Follow by Email

السبت، 25 فبراير، 2017

عبر من قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر.

عبر من قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر.
الحمد لله..
فإن الله تعالى قد قص في كتابه قَصصًا لنعتبر بها ونتفكّر في مآلاتها ونستلهمَ عِبرها ونقتديَ بمواطن الاستقامة فيها ونزيدَ بصائرنا نورًا بضيائها، فقال جل اسمه: (فاقصص القَصص لعلهم يتفكرون)
ومن تلك القَصص قِصة عجيبة فريدة وهي قصة موسى الكليم عليه السلام مع العبد الصالح الخصر، فقد روى الشيخان عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "قَامَ مُوسى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحى اللهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعُ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ الْمِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَكَانَ لِمُوسى وَفَتَاهُ عَجَبًا فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ مُوسى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هذَا نَصَبًا وَلَمْ يَجِدْ مُوسى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ قَالَ مُوسى: ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًى بِثَوْبٍ (أوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ) فَسَلَّمَ مُوسى فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ فَقَالَ: أَنَا مُوسى فَقَالَ: مُوسى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا يَا مُوسى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرًا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلاَّ كَنَقْرَةِ هذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسى نِسْيَانًا فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ مُوسى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بَغَيْرِ نَفْسٍ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَأَقَامَهُ قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسى: لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ: هذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قَالَ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ مُوسى لَوَدِدْنَا لَو صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا.
قال السِّعدي رحمه الله تعالى: وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله. فمنها فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
ومنها: البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل.
ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ }
ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا }
ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله: { آتِنَا غَدَاءَنَا } إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعا.
ومنها: أن المعونةَ تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } والإشارة إلى السفر المجاوز، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب، مع طوله.
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره.
وأما قوله في آخر القصة: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا }
ومنها: أن العلم الذي يُعلّمه الله لعباده نوعان:
علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده. ونوع علم لدنّي، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا }
ومنها: التأدبُ مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطفَ خطاب، لقول موسى عليه السلام: { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } فأخرج الكلام بصورة الملاطفة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر.
ومنها: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر.
ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها لقوله: { تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ } أي: مما علمك الله تعالى.
ومنها: أن العلم النافع، هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك، فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: { أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }
ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه.
ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود.
ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول { إِنْ شَاءَ اللَّهُ }
ومنها: أن العزم على فعل الشيء، ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا } فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل.
ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله، ولا في حقوق العباد لقوله: { لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ }
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر.
ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبرَ، وعدمَ المبادرة إلى الإنكار.
ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعي أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإنّ قَتْلَ الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما، أعظم شرا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته، وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها، داخل في هذا.
ومنها: القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير. كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن.
ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا }
ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته.
ومنها: أن خدمةَ الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح.
ومنها: استعمالُ الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } وأما الخير، فأضافه إلى الله تعالى لقوله: { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } كما قال إبراهيم عليه السلام { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وقالت الجن: { وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } مع أن الكل بقضاء الله وقدره.
ومنها: أنه ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه في حال من الأحوال، ويترك صحبته، حتى يُعتِبَه، ويُعذَرَ منه، كما فعل الخضر مع موسى.
ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قَدَرٌ محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة.

بارك الله لي ولكم...

الأحد، 7 أغسطس، 2016

الاستغناء بالله تعالى

الاستغناء بالله تعالى
الحمد لله الغني الوهاب، الكريم اللطيف البر سريع الحساب، استغنى عن خلقه بغناه، وخلقُه كلهم مفتقرون لفضله وكرمه ولطفه، فهو الرحمن الرحيم الكريم الرزاق، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله وكريمُه وكليمه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد عباد الله: إن خيرَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة. واتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا بدينكم فقد رضيه الله لكم دينًا، وسدّ كلَّ طريق إليه إلا طريقَ الإسلام (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
عبد الله، هل تعلم من هو أغنى الناس حقّا وأبسطهم رزقًا وأوفرهم حظًّا؟ إنه المستغني بالله عما سواه. فمن استغنى بالله حق الاستغناء أغناه الله تمام الغنى.
ومعنى الغِنى بالله والاستغناء به: طلب حصول الكفاية وسد الحاجة منه سبحانه دون من سواه.
واعلم أنه بحسَب تحقيق المؤمن للاستغناء بربه تعالى يكون غناه وسدّ فاقته ونُجعُه ونُجحُه وفوزه وفلاحه.
