ذكر الإمام ابن القيم بعض هاتيك الأسباب المانعة من وقوع العبد في معصيه مولاه تعالى فقال:
"أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانةً وحماية عن الدنايا والرذائل كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره، وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يُعلّق عليها وعيد بالعذاب.
 السبب الثاني: الحياء من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظر الله إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييًّا استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
 السبب الثالث: مراعاةُ نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد، فما أذنب عبد ذنبًا إلا زالت عنه نعمةٌ من الله بحسَب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها وإن أصر لم ترجع إليه (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم). ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمه حتى تسلب النعم كلها، قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
 وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها. وقال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحرمت قيام الليل سنة! وقال آخر: أذنبت ذنبًا فحرمت فهم القرآن، وفي مثل هذا قيل:
 إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
 وبالجملة فإن المعاصي نار النعم، تأكلها كما تأكل النار الحطب عياذا بالله من زوال نعمته وتحوّل عافيته.
 السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده، والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما، قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا والاغترار بالله جهلًا.
 السبب الخامس: محبةُ الله، وهي أقوى الأسبابِ في الصبر عن مخالفته ومعاصيه، فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى.
 وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانِها، وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده، وفي هذا قال عمر: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه. يعني أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته.
 فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه، يرعى قلبه وجوارحه. وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامُه.
 وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبةَ المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة، وإلا فالمحبةُ الخالية عنهما إنما توجب نوعَ أنسٍ وانبساطٍ وتذكر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرُها وموجبها، ويفتش العبدُ قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه! وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم.
 فما عَمَر القلبَ شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه. وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
 السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأَنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع من قدرها وتخفض منزلتها وتحقرها وتسوي بينها وبين السفلة.
 السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها والضرر الناشئ منها؛ من سواد الوجه وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وألمه وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعرّيه من زينته، والحيرة في أمره، وتخلي وليِّه وناصرِه عنه، وتولّي عدوّه المبين له، وتواري العلم الذي كان مستعدًّا له عنه، ونسيان ما كان حاصلًا له أو ضعفه ولا بد، ومرضِه الذي إذا استحكم به فهو الموت ولا بد، فإن الذنوب تميت القلوب.
 ومنها ذله بعد عزه، ومنها أنه يصير أسيرًا في يد أعدائه بعد أن كان ملكًا متصرفًا يخافه أعداؤه، ومنها أنه يضعف تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج، ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة فأخوف الناس أشدهم إساءة، ومنها زوال الأنس والاستبدالُ به وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة.
 ومنها زوال الرضى واستبدالُه بالسخط، ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكونِ إليه والإيواءِ عنده واستبدالُه بالطرد والبعد منه، ومنها وقوعه في بئر الحسرات فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرًا أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعافُ أضعافِ ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه، فيا لها نارًا قد عُذب بها القلبُ في هذه الدار قبل نار الله المُوقَدة التي تطلع على الأفئدة!
 ومنها فقره بعد غناه، فإنه كان غنيًّا بما معه من رأس مال الإيمان، وهو يتّجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأسُ ماله أصبح فقيرًا معدمًا، فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخرَ بالتوبة النصوح والجد والتشمير، وإلا فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس ماله.
 ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف بدنه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة، فتبدَّل بها مهانةً وحقارة، ومنها حصولُ البُغضةِ والنفرةِ منه في قلوب الناس، ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسِها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه ولا يعود إليه أبدًا.
 ومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإنه إذا رآه منقادًا مستجيبًا لما يأمره اشتد طمعه وحدث نفسَه بالظفر به، وجعله من حزبه حتى يصيرَ هو وليُه دون مولاهُ الحق.
 ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نُكت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب منها صُقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أخرى، ولا تزال حتى تعلوَ قلبه فذلك هو الران، قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
 ومنها أنه يحرمُ حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيدِ الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد.
 ومنها أن تمنع قلبَه من ترحُّله من الدنيا ونزولِه بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتًا مضيِّعًا حتى يرحل من الدنيا وينزلَ في الآخرة، فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيقِ والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جَهازه وتعبئة زاده ليوم معاده، وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرَها فالتعب والعناء والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة.
 ومنها إعراضُ الله وملائكته وعبادِه عنه، فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه، فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه.
 ومنها أن الذنبَ يستدعي ذنبًا آخر، ثم يقوى أحدُهما بالآخر فيستدعيان ثالثًا، ثم تجتمع الثلاثة فتستدعي رابعًا وهلم جرا حتى تغمرَه ذنوبُه وتحيطُ به خطيئته! قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنةُ بعدها، ومن عقوبة السيئةِ السيئةُ بعدها.
 ومنها علمه بفوات ما هو أحبُّ إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإن الله لا يجمع لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة، كما قال تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) فالمؤمن لا يُذهب طيباتِه في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة، وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلِّها وطيباته في الدنيا.
 ومنها علمه بأن أعمالَه هي زادُه ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجُناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته ووَلايته.
 ومنها علمه بأن عملَه هو وليُّه في قبره، وأنيسُه فيه وشفيعه عند ربه، والمخاصمُ والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه.
ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسَب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوي به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسَب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث تستقر به، قال الله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة، بل أغلقت عنها، وأهلُ الإيمان والعملِ الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحةً لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه؛ فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين.
 ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعةَ على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للصوص وقطاع الطريق، فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خَرِبَةٍ موحشة هي مأوى اللصوصِ وقطاع الطريق، فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟! ومنها أنه بالمعصية قد تعرّض لمحق بركته.
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيطَ بها العبدُ علمًا، وآثارُ الطاعة الحسنة أكثرُ من أن يحيطَ بها علمًا، فخيرُ الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته. وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: "من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي، ومن ذ الذي عصاني فسعد بمعصيتي".
بارك الله لي ولكم...


الخطبة الثانية:
الحمد لله... 
 السبب الثامن: قصرُ الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمِع على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلّة مُقامه وسرعة انتقاله حريصٌ على ترك ما يُثقله حملُه ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضر من التسويف وطول الأمل.
 السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضول، فإنها تطلب لها مصرِفًا فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام.
 ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالتُه وفراغُه، فإن النفس لا تقعد فارغةً، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولا بد.
 السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها ثباتُ شجرة الإيمان في القلب، فصبرُ العبد عن المعاصي إنما هو بحسَب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشر قلبُه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له وتحريمه لما حرم عليه وبغضِه له ومقته لفاعله، وباشر قلبُه الإيمانَ بالثواب والعقاب والجنة والنار امتنع من ألا يعمل بموجب هذا العلم.
ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، فإذا قوي سراج الإيمان في القلب وأضاءت جهاته كلها به وأشرق نوره في أرجائه سرى ذلك النورُ إلى الأعضاء وانبعث إليها، فأسرعت الإجابةَ لداعي الإيمان، وانقادت له طائعةً مذللةً غيرَ متثاقلةٍ ولا كارهة، بل تفرح بدعوته حين يدعوها كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسنِ إليه إلى محل كرامته، فهو كل وقت يترقب داعيه ويتأهب لموافاته، والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
طريق الهجرتين لابن القيم رحمه الله (1 / 404 - 415) باختصار يسير.


الثلاثاء، 25 يوليو، 2017

التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات

 التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات
الحمد لله على نِعَم لا تُحصى عددًا، وما أقضي بالحمد حقًّا، وأشكره ولم يزل للشكر مستحقًّا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المالكُ للرقاب كلِّها رقًّا، كوَّن الأشياء وأحكمها خلقًا، وفتق السماء والأرض وكانتا رَتْقًا، و قسم العباد فأسعد وأشقى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ﴾
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف الخلائق خَلْقًا وخُلُقا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وتقى، أما بعد:
 فلا إيمان إلا بتعلق, ولا عبودية إلا بتعلق, ولا إسلام إلا بتعلق, فمدار الدين على تعلّق القلب برب العالمين من جهة ربوبيته له وإحاطته به وحفظه وإمداده ورزقه, ومن جهة إلاهيته وحبه وعبادته وتوجّهه وإسلامه. فقلب المؤمن معلّق بربّه مهما باشرت يده تقليب الأسباب.  
والمؤمن يعلم أن الملك ملك الله, والخلق خلقه, والعبيد عبيده, فهو لا ينفك عن تعلقه بمن هذا شأنه سبحانه وبحمده.
والمؤمن الموفق يعلم أن الله خلقه لعبادته, وأن زبدة رسالة المرسلين هي تحقيق التوحيد وتجريد العبودية وحده لا شريك له "ولما بعث صلوات الله وسلامه عليه صار يقول للناس: "قولوا: لا إله إلا الله" رواه أحمد بسند صحيح. ومعنى لا إله إلا الله: أن يكون التألّه - الذي هو حب القلب وخوفه ورجاؤه - لله وحده، فلا يكون القلب متعلقاً بغير الله جل وعلا.
والمتعلق بالله لا يُخذل في أشد الأهوال ولا يُنسى مع تتابع الكروب, بل تتتابع عليه ألطاف الملك الوهاب, وتتوالى عليه أمداد اللطيف الخبير, وهو ذاكرٌ لربه في كل حال, حتى مع التحام الأقران بتوالي الطعان ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
والمتعلق بالله لا تضيق عليه المخارج عند ادلهام الخطوب وتكاثف الغموم, قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "ضاق بي أمر أوجب غمًّا لازمًا دائمًا، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه. فما رأيت طريقاً للخلاص. فعرَضت لي هذه الآية: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً " فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم. فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج.
فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج.
ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله عز وجل كافيه فلا يعلق قلبه بالأسباب، فقد قال عز وجل: (ومنْ يتوكلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حسبهُ ).
والمتعلق بالله بصير بحاله, عليم بعاقبة أفعاله, يعلم من أين يؤتى لذلك قلّت ذنوبه, حسن الظن بالمولى لذلك كثرت ضراعته وعظمت رغائبه, ويعلم أن لمولاه حِكَمٌ في تأخير إجابة دعواته أحيانًا.
عباد الله:  مَن تعلق بربه ومولاه كفاه ووقاه، وحفظه وتولاه؛ فهو نعم المولى ونعم النصير. ومَن تعلق بغيره وَكَلَه الله إلى مَن تعلق به؛ وخَذَلَه. قال وهبُ بن منبه: "أوحى الله تبارك وتعالى إلى نبيه داوُد عليه السلام: يا داوُد! أما وعزّتي وعظمتي لا يعتصم بي عبدٌ من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن مخرجاً، أما وعزّتي وعظمتي لا يعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوقٍ دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعتُ أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدمه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك" رواه أحمد.
إن المتعلق بالله لا يخشى غيرَه ولا يخاف سواه, لعلمه أن المخلوقين مهما أوتوا من قوة وخبرة وسلطان وبطش فلا يخرجون عن قَدَره وقُدرته طرفة عين, ولو اجتمعوا على أن ينفعوا أو يضروا أحدًا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون.
ومن تعلق بغير ربه فقد حكم على نفسه الحرمان وختمها بالخذلان, وأصل مادّة الشر في العالم هي من تعلق المخلوق بغير خالقه, وتأله قلبه لغير إلهه الحق, فما دخل القلب شرك بالله إلا من باب التعلق, فليعتن اللبيب الناصح لنفسه غاية العناية بحراسة هذا الباب لقلبه.
قال شيخ الإسلام: «والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله؛ فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرَك به شيء" قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "والله ما صدق اللهَ في عبوديته مَنْ لأحد من المخلوقين عليه ربَّانية".
وقال ابن القيم رحمه الله: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحَمَل عنه كل ما أهمه، وفرَّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمَّله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم؛ فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره.
فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته"
عباد الرحمن: وللتعلق بالله تعالى علامات ومنارات.
فمنها: الخضوع والخشوع لربه: فإذا تعلّق المؤمن بربّه فإنه يذل لأمره ويخضع ويخشع, ويعلم أن الأمر كله لله, وأن الدين دينه, فمهما جرت به رياح الأحكام فهو جارٍ معها رخيّةً كانت عليه أو شديدة, فالله خلقه ليبتليه وليظهر رسوخ قدمه في التسليم لأمره وشرعه. 
ومنها: الاستعداد للرحيل: ذلك أن المتعلق بالله مستعدٌّ للرحيل على الدوام, حازمٌ أمره قبل الموت, حاملٌ زاده قبل الفوت, حبلُ أمله في الدنيا أقصر من كراع نملة, وفي الآخرة أوسع من شعاع الشمس "ويجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعداً.
وَيَبكي عَلى الموتَى ويَترُكُ نفسه     ويزعَمُ أَنَّ قَد قَلَّ عَنها عَزَاؤُهُ
ولَو كانَ ذا رأىٍ وعقلٍ وَفِطنَةٍ      لكانَ عَليهِ لا عَليهِم بُكَاؤُهُ
ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان. ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا:
يعمّر واحدٌ فيغرّ قومًا      ويُنسى من يموت من الشبابِ
ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه. فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلاً. وإنما يقدم المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة لطول الأمل.
وإن لم تستطع قصر الأمل فاعمل عمل قصير الأمل. ولا تمسِ حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة فامحها بتوبة، أو خرقاً فارقعه باستغفار. وإذا أصبحت فتأمل ما مضى في ليلك. وإياك والتسويف فإنه أكبر جنود إبليس.
ومنها: تجديد التوبة النصوح: فالمتعلق بالله محسن لمتابه, فهو يعلم ان قلبَه محلُّ نظر ربه تعالى الذي لا تخفى عليه خافية, والحذرَ الحذر من المعاصي. فإن عواقبَها وخيمة.
فوا أسفاً لمعاقَبٍ لا يحس بعقوبته. قال ابن سيرين: عيرت رجلاً بالفقر فافتقرت بعد أربعين سنة.
فالله الله في تجويد التوبة وتجديديها عساها تكف كف الجزاء. والحذر الحذر من الذنوب خصوصاً ذنوب الخلوات. فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما بينك وبينه في السر يصلح لك أحوال العلانية.
ومن علامات التعلق بالله: إحسان الظن بالمولى الكريم: فالمتعلق بربه كلّه أمل في فضله وكرمه وسعة رحمته, وتهش نفسه وتطرب لسماع البشارات للمؤمنين سائلًا ربه أن يسلكه سبيلهم, فهو منتظر لرحمة ربه في الآخرة, راغبًا راهبًا محبًّا, يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله..
عباد الله: ومن علامات التعلق بالله تعالى: حراسةُ الوقت من الضياع: فالمتعلق بالله يعلم أن عمره قصير, وأن سنينه مهما امتدت وبسطت فمناه وآماله أكبر وأبعد من أن تحتويها, لذلك فهو يعمر الباقية ولو بخراب الفانية, فيجعل الدنيا معينة على تحصيل فوز الآخرة وفلاح الباقية, مجتهد في عمارة وقته بذكر الله وما والاه, مقدمٌ الأهم على المهم, متكامل في توزيع جهده, منظمٌ في ترتيب وقته, يقطع بحسن نيته وقوة عزيمته ما لا يقطعه الأفذاذ من أقرانه, متعلق بكليته بالله واثقٌ به متوكلٌ عليه مفوض أموره إليه.
يحزن للساعة التي يغفل فيها عن ربه, فإن اختلستها نفسه الأمارة, واستلبها القرين الرجيم حمل عليهما بنفس لوّامة لهما, فاستعاض عما سلف من غفلته بتدارك ما استقبله والاجتهادِ في تعويض ما فاته, فاطمأنت نفسه للخير الذي ترجوه, والأمل الذي ترقبه, فهو بين ادّكار واعتبار وفرح واستبشار, متقلب على مراضي ربه, مراوح بين الفرض والنفل, قد جهز راحلتي صبره وشكره, وزاملةَ زاد التقوى.
ومنها: توحيد التعلق بالله دون من سواه: وتفكر في قصة خطبة الصديق عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف علّق الناس برب الناس لا بغيره من مخلوقاته, فخطب الناس قائلًا: "أما بعد: فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر رضي الله عنه، فتلاها منه الناس كلهم؛ فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها" رواه البخاري. فأبو بكر رضي الله عنه قد احتمل هذ الخطب الجسيم لأن قلبه كان شديد التعلق بالخالق فوفّقه في ساعة الشدة, وتأمل فقهه بقوله: "فإن الله حي لا يموت" فيا لله! كم فيها للمؤمنين من ذخرٍ ورضى.
ومن العلامات: شدةُ الحرص على موارد حياة القلب ودفع أسباب ضعفه وموته. فلما كان القلب هو قطب رحى الإرادة, وصندوق ذخائر الإيمان, وبصلاحه صلاح النفس وفلاح المصير؛ كان له المحل الأرفع في استصلاحه وتنمية موارد الخير فيه والعمل على حراسته من غوائل الشيطان. ومن كان هذا حاله فهو البصير حقًّا والعاقل صدقًا, وعلى قدر صلاح القلب تكون نسبةُ تحسسه من دغل الذنوب وتفرسه في مآلاتها في حاله ومآله.
والمتعلق بالله حريص للغاية على رعاية أحوال قلبه. فالمتعلق بالله عن علم يخشى سقوطه من عين ربه لأدنى زلة, وخوفه من الله وخشيته وهيبته على قدر علمه به.
كما أنه يوطّن نفسه دائمًا لأحسن الأحوال مع الله مع اختلاف الأحوال عليه.
ومن أمارات التعلق بالله تعلقُ القلب ببيوت الله: فلما تعلق قلبه بربه هفت نفسه لبيوت الله التي رُفعت لذكره (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) فالمسجد هو قطب رحى راحة المؤمن فإذا خرج منه أحس ببَضعة منه بقيت خلفه فلا يطمئن حتى يعاودها، فهو ينتقل من صلاة لقراءة لذكر لتفكر لدعاء حتى اختلط حب المسجد بلحمه ودمه وعصبه، وكذلك المؤمنة في مصلاها في قعر بيتها فسلوتها وراحتها في صلاتها وذكرها ودعائها.

ويكفي المؤمن الذي أمسى بهذا الحنين لموطن السجود بشارةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجل قلبه معلق بالمساجد" متفق عليه. فالمؤمن من عُمّار بيوت الله بقلبه وقالبه. والحمد لله رب العالمين. 

الرابط

التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات


السبت، 25 فبراير، 2017

عبر من قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر.

عبر من قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر.
الحمد لله..
فإن الله تعالى قد قص في كتابه قَصصًا لنعتبر بها ونتفكّر في مآلاتها ونستلهمَ عِبرها ونقتديَ بمواطن الاستقامة فيها ونزيدَ بصائرنا نورًا بضيائها، فقال جل اسمه: (فاقصص القَصص لعلهم يتفكرون)
ومن تلك القَصص قِصة عجيبة فريدة وهي قصة موسى الكليم عليه السلام مع العبد الصالح الخصر، فقد روى الشيخان عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "قَامَ مُوسى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحى اللهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعُ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَكَانَ لِمُوسى وَفَتَاهُ عَجَبًا فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ مُوسى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هذَا نَصَبًا وَلَمْ يَجِدْ مُوسى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ قَالَ مُوسى: ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًى بِثَوْبٍ (أوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ) فَسَلَّمَ مُوسى فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ فَقَالَ: أَنَا مُوسى فَقَالَ: مُوسى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا يَا مُوسى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرًا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلاَّ كَنَقْرَةِ هذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسى نِسْيَانًا فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ مُوسى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بَغَيْرِ نَفْسٍ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَأَقَامَهُ قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسى: لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ: هذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قَالَ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسى لَوَدِدْنَا لَو صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا.
قال السِّعدي رحمه الله تعالى: وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله. فمنها فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
ومنها: البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل.
ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ }
ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا }
ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله: { آتِنَا غَدَاءَنَا } إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعا.
ومنها: أن المعونةَ تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } والإشارة إلى السفر المجاوز، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب، مع طوله.
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره.
وأما قوله في آخر القصة: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا }
ومنها: أن العلم الذي يُعلّمه الله لعباده نوعان:
علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده. ونوع علم لدنّي، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا }
ومنها: التأدبُ مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطفَ خطاب، لقول موسى عليه السلام: { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } فأخرج الكلام بصورة الملاطفة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر.
ومنها: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر.
ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها لقوله: { تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ } أي: مما علمك الله تعالى.
ومنها: أن العلم النافع، هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك، فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: { أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }
ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه.
ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود.
ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول { إِنْ شَاءَ اللَّهُ }
ومنها: أن العزم على فعل الشيء، ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا } فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل.
ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله، ولا في حقوق العباد لقوله: { لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ }
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر.
ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبرَ، وعدمَ المبادرة إلى الإنكار.
ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعي أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإنّ قَتْلَ الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما، أعظم شرا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته، وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها، داخل في هذا.
ومنها: القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير. كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن.
ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا }
ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته.
ومنها: أن خدمةَ الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح.
ومنها: استعمالُ الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } وأما الخير، فأضافه إلى الله تعالى لقوله: { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } كما قال إبراهيم عليه السلام { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وقالت الجن: { وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } مع أن الكل بقضاء الله وقدره.
ومنها: أنه ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه في حال من الأحوال، ويترك صحبته، حتى يُعتِبَه، ويُعذَرَ منه، كما فعل الخضر مع موسى.
ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قَدَرٌ محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة.

بارك الله لي ولكم...

الأحد، 7 أغسطس، 2016

الاستغناء بالله تعالى

الاستغناء بالله تعالى
الحمد لله الغني الوهاب، الكريم اللطيف البر سريع الحساب، استغنى عن خلقه بغناه، وخلقُه كلهم مفتقرون لفضله وكرمه ولطفه، فهو الرحمن الرحيم الكريم الرزاق، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله وكريمُه وكليمه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله: إن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة. واتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا بدينكم فقد رضيه الله لكم دينًا، وسدّ كلَّ طريق إليه إلا طريقَ الإسلام (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
عبد الله، هل تعلم من هو أغنى الناس حقّا وأبسطهم رزقًا وأوفرهم حظًّا؟ إنه المستغني بالله عما سواه. فمن استغنى بالله حق الاستغناء أغناه الله تمام الغنى.
ومعنى الغِنى بالله والاستغناء به: طلب حصول الكفاية وسد الحاجة منه سبحانه دون من سواه.
واعلم أنه بحسَب تحقيق المؤمن للاستغناء بربه تعالى يكون غناه وسدّ فاقته ونُجعُه ونُجحُه وفوزه وفلاحه.
وبما أن الغنى هو محض فضل الله تعالى, وحيث أن أفضالَه لا تعد ولا تحصى ولا تحصر؛ فاقتضت حكمته سبحانه أن يجعل للغنى مراتبَ ودرجات, "ولما كان الفقر إلى الله سبحانه هو عين الغنى به, فأفقر الناس إلى الله أغناهم به وأذلهم له, وأعزهم وأضعفهم بين يديه أقواهم, وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله, وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله؛ كان ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين متناسبين.
 واعلم أن الغنى على الحقيقة لا يكون إلا بالله الغني بذاته عن كل ما سواه, وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر, كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع.
قال ابن القيم رحمه الله: لا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا مَن غِناه من لوازم ذاته, فهو الغني بذاته عما سواه, وهو الأحد الصمد الغني الحميد.
 والغنى قسمان: غنى سافل, وغنى عال.
 فالغنى السافل هو الغنى بالعواري المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث, وهذا أضعف الغنى فإنه غنى بظل زائل وعارية ترجع عن قريب إلى أربابها, فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها, وكأن الغنى بها كان حلمًا فانقضى, ولا همةَ أضعفُ من همة من رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل.
وهذا غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون وإياه يطلبون وحوله يحومون, ولا أحبَّ إلى الشيطان وأبعدَ عن الرحمن من قلب ملآنٍ بحب هذا الغنى والخوف من فقده.
 قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: مؤمن قتل مؤمنًا, ورجل يموت على الكفر, وقلب فيه خوف الفقر.
وهذا الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله, وفقر بعده, وهو كالغفوة بينهما. فحقيقٌ بمن نصح نفسه أن لا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه, بل إذا حصل له جعله سببًا لغناه الأكبر ووسيلة إليه, ويجعله خادمًا من خدمه لا مخدومًا له, وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبّدها لغير مولاه الحق, أو يجعلها خادمة لغيره.
وأما الغنى العالي: فهو بحصول ما يسد فاقة القلب ويدفع حاجته, وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة, لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنيّ الحميد, الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء, وإن فاته فاته كل شيء.
 فكما أنه سبحانه الغنيّ على الحقيقة ولا غني سواه, فالغنيّ به هو الغني في الحقيقة ولا غِنى بغيره البتة, فمن لم يستغن به عما سواه تقطّعت نفسه على السوى حسرات, ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة, وحضره كل سرور وفرح, والله المستعان. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح والدنيا أكبرُ همِّه جعل الله فقرَهُ بين عينيه, وشتّت عليه شمله, ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له. ومن أصبح والآخرة أكبر همّه جعل الله غناه في قلبه, وجمع عليه شملَه, وأتته الدنيا وهي راغمة" رواه أحمد.
ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنًا وظاهرًا, ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت) وقال سبحانه: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
وهذه الاستقامة ترقى بصاحبها إلى الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه, وهي أعلى درجات الغنى.
 فأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له, وأنه تعالى ذَكَرَكَ فيمن ذَكَرَهُ من مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك, فقدّر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئًا البتة, وذكرك تعالى بالإسلام فوفقك له واختارك له دون من خذله, قال تعالى: (هو سماكم المسلمين من قبل) فجعلك أهلًا لما لم تكن أهلًا له قط, وإنما هو الذي أهّلك بسابق ذكره, فلولا ذكره لك بكل جميل أولاكَهُ لم يكن لك إليه سبيل.
 ومن الذي ذَكَرَكَ باليقظة حتى استيقظت وغيرك في رقدة الغفلة مع النوّام؟ ومن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها وأوقعها في قلبك وبعث دواعيك وأحيى عزماتك الصادقة عليها حتى ثبت إليه وأقبلت عليه, فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها؟ ومن الذي ذكرك سواه بمحبته حتى هاجت من قلبك لواعجها, وتوجّهت نحوه سبحانه ركائبها, وعمَر قلبك بمحبته بعد طول الخراب, وآنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب؟ ومن تقرب إليك أولًا حتى تقربت إليه, ثم أثابك على هذا التقرب تقربًا آخر, فصار التقرب منك محفوفًا بتقربين منه تعالى, تقرّبٌ قبله وتقرب بعده, والحب منك محفوفًا بحبين منه, حب قبله وحب بعده, والذكر منك محفوفا بذكرين ذكر قبله وذكر بعده؟
 فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء, ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه. فهذه كلّها آثارُ ذكرِه لك.
 ثم إنه سبحانه ذَكَرَكَ بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس, فله عليك في كل طرفة عين ونفس نِعَمٌ عديدة, ذكرك بها قبل وجودك, وتعرّف بها إليك, وتتحبّب بها إليك, مع غناه التام عنك وعن كل شيء, وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده, إذ هو الجواد المحسنُ لذَاتِه, لا لمعاوضة, ولا لطلب جزاء منك, ولا لحاجة دعته إلى ذلك, كيف وهو الغني الحميد؟
 فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكَرك بها, فلتعظُمْ عندك لذكره لك بها, فإنه ما حَقَرَكَ مَن ذَكَرَكَ بإحسانه, وابتدأك بمعروفه, وتحبّب إليك بنعمته, هذا كله مع غناه عنك.
 فإذا شهد العبدُ ذكرَ ربه تعالى له, ووصل شاهدُه إلى قلبه؛ شغله ذلك عما سواه, وحصل لقلبه به غنى عالٍ لا يشبهه شيء. وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكُرُه ولا ينساه, فهو يحصل له - بشعوره بذكر أستاذه له - غنًى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له, فهذا هو غنى ذكرِ الله للعبد.
 وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" فهذا ذكرٌ ثانٍ بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول الذي ذكره به حتى جعله ذاكرًا, وشعورُ العبد بكلا الذكرين يوجب له غنًى زائدًا على إنعام ربه عليه وعطاياه له.
 والمقصودُ: أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغني قلبَه ويسدّ فاقته, وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم, فإن الفقر من كل خير حاصلٌ لهم, وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم.
بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:
الحمد لله..
عباد الله: أن العلم والتفكر في أسماء الله تعالى هو أقربُ طريق لبلوغ الغنى به سبحانه وبحمده. وجميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب سبحانه فإن العبد يستغني بها بقدر حظّه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها. فمن شهد مشهد علوّ الله على خلقه, وفوقيّته لعباده, واستواءه على عرشه, كما أخبر به أعرَفُ الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق, وتعبّد بمقتضى هذه الصفة, بحيث يصير لقلبه صَمَدٌ يعرج القلب إليه, مناجيًا له, مطرقًا, واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز, فيشعر بأن كَلِمَه وعَمَله صاعد إليه, معروض عليه بين خاصته وأوليائه؛ فيستحيي أن يصعد إليه من كَلِمِهِ ما يخزيه ويفضحه هناك.
ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس, إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه, فمراسمه نافذةٌ فيها كما يشاء, (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) فمن أعطَى هذا المشهد حقّه معرفة وعبودية؛ استغنى به.
وكذلك من شهدَ مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال, بل أحاط بذلك علمه كله علمًا تفصيليًّا, ثم تعبّد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه؛ عَلِمَ أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإراداته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه, علانية له بادية, لا يخفى عليه منها شيء.
 وكذلك إذا أشعر قلبه صفةَ سمعه سبحانه لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها, سواء عنده من أسرَّ القول ومن جهر به, لا يشغله جهرٌ من جهر عن سمعه لصوت من أسرَّ, ولا يشغله سمعٌ عن سمع, ولا تغلّطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها, بل هي عنده كلها كصوت واحد, كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة.
 وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله, الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء, ويرى تفاصيل خلق الذرّة الصغيرة ومخّها وعروقها ولحمها وحركتها, ويرى مدّ البعوضة جناحها في ظلمة الليل.
وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية, فحرس حركاته وسكناتِه, وتيقن أنها بمرأى منه سبحانه, ومشاهدةٍ لا يغيب عنه منها شيء.
 وكذلك إذا شهد مشهد القيّومية الجامع لصفات الأفعال, وأنه قائم على كل شيء, وقائم على كل نفس, وأنه بكمال قيوميته لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار, وعمل النهار قبل الليل, لا تأخذه سنة ولا نوم, ولا يضل ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفعِ مشاهد العابدين, وهو مشهد الربوبية.
 وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء, وهو شهادة أن لا إله إلا هو, وأن إلهية ما سواه باطل ومحال كما أن ربوبية ما سواه كذلك, فلا أحدَ سواه يستحق أن يُؤله ويُعبد ويُصلّى له ويُسجَد, ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله, فهو المُطاع وحده على الحقيقة, والمألوه وحده, وله الحكم وحده. فكل عبوديةٍ لغيره باطلةٌ وعناءٌ وضلال, وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها, وكل غنى لغيره فقر وفاقة, وكل عز بغيره ذل وصغار, وكل تكثّرٌ بغيره قلة وذلّة. فكما استحال أن يكون للخلق ربٌّ غيره؛ فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره, فهو الذي انتهت إليه الرغبات, وتوجّهت نحوه الطلبات.
فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء, وهو مشهدٌ جامع للأسماء والصفات, وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات.
فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها, وكل مشهد سواه فإنما هو مشهد لصفة من صفاته, فمن اتّسع قلبه لمشهد الإلهية, وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية, فقد تم له غناه بالإله الحق, وصار من أغنى العباد.
فيا لَه من غنًى ما أعظم خطره, وأجلَّ قدره, تضاءلت دونه الممالكُ فما دونها, وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له, والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديث النفس, ويطرده الانتباهُ من النوم.
 واعلم أن أعلى درجات الغنى بالرب سبحانه الفوزُ بوجوده, والفرحُ كلُّ الفرح به، وهذا الغنى هو أعلى درجاتِ الغنى.

اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه..