Follow by Email

الخميس، 7 ديسمبر 2017

علاج الوسواس

علاج الوسواس
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْبَرِّ الرَّحِيمِ، يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُتَقين، وَأَشْهَدُ ‏أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ‏عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ‏وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.‏ أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:(وَأَنْ ‏تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏بَصِيرٌ)‏ .‏
 أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن نعمة الإيمان نعمة عظيمة لا تضاهيها نعمة، ويكفي في هذا أن المؤمنين عندما يدخلون الجنة يعترفون بالفضل لله في هدايتهم، فيقولون: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف: 43]. اللهم اجعلنا ووالدينا وذرياتنا ممن يقولونها هناك.
عباد الرحمن: إن نعمة الإيمان لمن أجلِّ نعم الله - تعالى - على عباده، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاث من كُنَّ فيه، وجد بهنَّ حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعدما أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار))؛ متفق عليه.
فالمؤمن حصنه الحصين هو الإيمان، فبإيمانه يتعلق قلبه بالله، ويتوكل عليه، ويستعين به، ويلجأ إليه، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإيمان هو الذي يوجهه لفعل الخير، والبعد عن الشر، ويحميه من نزغات الشيطان ونفثه وهمزه.
ولو نظرنا إلى غالب من يعانون من وساوس الشيطان، لوجدناهم من ضعاف الإيمان والعلم؛ لأن الشيطان لا يتسلط على المؤمن القوي الإيمان العالم بأمور دينه، إنما يتسلط على ضعيف الإيمان الجاهل بأمور دينه، وأما أهل العلم والإيمان، فقلَّما يأتيهم بوساوسه، ويندر أن يشككهم في أمور عباداتهم.
عباد الله: إن الشيطان يقف للناس على كل طريق يوصل إلى الله والدار الآخرة؛ قال - تعالى - عنه: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
وقد وجه الله - تعالى - عباده إلى الحذر منه ومن متابعته، وأمر بعداوته ومخالفته؛ ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6]، وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرًا لنا من طاعته، وقطعًا للعذر في متابعته؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴾ [الأعراف: 27]، وأمرنا - سبحانه - بلزوم صراطه المستقيم، والبُعد عن اتباع السبل؛ قال - تعالى -: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ [الأنعام : 153].
عباد الله: إن وساوس الشيطان وخطراته لها أساليب وحِيَل كثيرة، فتارة تدخل في إيمان المسلم، وتارة في الطهارة، وتارة في النية، وتارة في الصلاة، وغير ذلك من عبادات المسلم، والشارع الحكيم وجه عباده إلى الحذر من تلك الوساوس ومجاهدتها، والاستعاذة بالله منها، فمنها:
أولاً: ما يرد على قلب المؤمن مما يعارض إيمانه بالله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - واليوم الآخر، فإنها لا تضرُّه ما دام أنه يعلم أنها باطلة، ويبغضها، ويكرهها، ويتألم منها، والشيطان إذا عجز عن إضلاله، وإخراجه عن دينه، اجتهد في أن يشوش عليه إيمانه؛ بإلقاء الوساوس التي تزعجه.
ولتطمئن نفسك إيها المؤمن أن تلك الوساوس لا تضرك فإن الله تعالى قد عفا لهذه الأمة ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.
جاء رجل إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال له: إني أُحدّث نفسي بالشيء، لئن أخرُّ من السماء أحب إليّ من أن أتكلم به، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة))؛ رواه أحمد، وفي لفظ آخر عند مسلم: قال له - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((ذاك صريح الإيمان))؛ يعني: كراهة هذا الوسواس، وبغضه، والنفرة منه من صحة الإيمان، فمثل هذه الوساوس لا تضر المؤمن ما دام أنه ثابت على عقيدته. إنما هي خطرات يلقيها الشيطان في فؤاده ليحزنه بها.
ثانيًا: التلبيس على المسلم في نيته: فترى بعض الناس يتلفظ بالنية خوفًا من بطلان عبادته، وما علم أن التلفظ بالنية بدعة، وأيضًا يجعله يتكلف إحضار تلك النية، وتكرار التلفظ بها، وهذا كله مخالف للشرع، فالنية محلها القلب، فهذا الذي جلس ليتوضأ قد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، ولا يكاد عاقل يفعل شيئًا من عباداته ولا غيرها بغير نية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل، ولو أراد إخلاء أفعاله عن نيته، لعجز عن ذلك، فلماذا يكلف الإنسان نفسه ما لا تطيق؟
ثالثًا: التلبيس عليه في الطهارة والوضوء، فيقول له: أنت ما غسلت فرجك، أو أن ثوبك قد مسته نجاسة، أو أنك لم تتوضأ الوضوء الصحيح، فيجعله يعيد غسل الأعضاء، ويطيل الغسل، ثم يوسوس له أنك لم تغسل هذا العضو أو ذاك، فيعيد، ويعيد؛ حتى يصبح في حيرة من أمره، وربما وسوس له في الإسراف في الوضوء. فلا تجوز الزيادة في غسل العضو على ثلاث مرات "فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم".
وربما كرر وضوءه فوق ثلاث، بل ربما تجاوز ذلك، وربما أعاد وأعاد، وقد ورد عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قوله في الوضوء: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء))؛ رواه أبو داود، وصححه الألباني.
رابعًا: التلبيس عليهم أثناء الصلاة، فربما يردد بعض الكلمات أو يرفع بها صوته، ويشوش بذلك على المصلين بجانبه، من أجل التحقق من أنه قد قالها، وربما يكرر الآية كاملة، بل ربما يعيد الصلاة مرة أخرى؛ خوفًا من أنه لم يقرأ الفاتحة، ويشعره أثناء صلاته أنه أحدث وهو لم يحدث، أو أنه لم يصلِّ الصلاة كاملة، أو أنه لم يأت بركن من أركانها، أو غير ذلك من صور التلبيس.
والدليل على ذلك ما رواه مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: "يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها عليّ، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ذاك شيطان يُقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته، فتعوَّذ بالله منه، واتْفُل على يسارك ثلاثًا))، قال: ففعلتُ ذلك، فأذهبه الله عنِّي"، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد؛ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))؛ رواه مسلم. وفي هذا حسم لمادة الوسوسة، فما لم تسمع أو تشم فأنت طاهر، وأمور العبادات مبنية على غلبة الظن بحمد الله كما قرره أهل العلم.
قال الإمام أحمد في من ظن خروج شيء من البول بعد الاستنجاء: لا تلتفت إليه، حتى تتيقن ، وَالْهَ عنه ، فإنه من الشيطان ، فإنه يذهب إن شاء الله .
أما سبب الوسوسة فهو عدة أسباب، ومن ذلك ما ذكره الجويني حيث قال: "إنّ للوسواس سببين: إما نقص في غريزة العقل، وإما جهل بأمور الشريعة الإسلامية".
إذًا السبب الأول هو نقص في غريزة العقل، وذلك أن كثيرا من الموسوسين في عقولهم ضَعف يتمكّن به الشيطان من التأثير على ذلك الإنسان، ومن الأمثلة على ذلك أنه جاء رجل إلى أحد علماء التابعين فقال له: يا إمام، إني أنغمس في الماء مرّة ومرتين وثلاثا ثم أخرج منه وما زلت أشكّ هل ارتفعت عني الجنابة أم، هل اغتسلت أم لا، فقال له العالم: اذهب فقد سقَطت عنك الصلاة، فلمّا ذهب الرجل قالوا للإمام: كيف قلت لهذا الرجل ما قلت؟! فقال: إنه مجنون، فالذي ينغمس في الماء ثلاث مرات ثم يشكّ أغتسل أم لا فهو مجنون، وقد صح عن النبي  أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاث))، وذكر منهم: ((والمجنون حتى يفيق))، وهذا مجنون.
أما السبب الثاني من أسباب الوسواس الذي ذكره الجويني رحمه الله فهو الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية، فيجهلون مثلا أحكام الطهارة والوضوء، فيقعون في الوسوسة في ذلك. فاستعينوا بالله على تقواه واستعيذوا به على مجاهدة الشيطان ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [فصلت : 36].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والعظات، والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، فاستغفروا الله يغفر لي ولكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
..........
الخطبة الثانية
الحمد لله... أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - اعلموا أن النجاة في قوة الإيمان، وحسن التوكل على الملك الديَّان. واعلموا أن الله تعالى لا يكلف المرء فوق طاقته، وأن خطرات الشيطان المزعجة والمروّعة لإيمانه لا تضره، وأنه قد عفا عن حديث النفس مهما بلغ حتى يفعل أو يتكلم.
عباد الله: قد يسأل البعض عن داء الوسوسة: هل له دواء؟ والجواب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء))؛ رواه البخاري.
فأهم دواء نافع لتلك الوساوس: هو الإعراض عنها بالكلية، حتى وإن كان في النفس من التردد ما كان، فإنه متى لم يلتفت لذلك لم يثبت، بل يذهب بعد زمن قليل، كما جرب ذلك الموفقون، وأما من أصغى إليها وعمل بقضيتها، فإنها لا تزال تزداد به؛ حتى تخرجه إلى حيز المجانين، بل تصبح حاله أشد منهم، كما شوهد في كثير ممن ابتلوا بها وأصغوا إليها وإلى شيطانها، وقد جاء التنبيه عليه من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمن ابتلي بالوسوسة بقوله: ((فليستعذ بالله ولْيَنْتَهِ))، وأرشد - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى من خطرت له تلك الخواطر أن يستعيذ بالله من الشيطان، ويقول: ((آمنت بالله ورسله))، وأن يُعرِضَ عن هذه الوساوس، ولا يشتغل بها، ولا يسترسل معها، بل يعرض عنها، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - أيضًا: ((يأتي أحدكم الشيطان، فيقول: مَن خَلَقَ كذا، مَن خَلَق كذا، حتى يقول: من خلق الله، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليَنُتَهِ، وليستعذ بالله))، وفي رواية: ((فليقل: آمنت بالله ورسوله))؛ رواه البخاري، ومسلم.
فتأملوا هذا الدواء النافع الذي علَّمه مَن لا ينطق عن الهوى لأُمَّته.
وقال العز بن عبد السلام: دواء الوسوسة أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطاني، وأن إبليس هو الذي أورده عليه وأنه يقاتله، فيكون له ثواب المجاهد؛ لأنه يحارب عدو الله، فإذا استشعر ذلك فرَّ عنه، وأنه مما ابتلي به نوع الإنسان من أول الزمان، وسلَّطه الله عليه محنة له؛ ليُحقَّ اللهُ الحقَّ، ويُبطلَ الباطل ولو كَرِهَ الكافرون.
أيها المؤمنون، وبعد فإن أنفع علاج في دفع الوسوسة الإقبالُ على ذكر الله - تعالى - والإكثار منه.
فعلى كل من ابتلي بذلك أن يترك تلك الوساوس ويعرض عنها، وعليه من الإكثار من تلاوة القرآن، والأعمال الصالحة، واللجوء إلى الله، والتضرُّع إليه ودعائه - سبحانه - أن يدفع عنه كيد الشيطان، وأن يلزم قراءة آية الكرسي، وسورةَ الإخلاص، والفلق، والناس، خاصة عند نومه، وأن يحافظ على أذكار الصباح والمساء، وأن يكثر من ذكر الله كثيرا فهو من أقوى الأسلحة لصدِّ تلك الوساوس.
وقال ابن القيم في معرض كشف شبهات أهل الوسوسة إن الصراط المستقيم الذي أمرنا باتباعه هو قصد السبيل ، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة ، فالميزان الذي يعرف به الاستقامة والجور هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الدين .

اللهم صل على محمد...

الخميس، 30 نوفمبر 2017

المشاهد العشرون التي تعين على الصبر عن المعصية

المشاهد العشرون التي تعين على الصبر عن المعصية
 الحمد لله..
عباد الله: قد ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا، وما ذاك إلا لشرفه وضرورة المؤمن له، ولما كان الصبر مأمورًا به جعل الله سبحانه له أسبابًا تعين عليه وتوصل إليه، وكذلك ما أمر الله سبحانه بالأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابًا تمدّه وتعين عليه، كما أنه ما قدّر داءًا إلا وقدّر له دواء، أو ضمن الشفاء باستعماله.
 فالصبر وإن كان شاقًّا كريهًا على النفوس فتحصيله ممكن، والمعاصي حفر الجحيم، ولا بد دون الوقوع فيها من الصبر بالله ولله، وأكبر معين على الصبر هو تقوية باعث الدين، فمع زيادة الأيمان تقوى نفس المؤمن ضد نزغات الشيطان. فإنه يكون بأمور:
 أحدهما: إجلال الله تبارك وتعالى أن يُعصى وهو يرى ويسمع، ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة.
 الثاني: مشهد محبته سبحانه، فيترك معصيته محبة له، فإن المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين، كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد.
 الثالث مشهد النعمة والإحسان، فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعل هذا لئام الناس، فليمنعه مشهد إحسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وإنعامه نازلًا إليه، ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه، فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك، فأقبح بها من مقابلة!
 الرابع: مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلًا عن هذا العبد الضعيف.
 الخامس: مشهد الفوات، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، ويزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعًا وعقلًا وعرفًا.
 ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان، الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافًا مضاعفة، فكيف أن يبيعه بشهوة تذهب لذاتها وتبقى تبعتها؟!
 تذهب الشهوة وتبقى الشقوة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" متفق عليه، وقال بعض التابعين: ينزع عنه الإيمان كما ينزع القميص، فإن تاب لبسه.
السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرّة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوّه من الآدميين، وأحلى موقعًا وأتم فرحة، وأما عاقبته فأحمدُ عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد، وأعاده إلى صحته واعتداله.
 السابع: مشهد العِوَض، وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العوض والمعوّض، فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.
 الثامن: مشهد المعية، وهو نوعان: معية عامة، ومعية خاصة.
 فالعامة اطلاع الرب عليه وكونه بعينه لا تخفي عليه حاله، والمقصود هنا المعية الخاصة كقوله تعالى: (ان الله مع الصابرين) وقوله: (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وقوله: (وان الله لمع المحسنين).
 فهذه المعية الخاصة خير وأنفع في دنياه وآخرته من قضاء وطره ونيل شهوته على التمام من أول عمره إلى آخره، فكيف يؤثر عليها لذةً منغّصة منكّدة في مدة يسيرة من العمر، إنما هي كأحلام نائم أو كظل زائل؟!
 التاسع: مشهد المعاجلة، وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله على غرّة فيُحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة، فيا لها من حسرة ما أمرها وما أصعبها! لكن ما يعرفها إلا من جربها.
 العاشر: مشهد البلاء والعافية، فانّ البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها.
 فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن مرضت أبدانهم.
 الحادي عشر: أن يعوّد باعث الدين ودواعيه مصارعة داعي الهوى ومقاومته على التدريج قليلًا قليلًا، حتى يدرك لذة الظفر فتقوى حينئذ همته، فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة تزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال.
 الثاني عشر: كفّ الباطل عن حديث النفس، وإذا مرّت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها، فإنها تصير أماني وهي رؤوس أموال المفاليس.
 ومتى ساكن الخواطر صارت أماني، ثم تقوى فتصير همومًا، ثم تقوى فتصير إرادات، ثم تقوى فتصير عزمًا يقترن به المراد! فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته.
 الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى، وليس المراد ألا يكون له هوى، بل المراد أن يصرف هواه إلى ما ينفعه، ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى، فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه.
 فإن كل شيء من الإنسان يستعمله لله فإن الله يقيه شر استعماله لنفسه وللشيطان، وما لا يستعمله لله استعمله لنفسه وهواه ولا بد، فالعلم ان لم يكن لله كان للنفس والهوى، والعمل إن لم يكن لله كان للرياء والنفاق، والمال إن لم ينفق في طاعة الله أنفق في طاعة الشيطان والهوى، والجاه إن لم يستعمله لله استعمله صاحبه في هواه وحظوظه، والقوة إن لم يستعملها في أمر الله استعملته في معصيته.
 فمن عود نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس.
 الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات الله التي ندب عباده إلى التفكر فيها، وهي آياته المتلوة وآياته المجلوّة، فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاضرة الشيطان ومحادثته ووسواسه.
 وما أعظم غبن من أمكنه ألا يزال محاضرًا للرحمن وكتابه ورسوله والصحابة فرغب عن ذلك إلى محاضرة الشيطان من الإنس والجن، فلا غبن بعد هذا الغبن، والله المستعان.
 الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعًا إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب، فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذَّب به ويناله بسببه غاية الألم؟! بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه وغبنًا.
 السادس عشر: تعرّضُه إلى مَنِ القلوب بين أصبعيه وأزِمّةُ الأمور بيديه وانتهاء كل شيء إليه على الدوام، فلعله أن يصادف أوقات النفحات، كما في الأثر المعروف: "إن لله في أيام دهره نفحات، فتعرّضوا لنفحاته، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم". رواه الطبراني عن أنس مرفوعًا وحسنه الألباني.
 ولعله في كثرة تعرضه أن يصادف ساعة من الساعات التي لا يُسأل اللهُ فيها شيئًا إلا أعطاه!
ولا يستوحش من ظاهر الحال، فإن الله سبحانه يعامل عبده معاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء في صفاته، فإنه ما حرمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليُحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال.
فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه، ويعطيه بحرمانه، ويُصحُّه بسقمه، فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلًا إلا إذا كانت تغضبه عليه وتبعده منه.
 السابع عشر: أن يعلم العبد بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين، فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكلما انقاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين.
 ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل؛ فلينظر أين روحه في هذا العالم؟
اللهم ارحمنا برحمتك وألهمنا الصبر الجميل واجعلنا من الصابرين إله الحق، بارك الله لي ولكم..
.......
الخطبة الثانية
الحمد لله..
الثامن عشر: أن يعلم العبد أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة، وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع، فمتى لم يفرَغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلًّا قابلًا ينزل فيه، وإن فرّغه حتى أصابه غيث الرحمة ولكنه لم ينقّه من الدغل لم يكن الزرع زرعًا كاملًا، بل ربما غلب الدغل على الزرع فكان الحكم له.
 وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع، ويُودع فيها البذور وينتظر نزول الغيث، فإذا طهّر العبد قلبه وفرّغه من إرادة السوء وخواطره وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص وعرّضه لمهاب رياح الرحمة وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه؛ كان جديرًا بحصول الغلة.
 وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة.
 ولا سيما إذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وعظم الجمع كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة، فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسبابٌ نصبها الله تعالى مقتضيةً لحصول الخير ونزول الرحمة، كما نصب سائر الأسباب مقتضيةً إلى مسبباتها، بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها، ولكن العبد بجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب، والحس على العقل، ولظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه.
 ولو فرّغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب، فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو زال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب. فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المُعطشة المُجدبة سدٌّ كثيف، فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه!
 التاسع عشر: أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعزٍّ لا ذل معه، وأمنٍ لا خوف فيه، وغَنَاء لا فقر معه، ولذة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه.
 وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعزِّ الذي يقارنه الذل ويعقبه الذل، والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف، وكذلك الغناء واللذة والفرح والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضده لأنه يتعقبه ضده، وهو سريع الزوال.
 فغلط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله ففاتهم في محله، وأكثرهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، والذي ظفر به إنما هو متاع قليل والزوال قريب، فإنه سريع الزوال عنه.
 والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير، فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه، فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمَن دونهم، فإن الزهد في الدنيا مُلْكٌ حاضر، والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على ألا يصل إليه.
 فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقًّا، لأن صاحب هذا المُلْك حُرّ، والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مُسخَّر مملوك في زي مالك، يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير!
 فالمغرور المخدوع يقطع نظره على الملك الظاهر الذي صورته مُلْكٌ وباطنه رِقٌّ، وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة.
 والبصير الموفّق يعير نظره من الأوائل إلى الأواخر، ومن المبادئ إلى العواقب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
 العشرون: ألا يغتر العبد باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كاف في حصول المقصود، بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله، واستفراغ الوسع والطاقة فيه، ومِلاك ذلك الخروج عن العوائد، فإنها أعداء الكمال والفلاح، فلا أفلح من استمر مع عوائده أبدًا، ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمع بالدجال فلينأ عنه". رواه أبو داود، فما استُعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه.
 وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يُظهر له في مظانّ الشر بعض شيء من الخير، ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة، والله اعلم.
اللهم صل على محمد..

(عدة الصابرين (102 – 113)

الخميس، 9 نوفمبر 2017

أسباب معينة على الصبر على البلاء

أسباب معينة على الصبر على البلاء
أسباب معينة على الصبر على البلاء
الحمد لله..
عباد الرحمن إن المؤمن مبتلى، وقد أهبطه الله تعالى للأرض ليبلوه أيحسن أو يسيء،  فالسعيد من عاد لربه وقد أفلح وأنجح، وقد خاب من أولاد آدم من رجع بخيبته وخسارِه، وربنا تبارك وتعالى يقول: (ولبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)
واعلموا أن ثمّة أسبابٌ معينةٌ بإذن الله على الصبر على البلاء. قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى:
"أحدها: شهود جزائها وثوابها.
 الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
 الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.
 الرابع: شهوده حقِّ الله عليه في تلك البلوى، وواجبُه فيها الصبرُ بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.
 الخامس: شهود ترتّبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغلُه شهودُ هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة، قال علي بن أبي طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة.
 السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبوديةَ تقتضي رضاه بما رضي له به سيدُه ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم.
 السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه، فيذهب نفعه باطلًا.
 الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم مالم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره، قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال الله تعالى: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) وفي مثل هذا القائل:
 لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
 التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليَه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا، فإن ثبت اصطفاهُ واجتباه، وخلع عليه خِلَعً الإكرام، وألبسه ملابس الفضل، وجعله من أولياءه وحزبه.
 وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرد وصُفع قفاه وأُقصي، وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأنّ المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعمًا عديدة.
 وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيعُ القلب في تلك الساعة، والمصيبةُ لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان، لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
 العاشر: أن يعلم أن الله يُربّي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء، فيستخرجُ منه عبوديتَه في جميع الأحوال، فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال.
 وأما عبدُ السراء والعافية الذي يعبدُ الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته.
 فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الأيمان النافعُ وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمانٌ يثبُت على البلاء والعافية، فالابتلاء كَيْرُ العبد، ومحكّ إيمانه، فإما أن يخرج تبرًا أحمرَ وإما أن يخرج زَغَلًا محضًا، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبيةُ ونحاسية، فلا يزال به البلاء حتى يُخرج المادةَ النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا.
 فلو علم العبد أن نعمةَ الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية؛ لشغلَ قلبَه ولسانه بشكره، ولقال: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" رواه أبو داود بسند صحيح.
وكيف لا يشكر من قيّض له ما يستخرج خبثَه ونحاسه وصيّره تِبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظرِ إليه في داره.
 فهذه الأسباب ونحوُها تثمر الصبرَ على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، وألا يفضحنا بابتلائه، بمنه وكرمه"(1).
بارك الله لي ولكم..
..............
الخطبة الثانية:
الحمد لله..
عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة". رواه الترمذي. أي بصبّ البلاء والمصائب عليه جزاء لما فرّط من الذنوب منه، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة، ومَن فعل ذلك به فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلًا في الدنيا خف جزاؤه عليه، حتى يكفّر بالشوكة يشاكُها، حتى بالقلم يسقط من الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من دنسه.
 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" رواه الدارمي بسند حسن. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" رواه ابن حبان بسند حسن.
قال شيخ الإسلام: المصائب نعمة لأنها مكفرات للذنوب، ولأنها تدعو إلى الصبر فيثاب عليها، ولأنها تقتضي الإنابة الى الله والذل له والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.
فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، ومعلوم أن هذا من أعظم النعم، ولو كان رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفف الله عنه عذابه بمصائبه، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق الا أن يدخل صاحبَها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع حصل له من الجزع والسخط والنفاق ومرض القلب أو الكفر الظاهر أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررًا في دينه بحسَب ذلك، فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة المصيبة.
 كما أن من أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمةً للخلق، والله تبارك وتعالى محمود عليها، فإن اقترن بها طاعةٌ كان ذلك نعمةً ثانية على صاحبها، وإن اقترن بها للمؤمن معصية فهذا مما تتنوع فيه أحوال الناس كما تتنوع أحوالهم في العافية.
 فمن ابتلى فرُزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعد ما كفّر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاةَ ربه عليه حيث قال: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، وهذا من أعظم النعم. فالصبر واجب على كل مصاب فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك.
 وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه" أي أخّر عنه العقوبة بذنبه "حتى يُوافِي به يوم القيامة" أي لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب وافيها، فيستوفي ما يستحقه من العقاب.
  وهذا – يا عباد الله -  مما يزهد العبد في الصحة الدائمة خوفًا أن تكون طيباتُه عُجّلت له في الحياة الدنيا، والله تعالى لم يرض الدنيا لعقوبةِ أعدائه كما لم يرضها لإثابة أوليائه، بل جعل ثوابهم أن أسكنهم في جواره ورضي عنهم كما قال تعالى: (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر)

1- طريق الهجرتين (1 / 502)


الأربعاء، 8 نوفمبر 2017

مقويّات الصبر عن معصية الله تعالى

مقويّات الصبر عن معصية الله تعالى
الحمد لله والصلاة والسلام والبركة على نبيه ومصطفاه وعلى آله وصحبه، وبعد: فإن المؤمن الناصحَ لنفسه الراغبَ لخيرِها وفلاحِها وسعادتها حريصٌ على الدوام على كل ما فيه مصالحُها وحراستها من كل شر يحيط بها، ولمّا كان رأس الشر عصيان الرحمن كان على المؤمن التجافي عن الخطيئة قدر طاقته، قال ربنا تبارك وتعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين)
فالمؤمن يتطلّب الأسباب الشرعية المفضية لبعده عن المعصية حتى يسلم من غوائل السقوط من عين الله تعالى، وقد ذكر الإمام ابن القيم عشرة من الأسباب المانعة من وقوع العبد في معصيه مولاه تعالى فقال:
"أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانةً وحماية عن الدنايا والرذائل كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره، وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يُعلّق عليها وعيد بالعذاب.
 السبب الثاني: الحياء من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظر الله إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييًّا استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
 السبب الثالث: مراعاةُ نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد، فما أذنب عبد ذنبًا إلا زالت عنه نعمةٌ من الله بحسَب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها وإن أصر لم ترجع إليه (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم). ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمه حتى تسلب النعم كلها، قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
 وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها. وقال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحرمت قيام الليل سنة! وقال آخر: أذنبت ذنبًا فحرمت فهم القرآن، وفي مثل هذا قيل:
 إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
 وبالجملة فإن المعاصي نار النعم، تأكلها كما تأكل النار الحطب عياذا بالله من زوال نعمته وتحوّل عافيته.
 السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده، والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما، قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا والاغترار بالله جهلًا.
 السبب الخامس: محبةُ الله، وهي أقوى الأسبابِ في الصبر عن مخالفته ومعاصيه، فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى.
 وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانِها، وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده، وفي هذا قال عمر: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه. يعني أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته.
 فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه، يرعى قلبه وجوارحه. وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامُه.
 وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبةَ المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة، وإلا فالمحبةُ الخالية عنهما إنما توجب نوعَ أنسٍ وانبساطٍ وتذكر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرُها وموجبها، ويفتش العبدُ قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه! وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم.
 فما عَمَر القلبَ شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه. وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
 السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأَنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع من قدرها وتخفض منزلتها وتحقرها وتسوي بينها وبين السفلة.
 السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها والضرر الناشئ منها؛ من سواد الوجه وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وألمه وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعرّيه من زينته، والحيرة في أمره، وتخلي وليِّه وناصرِه عنه، وتولّي عدوّه المبين له، وتواري العلم الذي كان مستعدًّا له عنه، ونسيان ما كان حاصلًا له أو ضعفه ولا بد، ومرضِه الذي إذا استحكم به فهو الموت ولا بد، فإن الذنوب تميت القلوب.
 ومنها زوال الرضى واستبدالُه بالسخط، ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكونِ إليه والإيواءِ عنده واستبدالُه بالطرد والبعد منه، ومنها وقوعه في بئر الحسرات فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرًا أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعافُ أضعافِ ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه، فيا لها نارًا قد عُذب بها القلبُ في هذه الدار قبل نار الله المُوقَدة التي تطلع على الأفئدة!
 ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف بدنه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة، فتبدَّل بها مهانةً وحقارة، ومنها حصولُ البُغضةِ والنفرةِ منه في قلوب الناس، ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسِها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه ولا يعود إليه أبدًا.
 ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نُكت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب منها صُقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أخرى، ولا تزال حتى تعلوَ قلبه فذلك هو الران، قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
 ومنها أنه يحرمُ حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيدِ الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد.
 ومنها إعراضُ الله وملائكته وعبادِه عنه، فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه، فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه.
 ومنها أن الذنبَ يستدعي ذنبًا آخر، ثم يقوى أحدُهما بالآخر فيستدعيان ثالثًا، ثم تجتمع الثلاثة فتستدعي رابعًا وهلم جرا حتى تغمرَه ذنوبُه وتحيطُ به خطيئته! قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنةُ بعدها، ومن عقوبة السيئةِ السيئةُ بعدها.
 ومنها علمه بأن أعمالَه هي زادُه ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجُناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته ووَلايته.
 ومنها علمه بأن عملَه هو وليُّه في قبره، وأنيسُه فيه وشفيعه عند ربه، والمخاصمُ والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه.
ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسَب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوي به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسَب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث تستقر به، قال الله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة، بل أغلقت عنها، وأهلُ الإيمان والعملِ الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحةً لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه؛ فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين.
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيطَ بها العبدُ علمًا، وآثارُ الطاعة الحسنة أكثرُ من أن يحيطَ بها علمًا، فخيرُ الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته. وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: "من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي، ومن ذ الذي عصاني فسعد بمعصيتي".
بارك الله لي ولكم...

..........................
الخطبة الثانية:
الحمد لله... 
 السبب الثامن: قصرُ الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمِع على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلّة مُقامه وسرعة انتقاله حريصٌ على ترك ما يُثقله حملُه ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضر من التسويف وطول الأمل.
 السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضول، فإنها تطلب لها مصرِفًا فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام.
 ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالتُه وفراغُه، فإن النفس لا تقعد فارغةً، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولا بد.
 السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها ثباتُ شجرة الإيمان في القلب، فصبرُ العبد عن المعاصي إنما هو بحسَب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشر قلبُه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له وتحريمه لما حرم عليه وبغضِه له ومقته لفاعله، وباشر قلبُه الإيمانَ بالثواب والعقاب والجنة والنار امتنع من ألا يعمل بموجب هذا العلم.
ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، فإذا قوي سراج الإيمان في القلب وأضاءت جهاته كلها به وأشرق نوره في أرجائه سرى ذلك النورُ إلى الأعضاء وانبعث إليها، فأسرعت الإجابةَ لداعي الإيمان، وانقادت له طائعةً مذللةً غيرَ متثاقلةٍ ولا كارهة، بل تفرح بدعوته حين يدعوها كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسنِ إليه إلى محل كرامته، فهو كل وقت يترقب داعيه ويتأهب لموافاته، والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
(عن طريق الهجرتين لابن القيم رحمه الله (1 / 404 - 415) باختصار.)


الثلاثاء، 25 يوليو 2017

التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات

 التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات
الحمد لله على نِعَم لا تُحصى عددًا، وما أقضي بالحمد حقًّا، وأشكره ولم يزل للشكر مستحقًّا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المالكُ للرقاب كلِّها رقًّا، كوَّن الأشياء وأحكمها خلقًا، وفتق السماء والأرض وكانتا رَتْقًا، و قسم العباد فأسعد وأشقى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ﴾
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف الخلائق خَلْقًا وخُلُقا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وتقى، أما بعد:
 فلا إيمان إلا بتعلق, ولا عبودية إلا بتعلق, ولا إسلام إلا بتعلق, فمدار الدين على تعلّق القلب برب العالمين من جهة ربوبيته له وإحاطته به وحفظه وإمداده ورزقه, ومن جهة إلاهيته وحبه وعبادته وتوجّهه وإسلامه. فقلب المؤمن معلّق بربّه مهما باشرت يده تقليب الأسباب.  
والمؤمن يعلم أن الملك ملك الله, والخلق خلقه, والعبيد عبيده, فهو لا ينفك عن تعلقه بمن هذا شأنه سبحانه وبحمده.
والمؤمن الموفق يعلم أن الله خلقه لعبادته, وأن زبدة رسالة المرسلين هي تحقيق التوحيد وتجريد العبودية وحده لا شريك له "ولما بعث صلوات الله وسلامه عليه صار يقول للناس: "قولوا: لا إله إلا الله" رواه أحمد بسند صحيح. ومعنى لا إله إلا الله: أن يكون التألّه - الذي هو حب القلب وخوفه ورجاؤه - لله وحده، فلا يكون القلب متعلقاً بغير الله جل وعلا.
والمتعلق بالله لا يُخذل في أشد الأهوال ولا يُنسى مع تتابع الكروب, بل تتتابع عليه ألطاف الملك الوهاب, وتتوالى عليه أمداد اللطيف الخبير, وهو ذاكرٌ لربه في كل حال, حتى مع التحام الأقران بتوالي الطعان ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
والمتعلق بالله لا تضيق عليه المخارج عند ادلهام الخطوب وتكاثف الغموم, قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "ضاق بي أمر أوجب غمًّا لازمًا دائمًا، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه. فما رأيت طريقاً للخلاص. فعرَضت لي هذه الآية: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً " فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم. فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج.
فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج.
ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله عز وجل كافيه فلا يعلق قلبه بالأسباب، فقد قال عز وجل: (ومنْ يتوكلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حسبهُ ).
والمتعلق بالله بصير بحاله, عليم بعاقبة أفعاله, يعلم من أين يؤتى لذلك قلّت ذنوبه, حسن الظن بالمولى لذلك كثرت ضراعته وعظمت رغائبه, ويعلم أن لمولاه حِكَمٌ في تأخير إجابة دعواته أحيانًا.
عباد الله:  مَن تعلق بربه ومولاه كفاه ووقاه، وحفظه وتولاه؛ فهو نعم المولى ونعم النصير. ومَن تعلق بغيره وَكَلَه الله إلى مَن تعلق به؛ وخَذَلَه. قال وهبُ بن منبه: "أوحى الله تبارك وتعالى إلى نبيه داوُد عليه السلام: يا داوُد! أما وعزّتي وعظمتي لا يعتصم بي عبدٌ من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن مخرجاً، أما وعزّتي وعظمتي لا يعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوقٍ دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعتُ أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدمه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك" رواه أحمد.
إن المتعلق بالله لا يخشى غيرَه ولا يخاف سواه, لعلمه أن المخلوقين مهما أوتوا من قوة وخبرة وسلطان وبطش فلا يخرجون عن قَدَره وقُدرته طرفة عين, ولو اجتمعوا على أن ينفعوا أو يضروا أحدًا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون.
ومن تعلق بغير ربه فقد حكم على نفسه الحرمان وختمها بالخذلان, وأصل مادّة الشر في العالم هي من تعلق المخلوق بغير خالقه, وتأله قلبه لغير إلهه الحق, فما دخل القلب شرك بالله إلا من باب التعلق, فليعتن اللبيب الناصح لنفسه غاية العناية بحراسة هذا الباب لقلبه.
قال شيخ الإسلام: «والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله؛ فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرَك به شيء" قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "والله ما صدق اللهَ في عبوديته مَنْ لأحد من المخلوقين عليه ربَّانية".
وقال ابن القيم رحمه الله: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحَمَل عنه كل ما أهمه، وفرَّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمَّله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم؛ فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره.
فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته"
عباد الرحمن: وللتعلق بالله تعالى علامات ومنارات.
فمنها: الخضوع والخشوع لربه: فإذا تعلّق المؤمن بربّه فإنه يذل لأمره ويخضع ويخشع, ويعلم أن الأمر كله لله, وأن الدين دينه, فمهما جرت به رياح الأحكام فهو جارٍ معها رخيّةً كانت عليه أو شديدة, فالله خلقه ليبتليه وليظهر رسوخ قدمه في التسليم لأمره وشرعه. 
ومنها: الاستعداد للرحيل: ذلك أن المتعلق بالله مستعدٌّ للرحيل على الدوام, حازمٌ أمره قبل الموت, حاملٌ زاده قبل الفوت, حبلُ أمله في الدنيا أقصر من كراع نملة, وفي الآخرة أوسع من شعاع الشمس "ويجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعداً.
وَيَبكي عَلى الموتَى ويَترُكُ نفسه     ويزعَمُ أَنَّ قَد قَلَّ عَنها عَزَاؤُهُ
ولَو كانَ ذا رأىٍ وعقلٍ وَفِطنَةٍ      لكانَ عَليهِ لا عَليهِم بُكَاؤُهُ
ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان. ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا:
يعمّر واحدٌ فيغرّ قومًا      ويُنسى من يموت من الشبابِ
ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه. فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلاً. وإنما يقدم المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة لطول الأمل.
وإن لم تستطع قصر الأمل فاعمل عمل قصير الأمل. ولا تمسِ حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة فامحها بتوبة، أو خرقاً فارقعه باستغفار. وإذا أصبحت فتأمل ما مضى في ليلك. وإياك والتسويف فإنه أكبر جنود إبليس.
ومنها: تجديد التوبة النصوح: فالمتعلق بالله محسن لمتابه, فهو يعلم ان قلبَه محلُّ نظر ربه تعالى الذي لا تخفى عليه خافية, والحذرَ الحذر من المعاصي. فإن عواقبَها وخيمة.
فوا أسفاً لمعاقَبٍ لا يحس بعقوبته. قال ابن سيرين: عيرت رجلاً بالفقر فافتقرت بعد أربعين سنة.
فالله الله في تجويد التوبة وتجديديها عساها تكف كف الجزاء. والحذر الحذر من الذنوب خصوصاً ذنوب الخلوات. فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما بينك وبينه في السر يصلح لك أحوال العلانية.
ومن علامات التعلق بالله: إحسان الظن بالمولى الكريم: فالمتعلق بربه كلّه أمل في فضله وكرمه وسعة رحمته, وتهش نفسه وتطرب لسماع البشارات للمؤمنين سائلًا ربه أن يسلكه سبيلهم, فهو منتظر لرحمة ربه في الآخرة, راغبًا راهبًا محبًّا, يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله..
عباد الله: ومن علامات التعلق بالله تعالى: حراسةُ الوقت من الضياع: فالمتعلق بالله يعلم أن عمره قصير, وأن سنينه مهما امتدت وبسطت فمناه وآماله أكبر وأبعد من أن تحتويها, لذلك فهو يعمر الباقية ولو بخراب الفانية, فيجعل الدنيا معينة على تحصيل فوز الآخرة وفلاح الباقية, مجتهد في عمارة وقته بذكر الله وما والاه, مقدمٌ الأهم على المهم, متكامل في توزيع جهده, منظمٌ في ترتيب وقته, يقطع بحسن نيته وقوة عزيمته ما لا يقطعه الأفذاذ من أقرانه, متعلق بكليته بالله واثقٌ به متوكلٌ عليه مفوض أموره إليه.
يحزن للساعة التي يغفل فيها عن ربه, فإن اختلستها نفسه الأمارة, واستلبها القرين الرجيم حمل عليهما بنفس لوّامة لهما, فاستعاض عما سلف من غفلته بتدارك ما استقبله والاجتهادِ في تعويض ما فاته, فاطمأنت نفسه للخير الذي ترجوه, والأمل الذي ترقبه, فهو بين ادّكار واعتبار وفرح واستبشار, متقلب على مراضي ربه, مراوح بين الفرض والنفل, قد جهز راحلتي صبره وشكره, وزاملةَ زاد التقوى.
ومنها: توحيد التعلق بالله دون من سواه: وتفكر في قصة خطبة الصديق عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف علّق الناس برب الناس لا بغيره من مخلوقاته, فخطب الناس قائلًا: "أما بعد: فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر رضي الله عنه، فتلاها منه الناس كلهم؛ فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها" رواه البخاري. فأبو بكر رضي الله عنه قد احتمل هذ الخطب الجسيم لأن قلبه كان شديد التعلق بالخالق فوفّقه في ساعة الشدة, وتأمل فقهه بقوله: "فإن الله حي لا يموت" فيا لله! كم فيها للمؤمنين من ذخرٍ ورضى.
ومن العلامات: شدةُ الحرص على موارد حياة القلب ودفع أسباب ضعفه وموته. فلما كان القلب هو قطب رحى الإرادة, وصندوق ذخائر الإيمان, وبصلاحه صلاح النفس وفلاح المصير؛ كان له المحل الأرفع في استصلاحه وتنمية موارد الخير فيه والعمل على حراسته من غوائل الشيطان. ومن كان هذا حاله فهو البصير حقًّا والعاقل صدقًا, وعلى قدر صلاح القلب تكون نسبةُ تحسسه من دغل الذنوب وتفرسه في مآلاتها في حاله ومآله.
والمتعلق بالله حريص للغاية على رعاية أحوال قلبه. فالمتعلق بالله عن علم يخشى سقوطه من عين ربه لأدنى زلة, وخوفه من الله وخشيته وهيبته على قدر علمه به.
كما أنه يوطّن نفسه دائمًا لأحسن الأحوال مع الله مع اختلاف الأحوال عليه.
ومن أمارات التعلق بالله تعلقُ القلب ببيوت الله: فلما تعلق قلبه بربه هفت نفسه لبيوت الله التي رُفعت لذكره (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) فالمسجد هو قطب رحى راحة المؤمن فإذا خرج منه أحس ببَضعة منه بقيت خلفه فلا يطمئن حتى يعاودها، فهو ينتقل من صلاة لقراءة لذكر لتفكر لدعاء حتى اختلط حب المسجد بلحمه ودمه وعصبه، وكذلك المؤمنة في مصلاها في قعر بيتها فسلوتها وراحتها في صلاتها وذكرها ودعائها.

ويكفي المؤمن الذي أمسى بهذا الحنين لموطن السجود بشارةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجل قلبه معلق بالمساجد" متفق عليه. فالمؤمن من عُمّار بيوت الله بقلبه وقالبه. والحمد لله رب العالمين. 

الرابط

التعلق بالله تعالى.. الفضل والعلامات