وبما أن الغنى هو محض فضل الله تعالى, وحيث أن أفضالَه لا تعد ولا تحصى ولا تحصر؛ فاقتضت حكمته سبحانه أن يجعل للغنى مراتبَ ودرجات, "ولما كان الفقر إلى الله سبحانه هو عين الغنى به, فأفقر الناس إلى الله أغناهم به وأذلهم له, وأعزهم وأضعفهم بين يديه أقواهم, وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله, وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضاة الله؛ كان ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين متناسبين.
 واعلم أن الغنى على الحقيقة لا يكون إلا بالله الغني بذاته عن كل ما سواه, وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر, كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع.
قال ابن القيم رحمه الله: لا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا مَن غِناه من لوازم ذاته, فهو الغني بذاته عما سواه, وهو الأحد الصمد الغني الحميد.
 والغنى قسمان: غنى سافل, وغنى عال.
 فالغنى السافل هو الغنى بالعواري المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث, وهذا أضعف الغنى فإنه غنى بظل زائل وعارية ترجع عن قريب إلى أربابها, فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها, وكأن الغنى بها كان حلمًا فانقضى, ولا همةَ أضعفُ من همة من رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل.
وهذا غنى أرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون وإياه يطلبون وحوله يحومون, ولا أحبَّ إلى الشيطان وأبعدَ عن الرحمن من قلب ملآنٍ بحب هذا الغنى والخوف من فقده.
 قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: مؤمن قتل مؤمنًا, ورجل يموت على الكفر, وقلب فيه خوف الفقر.
وهذا الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله, وفقر بعده, وهو كالغفوة بينهما. فحقيقٌ بمن نصح نفسه أن لا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه, بل إذا حصل له جعله سببًا لغناه الأكبر ووسيلة إليه, ويجعله خادمًا من خدمه لا مخدومًا له, وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبّدها لغير مولاه الحق, أو يجعلها خادمة لغيره.
وأما الغنى العالي: فهو بحصول ما يسد فاقة القلب ويدفع حاجته, وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة, لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنيّ الحميد, الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء, وإن فاته فاته كل شيء.
 فكما أنه سبحانه الغنيّ على الحقيقة ولا غني سواه, فالغنيّ به هو الغني في الحقيقة ولا غِنى بغيره البتة, فمن لم يستغن به عما سواه تقطّعت نفسه على السوى حسرات, ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة, وحضره كل سرور وفرح, والله المستعان. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من أصبح والدنيا أكبرُ همِّه جعل الله فقرَهُ بين عينيه, وشتّت عليه شمله, ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له. ومن أصبح والآخرة أكبر همّه جعل الله غناه في قلبه, وجمع عليه شملَه, وأتته الدنيا وهي راغمة" رواه أحمد.
ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنًا وظاهرًا, ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت) وقال سبحانه: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
وهذه الاستقامة ترقى بصاحبها إلى الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه, وهي أعلى درجات الغنى.
 فأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له, وأنه تعالى ذَكَرَكَ فيمن ذَكَرَهُ من مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك, فقدّر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونعمه عليك حيث لم تكن شيئًا البتة, وذكرك تعالى بالإسلام فوفقك له واختارك له دون من خذله, قال تعالى: (هو سماكم المسلمين من قبل) فجعلك أهلًا لما لم تكن أهلًا له قط, وإنما هو الذي أهّلك بسابق ذكره, فلولا ذكره لك بكل جميل أولاكَهُ لم يكن لك إليه سبيل.
 ومن الذي ذَكَرَكَ باليقظة حتى استيقظت وغيرك في رقدة الغفلة مع النوّام؟ ومن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتى وفقك لها وأوقعها في قلبك وبعث دواعيك وأحيى عزماتك الصادقة عليها حتى ثبت إليه وأقبلت عليه, فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذاتها؟ ومن الذي ذكرك سواه بمحبته حتى هاجت من قلبك لواعجها, وتوجّهت نحوه سبحانه ركائبها, وعمَر قلبك بمحبته بعد طول الخراب, وآنسك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب؟ ومن تقرب إليك أولًا حتى تقربت إليه, ثم أثابك على هذا التقرب تقربًا آخر, فصار التقرب منك محفوفًا بتقربين منه تعالى, تقرّبٌ قبله وتقرب بعده, والحب منك محفوفًا بحبين منه, حب قبله وحب بعده, والذكر منك محفوفا بذكرين ذكر قبله وذكر بعده؟
 فلولا سابق ذكره إياك لم يكن من ذلك كله شيء, ولا وصل إلى قلبك ذرة مما وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه. فهذه كلّها آثارُ ذكرِه لك.
 ثم إنه سبحانه ذَكَرَكَ بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس, فله عليك في كل طرفة عين ونفس نِعَمٌ عديدة, ذكرك بها قبل وجودك, وتعرّف بها إليك, وتتحبّب بها إليك, مع غناه التام عنك وعن كل شيء, وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده, إذ هو الجواد المحسنُ لذَاتِه, لا لمعاوضة, ولا لطلب جزاء منك, ولا لحاجة دعته إلى ذلك, كيف وهو الغني الحميد؟
 فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكَرك بها, فلتعظُمْ عندك لذكره لك بها, فإنه ما حَقَرَكَ مَن ذَكَرَكَ بإحسانه, وابتدأك بمعروفه, وتحبّب إليك بنعمته, هذا كله مع غناه عنك.
 فإذا شهد العبدُ ذكرَ ربه تعالى له, ووصل شاهدُه إلى قلبه؛ شغله ذلك عما سواه, وحصل لقلبه به غنى عالٍ لا يشبهه شيء. وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذه وسيده يذكُرُه ولا ينساه, فهو يحصل له - بشعوره بذكر أستاذه له - غنًى زائد على إنعام سيده عليه وعطاياه السنية له, فهذا هو غنى ذكرِ الله للعبد.
 وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" فهذا ذكرٌ ثانٍ بعد ذكر العبد لربه غير الذكر الأول الذي ذكره به حتى جعله ذاكرًا, وشعورُ العبد بكلا الذكرين يوجب له غنًى زائدًا على إنعام ربه عليه وعطاياه له.
 والمقصودُ: أن شعور العبد وشهوده لذكر الله له يغني قلبَه ويسدّ فاقته, وهذا بخلاف من نسوا الله فنسيهم, فإن الفقر من كل خير حاصلٌ لهم, وما يظنون أنه حاصل لهم من الغنى فهو من أكبر أسباب فقرهم.
بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:
الحمد لله..
عباد الله: أن العلم والتفكر في أسماء الله تعالى هو أقربُ طريق لبلوغ الغنى به سبحانه وبحمده. وجميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب سبحانه فإن العبد يستغني بها بقدر حظّه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها. فمن شهد مشهد علوّ الله على خلقه, وفوقيّته لعباده, واستواءه على عرشه, كما أخبر به أعرَفُ الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق, وتعبّد بمقتضى هذه الصفة, بحيث يصير لقلبه صَمَدٌ يعرج القلب إليه, مناجيًا له, مطرقًا, واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز, فيشعر بأن كَلِمَه وعَمَله صاعد إليه, معروض عليه بين خاصته وأوليائه؛ فيستحيي أن يصعد إليه من كَلِمِهِ ما يخزيه ويفضحه هناك.
ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس, إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه, فمراسمه نافذةٌ فيها كما يشاء, (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) فمن أعطَى هذا المشهد حقّه معرفة وعبودية؛ استغنى به.
وكذلك من شهدَ مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال, بل أحاط بذلك علمه كله علمًا تفصيليًّا, ثم تعبّد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه؛ عَلِمَ أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإراداته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه, علانية له بادية, لا يخفى عليه منها شيء.
 وكذلك إذا أشعر قلبه صفةَ سمعه سبحانه لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها, سواء عنده من أسرَّ القول ومن جهر به, لا يشغله جهرٌ من جهر عن سمعه لصوت من أسرَّ, ولا يشغله سمعٌ عن سمع, ولا تغلّطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها, بل هي عنده كلها كصوت واحد, كما أن خلق الخلق جميعهم وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة.
 وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير جل جلاله, الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في حندس الظلماء, ويرى تفاصيل خلق الذرّة الصغيرة ومخّها وعروقها ولحمها وحركتها, ويرى مدّ البعوضة جناحها في ظلمة الليل.
وأعطى هذا المشهد حقه من العبودية, فحرس حركاته وسكناتِه, وتيقن أنها بمرأى منه سبحانه, ومشاهدةٍ لا يغيب عنه منها شيء.
 وكذلك إذا شهد مشهد القيّومية الجامع لصفات الأفعال, وأنه قائم على كل شيء, وقائم على كل نفس, وأنه بكمال قيوميته لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار, وعمل النهار قبل الليل, لا تأخذه سنة ولا نوم, ولا يضل ولا ينسى. وهذا المشهد من أرفعِ مشاهد العابدين, وهو مشهد الربوبية.
 وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء, وهو شهادة أن لا إله إلا هو, وأن إلهية ما سواه باطل ومحال كما أن ربوبية ما سواه كذلك, فلا أحدَ سواه يستحق أن يُؤله ويُعبد ويُصلّى له ويُسجَد, ويستحق نهاية الحب مع نهاية الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله, فهو المُطاع وحده على الحقيقة, والمألوه وحده, وله الحكم وحده. فكل عبوديةٍ لغيره باطلةٌ وعناءٌ وضلال, وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها, وكل غنى لغيره فقر وفاقة, وكل عز بغيره ذل وصغار, وكل تكثّرٌ بغيره قلة وذلّة. فكما استحال أن يكون للخلق ربٌّ غيره؛ فكذلك استحال أن يكون لهم إله غيره, فهو الذي انتهت إليه الرغبات, وتوجّهت نحوه الطلبات.
فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء, وهو مشهدٌ جامع للأسماء والصفات, وحظ العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات.
فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها, وكل مشهد سواه فإنما هو مشهد لصفة من صفاته, فمن اتّسع قلبه لمشهد الإلهية, وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية, فقد تم له غناه بالإله الحق, وصار من أغنى العباد.
فيا لَه من غنًى ما أعظم خطره, وأجلَّ قدره, تضاءلت دونه الممالكُ فما دونها, وصارت بالنسبة إليه كالظل من الحامل له, والطيف الموافي في المنام الذي يأتي به حديث النفس, ويطرده الانتباهُ من النوم.
 واعلم أن أعلى درجات الغنى بالرب سبحانه الفوزُ بوجوده, والفرحُ كلُّ الفرح به، وهذا الغنى هو أعلى درجاتِ الغنى.

اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه..

الاثنين، 1 أغسطس، 2016

"إذ نادى ربه نداءً خفيًّا"

"إذ نادى ربه نداءً خفيًّا"
الحمد لله أمر بالدعاء ووعد الإجابة، وأمر بذكره ووعد بشكره، فله الحمد في الأولى والآخرة، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيدُ الذاكرين وإمامُ الداعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان، أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واشكروه ولا تكفروه، واذكروه ولا تنسوه، واعلموا أن أحبَّ عباده إليه أكثرُهم له ذكرًا وألحُّهم عليه مسألة.
عباد الرحمن: يتساءلُ بعضُ العبّادُ فيقولون: هل الأولى في دعاء الله تعالى أن يجهر أو يسرّ، ولماذا قرن الله تعالى الذكر بالخِيفة والدعاء بالخُفية؟
أجاب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: قول الله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخُفية } يتناول نوعي الدعاء؛ لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن دعاء العبادة، ولهذا أمر بإخفائه وإسراره.
 قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت. أي ما كانت إلا همسًا بينهم وبين ربهم عز وجل؛ وذلك أن الله عز وجل يقول: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وأنه ذكر عبدًا صالحًا ورضي بفعله فقال: { إذ نادى ربه نداء خفيًّا }.
 وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة:
 أحدها: أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
 ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم، لأن الملوك لا تُرفع الأصوات عندهم، ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى.
 فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به.
ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده. فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل، قد انكسر قلبه وذلت جوارحه وخشع صوته؛ حتى إنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق. وقلبُه يسأل طالبًا مبتهلًا، ولسانُه لشدة ذلته ساكتًا. وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلًا.
رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
 خامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرّقه، فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.
 سادسها: - وهو من النكت البديعة جدًّا - أنه دال على قرب صاحبه للقريب، لا مسألةَ نداءِ البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله عز وجل: { إذ نادى ربه نداء خفيا } فلما استحضر القلب قرب الله عز وجل وأنه أقرب إليه من كل قريب أخفى دعاءه ما أمكنه.
 وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبَا، إنكم تدعون سميعَا قريبَا، إن الذي تدعونه أقربُ إلى أحدكم من عنق راحلته".
وقد قال تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } وهذا القرب من الداعي هو قرب خاصُّ ليس قربًا عامًّا من كل أحد، فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه، وأقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وقوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخُفية } فيه الإرشاد والإعلام بهذا القرب.
سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يملّ، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يملّ اللسان وتضعف قواه. وهذا نظير من يقرأ ويكرر فإذا رفع صوته فإنه لا يطول له؛ بخلاف من خفض صوته.
 ثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات، فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدرِ به أحدٌ فلا يحصل على هذا تشويشٌ ولا غيرُه، وإذا جهر به فَرَطَتْ له الأرواح البشرية ولا بد، ومانَعَتْه وعارضته، ولو لم يكن إلا أنَّ تعلَّقها به يفرّق عليه همته؛ فيضعف أثر الدعاء. ومن له تجربة يعرف هذا، فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة.
 تاسعها: أن أعظم النعمةِ الإقبالُ والتعبد، ولكل نعمةِ حاسد على قدرها دقّت أو جلّت، ولا نعمةَ أعظمَ من هذه النعمة، فإن أنفُسَ الحاسدين متعلقةٌ بها، وليس للمحسود أسلمَ من إخفاء نعمته عن الحاسد.
 وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: { لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } الآية. وكم من صاحب قلبٍ وجمعيةٍ وحالٍ مع الله تعالى قد تحدّث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيارُ؛ ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى، ولا يطلعُ عليه أحدٌ.
 والقومُ أعظم شيئًا كتمانًا لأحوالهم مع الله عز وجل وما وهب الله من محبته والأنسِ به وجمعيةِ القلب، ولا سيما فعله للمبتدئ السالك، فإذا تمكن أحدهم وقويَ وثبّت أصولَ تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه - بحيث لا يخشى عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حالَه مع الله تعالى ليُقتدى به ويؤتمَّ به - لم يبال. وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه أهله.
وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبالِ على الله تعالى فهو من عظيم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء عن أعين الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة.
 عاشرها: أن الدعاءَ هو ذكرٌ للمدعوِّ سبحانه وتعالى، متضمنٌ للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكرَ سُمّيَ دعاءً لتضمنه للطلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء الحمد لله" فسمَّى الحمدَ لله دعاءً وهو ثناء محض؛ لأن الحمدَ متضمنٌ الحبَّ والثناء، والحبُّ أعلى أنواع الطلب؛ فالحامد طالبٌ للمحبوب فهو أحق أن يُسمَّى داعيًا من السائل الطالب؛ فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه.
 والمقصود أن كلَّ واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه وقد قال تعالى : { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة } فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكره في نفسه.
 قال مجاهد وابن جريج: أُمروا أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت والصياح. وتأمل كيف قال في آية الذكر: { واذكر ربك } الآية. وفي آية الدعاء: { ادعوا ربكم تضرعًا وخُفية } فذكر التضرعَ فيهما معًا وهو التذلل والتمسكن والانكسار، وهو روح الذكر والدعاء.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه..
أما بعد: فاتقوا الله تعالى عباد الله واستعدوا للقائه وتقربوا بأحسن ما لديكم له.
قال ابن تيمية رحمه الله: خَصَّ الدعاء بالخُفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها، وخص الذكر بالخِيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف، فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها؛ ولا بد لمن أكثر من ذكر الله أن يثمر له ذلك محبته، والمحبةُ ما لم تقترن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل تضرُّه؛ لأنها توجب التوانيَ والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أن استغنوا بها عن الواجبات، وسبب هذا عدمُ اقتران الخوف من الله بحبه وإرادته؛ ولهذا قال بعض السلف: من عبدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.
 والمقصود أن تجريدَ الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب، فإذا اقترن بالخوف جَمَعَهُ على الطريق ورده إليه، كالخائف الذي معه سوط يضرب به مطيته؛ لئلا تخرج عن الطريق. والرجاءُ حادٍ يحدوها يطلب لها السير، والحبُّ قائدُها وزمامها الذي يشوِّقها، فإذا لم يكن للمطية سوطٌ ولا عصا يردها إذا حادت عن الطريق خرجت عن الطريق وظلت عنه.
فما حُفظت حدودُ الله ومحارمُه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فسادًا لا يُرجى صلاحه أبدًا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسَبه.
 فتأمل أسرارَ القرآن وحكمتَه في اقتران الخِيفة بالذكر والخُفية بالدعاء مع دلالته على اقتران الخُفية بالدعاء والخِيفة بالذكر أيضًا، وذكرِ الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء؛ لأن الدعاء مبنيٌّ عليه، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه؛ إذ طلبُ ما لا طمعَ له فيه ممتنعٌ، وذكرُ الخوفِ في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه.
 فذكر في كل آيةٍ ما هو اللائق بها من الخوف والطمع، فتبارك من أنزل كلامه شفاءً لما في الصدور.
اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه..  


الخميس، 21 يوليو، 2016

الأُنْسُ بالله تعالى

الأُنْسُ بالله تعالى 
16/10/1437
الحمد لله الذي أنشأ وبَرَأ، وخلق الماء والثَّرى، وأبدع كل شيء ذَرَا، لا يغيب عن بصره دبيبُ النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، اصطفى آدم ثم عفا عمَّا جرى، وابتعث نوحًا فبنى الفُلْك وسرى، ونجَّى الخليل من النار فصار حرُّها ثرى، ثم ابتلاه بذبح الولد فأدهش بصبره الورى: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾
أحمده ما قُطِع نهارٌ بسيرٍ وليلٌ بسُرى، وأصلي على رسوله محمدٍ المبعوثِ في أمِّ القُرى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وبالخير جرى.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أنه إن كان في الدنيا جنةٌ فهي جنةُ الأُنْسِ بالله تعالى، وحلاوةُ قربه، ولذةُ مناجاته، وعلى هذه الثمرة كانت قلوب السابقين تغتذي، وهي ما عُبّر عنها بحلاوة الإيمان.
أن الإقبالَ على الله تعالى، والإنابةَ إليه، والرضى به وعنه، وامتلاءَ القلب من محبته، واللَّهجَ بذكره، والفرحَ والسرورَ بمعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، ثوابٌ عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، فهو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرّة عين المحبين، وعيشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة.
وإنما تقرّ أعينُ الناسِ على حسَب قرةِ أعينهم بالله عز وجل؛ فمن قرَّت عينه بالله قَرَّت به كلُّ عين، ومن لم تقَرَّ عينه بالله تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات.
ألا إن للأنسِ بالله ثمارًا حلوة، وينابيعَ عذبة، يتذوقها المؤمن بلسان قلبه، ويُشبعُ بها بطنَ روحه، فلا كانت الدنيا إذا لم يكن أُنسٌ بالله تعالى.
قال أويسٌ القَرَني رحمه الله: ما كنت أرى أن أحدًا يعرف ربه فيأنسَ بغيره. وقال بعض السلف: مساكينُ أهلُ الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا ألذَّ ما فيها، قيل: ما ألذُّ ما فيها؟ قال: الأنسُ بالله، والتلذذُ بخطابه والوقوف بين يديه. وقيل: الأُنسُ بالله نورٌ ساطعٌ، والأنس بالناس غمّ واقع.
إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغالِ بذكره ودوامِ عبادته، والبعدِ عن القواطع والشواغلِ التي تُقسّي القلب وتحول بينه وبين التفكر في آلاء الله، والتذكرِ لنعمائه، وقد أخبر النبي ﷺ أن للإيمان حلاوةً وطعمًا كما في قوله: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرهُ أن يُقذف في النار». وقال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولاً ونبيًا».
 وأخبر أن عينَه تقرُّ بالعبادة ويرتاحُ بها بدنُه فقال عليه الصلاة والسلام: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» وقال: «أرحنا يا بلال بالصلاة». فرسول الله صلوات الله وسلامه عليه يجدُ في الصلاة لذةَ قلبه وسرورَه وابتهاجَه وغايةَ فرحه وراحةَ بدنه، فهو في الصلاة ينقطع عن الخلائق ويُقبل بقلبه وقالبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلّب بنعيم جميل في أنواع العبادات من حال إلى حال، من روضة قرآن لبستان صلاة لحلاوة مناجاة إلى غير ذلك، يجد في كلٍّ منها الأُنس بالعبادة.
فمن وسائل تحصيل الأنس بالله تعالى الذكرُ الدائم، ورطوبةُ اللسان بذلك، ولهَجُهُ لربه بدعاء الثناء والمسألة، وصرفُ طاقات الجوارح في مراضي ربه الكريم الوهاب، بالصلاة بعد الصلاة، وبالقرآنِ تلاوة وتدبرًا، وبالصدقة، وبالصيام، وبما أطاق من الباقيات الصالحات، وتحصيل العلم النافع والعمل به. فوَلاية الله مهرُها عسفُ النفوس على مراضيه.
وما من رجلٍ حسنت صلاته إلا واستأنس به كلُّ شيء، والرجلُ يكون نائمًا فيحرُّكُه من نومه لطفٌ من ربه فيقوم للصلاة منتبهًا من غير تنبيه من الخلائق.
فيا عبد الله: إذا رُمت الأنسَ بالله تعالى والإحساس بقربه ولطفه فصلّ صلاة خاشعة، وأطل سجودك، فكلما أطلته فتحت عليك من الألطاف والنعم ما تود معها ألا ترفع رأسك، خاصة إذا صليت تلك الصلاة وأنت مستعدٌ لها بقلبك وقالبك. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
هذا وأعظمُ طُرُقِ تحصيلِ الأنسِ بالله تعالى هو حسنُ المعتقدِ أولاً ودوامُ الذكر ثانيًا، وأعظمُ الذكر القرآنُ تلاوة وسماعًا وتدبرًا، ثم الأذكار المادحة لله تعالى كالتهليل والتسبيح والتحميد ونحوها، ثم الأدعية والأوراد.
 ومن أسباب حصوله كذلك: تعظيمُ قدرِ الصلاة، حتى تكونَ صلاةُ المرء كصلاة المقربين، فتكونُ رَوْحُه وريحانه، ويجتمع للعبد فيها ما لا يجتمع في ما سواها من العبادات. فإذا سجى الليل ودجى، خلا العابد الصالح بوليه وربه وسيده يناجيه ويضرع إليه، وقد يستثقل التهجدّ في بداية أمره ثم يكونُ عينُ سعادته، كما قيل: إن قيام الليل من أثقل شيء على النفس، ولاسيما بعد النوم، وإنما يصير خفيفًا بالاعتياد والمداومة والصبرِ على المشقة والمجاهدةِ في أول الأمر، ثم بعد ذلك ينفتحُ بابُ الأنسِ بالله تعالى وحلاوةِ المناجاة له، ولذة الخلوة به عز وجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلاً عن أن يستثقله أو يكسلَ عنه، كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمّني إلا طلوع الفجر، وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم.
وإنما يُصدّق بهذه الأمور من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحشك، فاستأنِسْ بغَيبته ما أمكنك، فإنه لا يوحشك إلا حضوره عندك، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحّل عنه بقلبك وفارقه بسرّك، ولا تشتغل به عما هو أولى بك.
واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجدي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظّك من الله عز وجل، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وشتات قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرّق همك.
ألا وإن من أوسع أبواب الدخول للأنس بالله تعالى: سماعَ القرآن بيقين وتدبر وتلذذ.
وقد ذكر الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله أنَّ للسماعِ أمرًا عجيبًا في راحة الروح، وقد يكون المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به القلب لاشتغاله بغيره، فإذا حصل له نوع تجرّد ورياضة ظهرت قوته، وكلّما تجرّدت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفر، وتأثرهما به أقوى وتأمل برهان ذلك في الصيام والاعتكاف.
فإن كان المسموعُ معنىً شريفًا بصوت لذيذ؛ حصل للقلب حظُّه ونصيبه من إدراك المعنى، وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له، وللروحِ حظُّها ونصيبُها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به، فتتضاعفُ اللذة، ويتمُّ الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتى ربما فاض على البدن والجوارح، وعلى الجليس.
وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم إلا عند سماع كلام الله؛ فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة، وباشر القلب روح المعنى، وأقبل بكليته على المسموع، فألقى السمع وهو شهيد، وساعده طيبُ صوت القارئ، كاد القلب يُفارق هذا العالم، ويلج عالمًا آخر، ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة، وذلك رقيقةٌ من حال أهل الجنة، فيا له من غذاء ما أصلحه وأنفعه!
وهل أعظمُ من الأنس بصحبة القرآن الكريم وهي الصحبة التي تدخلك باب الملك سبحانه، فعن أنس بن مالك ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله أهلينَ من الناس» قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم أهل القرآن أهل الله وخاصته» وعلى مقدار تحقيق مقومات أهل القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتأدبًا وتعلمًا وتعليمًا وعملاً يكون مقدار دخول العبد في أهلية الله وخاصته.
قال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين، فقد قلّ عملُه وعمي قلبُه وضيّع عمره.
واعلم أن الأنس بالله تعالى ذخيرةُ المؤمن عند احتدام الصعاب عليه واعتراك المحن لديه، وتأمل سير الأنبياء والمرسلين والمصلحين، ومن تيكَ المحن الشديدةَ محنةُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية رحمه الله تعالى حينما تحزّبَ أعداؤه عليه، من علماءِ السوء وأمراءِ السوء في مصر والشام حتى حبس السنين الطويلة ومات في سجنه وهو في أتمّ سرور وأبهجَ حبور!
 قال الغياني في محنته في مصر: فلما صلينا المغرب والوالي يريد إرساله لجهة هلاكٍ، بقيَ يدعو بدعاء الكرب، فأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، وأشرتُ إلى المحبوسين لينظروا ذلك، كأن وجهَهُ شمعٌ يجلوه مثلُ العروس، حتى إذا راق الليلُ جاء نائبُ الوالي فقال: باسم الله. فبقوا يودّعونه ويبكون.. وركب على باب الحبس فقال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر. فقال: بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازلٌ على قلبي من الفرح والسرور شيءٌ لو قُسِمَ على أهل الشامِ ومصرَ لفضُلَ منهم. ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقتُه ما أدّيت عُشْرَ هذه النعمة التي أنا فيها!
 وقال ابنُ القيم رحمهما الله: سمعت شيخنا شيخَ الإسلام ابنَ تيمية قدّس الله روحَه ونوّر ضريحه يقول: إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنعُ أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلتُ ملءَ هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله أي يكثرُ من الإلحاح على الله تعالى بهذا الدعاء الجامع.
وقال مرة: المحبوسُ من حُبس قلبه عن ربّه، والمأسورُ من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وتلا: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..
...........
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
عباد الله: اعلموا أنه لا يمنعُ الأنسُ بالله وحلاوةُ مناجاته من مخالطة الناس في الخير والإحسان، فأعظمُ الناس أُنسًا بالله تعالى هو نبينا محمد ﷺ، مع ذلك فلم يمنعه ذلك من مخالطة الناس واستصلاحهم والإحسان إليهم، بل قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
ومن وسائل تحقيقِ الأنسِ بالله تعالى: التوبةُ النصوح وإكثارُ الصالحات وتذكرُ الآخرة، فيا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، مَنْ خَطَر ذكرُ الرحيل بباله قنع بالبُلَغِ ولم يُباله. لابد والله من العبور إلى منزل القبور، يَسفي عليك الصَّبا والدَّبور، وأنت تحت الأرض تبور، آهٍ من طول الثبور بعد طيب الحبور.
قال يحيى بنُ معاذ: إذا أحب القلب الخلوة، أوصله حبُّ الخلوة إلى الأنسِ بالله، ومن أَنِسَ بالله استوحش من غيره.
قلت: ولا شكَّ أن الخلوةَ والعزلة مما يُعين على السير الصحيح؛ لذلك شُرع الله للمؤمن عزلةٌ كلَّ ليلةِ يناجي فيها ربه في قيام الليل، بل وفي الصلوات الخمس حين ينعزل بروحه مناجيًا ربه في صلواته، ثم شَرع الله له في كل سنة عشرة أيام يعتكف فيها منعزلاً عن الخلائق متعلقًا بربه لَهِجًا بذكره مُلِظًا بدعائه، مُلِحًّا باستغاثته واسترحامه واستغفاره واستلطافه.
ولا يزال العبد في حاجة لمثل هذه حتى يُحصّلَ الأنسَ بربه تعالى فيزهد عما سواه. كما قال ابن القيم: إن في القلب وحشةٌ لا يذهبها إلا الأنسُ بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة ــ وهي غاية الفقر ــ لا يُذهبها إلا صدقُ اللجوء إليه، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تذهبْ تلك الفاقةُ أبدًا.
أما العزلة التامة عن الخلق فهي ليست من الإسلام في شيء إلا في أزمنةِ الفتن، وعند خوف المرء على دينه أو نفسه أو أهله، فرهبانيةُ الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، فعن أبي سعيد الخدري ؓ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأسُ كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانيةُ الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض».
أما من انفرد عن الخلق بالكلية وانحاز إلى قُلَلِ الجبال وآثر التوحشَ عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل دون سببٍ آخرَ مُلجئ فقد سلك هديًا ليس بهدي النبي ﷺ، بل هو هدي الرهبان الذين ابتدعوا الرهبانية في دين المسيح عليه السلام (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) وخيرُ الهديِ هديُ رسول الله ﷺ.
ومن سبلِ الأنسِ بالله تعالى الإحسانُ إلى الخلق، ولو لم يكن إلا ما يُجازى به المحسن من انشراح صدره، وانفساحِ قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه عز وجل، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه سبحانه لكفاه فكيف والأمر أكبر من ذلك إذ هو سببٌ لتحصيلِ وَلاية الله تعالى ومحبته لعبده، (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه..