إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 28 نوفمبر 2019

طهارة وصلاة المريض


طهارة وصلاة المريض

الْحَمْدُ للهِ الذِي جَمَّلَ ضَمَائِرَنَا بِشَرَائِعِ الإِيمَانِ، وَزَيَّنَ ظَوَاهِرَنَا بِشَعَائِرِ الإِسْلامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ لَنَا طَهَارَةَ الْقُلُوبِ وَالأَبْدَان، فَبَيَّنَ الأَسْبَابَ وَالْوَسَائِلَ وَالطُّرُقَ أَتَمَّ بَيَان، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان. أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ: الإِيمَانَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَلا رَادَّ لِحُكْمِهِ، وَلا مُعَقِّبَ لِقَضَائهِ.
وَإِنَّ شَأْنَ الْمُؤْمِنِ حَقَّا أَنَّهُ إِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ شَكَرَ اللهَ وَحَمِدَهُ، وَإِذَا أَصَابَهُ مَكْرُوهٌ صَبَرَ وَلَجَأَ إِلَى رَبِّهِ فِي كَشْفِ ضُرِّهِ؛ فَعَنْ صُهَيْبِ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "عَجَباً لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيراً لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْراً لَهُ"[رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَإِنَّ الْمَرَضَ وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِهِ شَرٌّ وَأَلَمٌ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ خَيْرٌ، فَفِيهِ تكفير الخطيئات ورفع الدرجات والقرب من رب البريات بالدعاء والضراء، فالبلاء يردك لربك ولقد بورك لك في حاجة أكثرت من أجلها قرع باب سيدك سبحانه، وفي السقم بَيَانٌ لِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ التِي طَالَمَا غَفَلْنَا عَنْهَا، فَالصِّحَّةُ تَاجٌّ عَلَى رُؤُوسِ الأَصِحَّاءِ لا يَرَاهُ إِلَّا الْمَرْضَى. والمرض لا يعجل الأجل إنما هو تنبيه للاستعداد للرحيل.
وَالأَفْضَلُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الرُّقْيَةِ وَالْعِلاجِ الطِّبِيِّ، وَلَوْ أَنَّهُ بَدَأَ بِالرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوَّلاً كَانَ أَفْضَل، فَكَمْ مِنَ الأَوْجَاعِ تَزُولُ مُبَاشَرَةً بِالرُّقْيَةِ، فَلا يَحْتَاجُ بَعْدَهَا الْمَرِيضُ لِعِيَادَةِ الطَّبِيب. وَإِنَّ مِنَ الْخُذْلَانِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا مَرِضَ تَرَكَ الطَّاعَةَ، وَخَاصَّةً الصَّلاةَ، وَرُبَّمَا سَوَّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِذَا تَعَافَيْتَ فَصَلِّ مَا مَضَى! وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ يَكُونُ عَلَى مَشَارِفِ الْمَوْتِ، فَكَيْفَ يَتَخَلَّى عَنِ الْعِبَادَةِ التِي مِنْ أَجْلِهَا خُلِقَ، وَيَتْرُكُ الطَّاعَةَ التِي هِيَ زَادُهُ إِلَى الآخِرَةِ؟
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ على المريض أن يتفقه في أحكام طهارته وصلاته: فيَجِبُ عَلَيه أَنْ يَتَطَهَّرَ بِالْمَاءِ، فَيَتَوَضَّأَ مِنَ الْحَدَثِ الأَصْغَرِ، وَيَغْتَسِلَ مِنَ الْحَدَثِ الأَكْبَرِ، فَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لِعَجْزِهِ أَوْ خَوْفِ زِيَادَةِ الْمَرَضِ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْئِهِ؛ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ.
وَكَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ: أَنْ يَضْرِبَ الأَرْضَ الطَّاهِرَةَ بِيَدَيْهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً يَمْسَحُ بِهِمَا جَمِيعَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ كَفَّيْهِ بَعْضَهُمَا بِبَعْض. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُوَضِّئُهُ أَوْ يُيَمِّمُهُ شَخْصٌ آخَر، وَإِذَا كَانَ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ جُرْحٌ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِ مَسَحَهُ مَسْحَاً، فَيَبَلُّ يَدَهُ بِالْمَاءِ وَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِ أَيْضَاً فَإِنَّهُ يوضئُ أعضاءه السليمة فإذا انتهى من وضوئه تيمم عن العضو المصاب.
وَإِذَا كَانَ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ كَسْرٌ مَشْدُودٌ عَلَيْهِ خِرْقَةٌ أَوْ جِبْسٌ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهِ بِالْمَاءِ بَدَلاً عَنْ غَسْلِهِ، وَلا يَحْتَاجُ لِلتَيَمُّمِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ عَنِ الْغَسْلِ.
فإن عُدم التراب فإنه يَتَيَمَّمَ عَلَى الْجِدَارِ أو القماش أَوْ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ طَاهِرٌ لَهُ غُبَارٌ. وَجَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ حَاوِيَاتٌ صَغِيرَةٌ يُوجَدُ فِيهَا تُرَابٌ، وَعَلَيْهِ اسْفِنْجٌ، فِإِذَا وُجِدَ الْغُبَارُ وَتَيَمَّمَ مِنْهَا أَجْزَأَ.
وَإِذَا تَيَمَّمَ لِصَلاةٍ وبَقِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ الأُخْرَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بِالتَّيَمُّمِ الأَوَّلِ، وَلا يُعِيدُ التَيَّمُّمَ لِلصَّلاةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَيَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ: أَنْ يُطَهِّرَ بَدَنَهُ مِنَ النَّجَاسَاتِ، فَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ صَلَّى عَلَى حَالِهِ، وَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِثِيَابٍ طَاهِرَةٍ، فَإِنْ تَنَجَّسَتْ ثِيَابُهُ، وَجَبَ غَسْلُهَا أَوْ إِبْدَالُهَا بِثِيَابٍ طَاهَرِةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صَلَّى عَلَى حَالِهِ، وَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شَيْءٍ طَاهِرٍ، فَإِنَّ تَنَجَّسَ مَكَانُهُ، وَجَبَ غَسْلُهُ أَوْ إِبْدَالُهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ، أَوْ يَفْرِشَ عَلَيْهِ شَيْئاً طَاهِراً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَى حَالِهِ، وَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
أما المريض المصاب بسلس البول، أو استمرار خروج الدم، أو الريح، فعليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، ويغسل ما يصيب بدنه، وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبًا طاهرًا إن تيسر له ذلك، ويحتاط لنفسه احتياطًا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه، أو مكان صلاته، وله أن يفعل في وقت الصلاة ما تيسر من صلاة، وقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت فإذا خرج الوقت فعليه أن يعيد الوضوء أو التيمم إن عجز عن الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة.


وَلا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا مِنْ أَجْلِ الْعَجْزِ عَنِ الطَّهَارَةِ، بَلْ يَتَطَهَّرُ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلاةَ فِي وَقْتِهَا، وَلَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَكَانِهِ نَجَاسَةً يَعْجِزُ عَنْهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلامِ، وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَنْهُ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَنُورِ الْقَلْبِ.
وَإِنَّ الْمَرِيضَ كَغَيْرِه مُطَالَبٌ بِأداء الصَّلَاةِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ السَّمْحَاءُ، وَالْمِلَّةُ الغَرَّاء. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ، فَهِيَ كَمَا يَلِي:
يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ قَائِمَاً، وَلَوْ مُنْحَنِيَاً، أَوْ مُعْتَمِدَاً عَلَى جِدَارٍ، أَوْ عَصَا؛ لِعُمُومِ قَوْلِ اللهِ -تعالى-: (وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238].
فَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ صَلَّى جَالِسَاً والتربعُ أفضل. لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعًا)) فَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ جَالِسَاً صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ مُتَوَجِّهَاً إِلَى الْقِبْلَةِ، وَالْجَنْبُ الأَيْمَنُ أَفْضَلُ. فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ اتِّجَاهُهُ، وَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ عَلَى جَنْبِهِ صَلَّى مُسْتَلْقِيَاً رِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ تَكُونَ رِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَتْ، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَيَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ: أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ فِي صَلاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْمَأَ بِهَمَا بِرَأْسِهِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ الرُّكُوعَ دُونَ السُّجُودِ رَكَعَ حَالَ الرُّكُوعِ. وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ، وَإِنِ اسْتَطَاعَ السُّجُودَ دُونَ الرُّكُوعِ سَجَدَ حَالَ السُّجُودِ وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ، ولا يتخذُ شيئًا يسجدُ عليه؛ لحديث جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، وقال: ((صلِّ على الأرض إن استطعت وإلا فأومِ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك).
فَإِنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ الإِيمَاءَ صلى بقلبه مع تحريك شفتيه في القراءة والذكر. وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. فإن الصلاة لا تسقط عنه مادام عقله ثابتًا بأي حال من الأحوال.
وَيَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ: أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ صَلاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَيَفْعَلُ كُلَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِمَّا يَجِبُ فِيهَا، فَإِنَّ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِي وَقْتِهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ إِمَّا جَمْعُ تَقْدِيمٍ، وَإِمَّا جَمْعُ تَأْخِيرٍ، حَسْبَمَا يَكُونُ أَيْسَرَ لَهُ. أَمَّا الْفَجْرُ فَلا تُجْمَعُ لِمَا قَبْلَهَا، وَلا لِمَا بَعْدَهَا.
وَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ مُسَافِرَاً يُعَالَجُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَلَدِهِ، سَوَاءٌ طَالَتْ مُدَّةُ سَفَرِهِ أَمْ قَصُرَتْ.
أما المغمى عليه فإنه يقضي الصلاة إن كان الإغماء ثلاثة أيام فأقل؛ أما إذا كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء عليه.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكُ عِلْمَاً نَافِعَاً، وَعَمَلاً صَالِحَاً. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَهُ.
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وأَسْتِغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولكُم فاستغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ للهِ الْبَرِّ الرَّحِيمِ، الْحَلِيمِ الْعَظِيم، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ الْكَرِيم، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن القيام والركوع والسجود من أركان الصلاة، فمن استطاع فعلَها وجب عليه فعلُها على هيئتها الشرعية، ومن عجز عنها لمرضٍ أو كبر سنٍّ فله أن يجلس على الأرض أو على كرسي.
ومما ينبغي التنبه له: أنه إذا كان معذوراً في ترك القيام فلا يبيح له عذره هذا الجلوس على الكرسي لركوعه وسجوده إلا مع العجز. فالقاعدةُ في واجبات الصلاة: أن ما استطاع المصلي فعلَه وجب عليه فعلُه، وما عجز عن فعلِه سقط عنه.
فمن كان عاجزاً عن القيام جاز له الجلوس على الكرسي أثناء القيام، ويأتي بالركوع والسجود على هيئتهما، فإن استطاع القيام وشقَّ عليه الركوع والسجود: فيصلي قائماً ثم يجلس على الكرسيِّ عند الركوع والسجود، ويجعلُ سجودَه أخفضَ من ركوعه. أما من كان يشق عليه القيام والركوع فقط وكان السجود لا يشق عليه فيلزمه السجود على أعضائه السبعة ولا يكفيه الإيماء، فإن كان الكرسي يصعّب السجود فعليه أن يصلي جالسا من دون كرسي كي يسهل عليه السجود، أما إن كان يشق عليه القيام والركوع والسجود فإنه يصلي على الكرسي جالسا ويومئ بركوعه وسجوده ويجعل سجوده أخفضَ من ركوعه. قال ابن باز رحمه الله: الواجب على من صلى جالسا على الأرض ، أو على الكرسي ، أن يجعل سجوده أخفضَ من ركوعه ، والسنةُ له أن يجعل يديه على ركبتيه في حال الركوع ، أما في حال السجود فالواجب أن يجعلَهما على الأرض إن استطاع ، فإن لم يستطع جعلهما على ركبتيه ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : الجبهة - وأشار إلى أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين ) .
ومن عجز عن ذلك وصلي على الكرسي فلا حرج في ذلك ، لقول الله سبحانه : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) متفق على صحته . انتهى كلامه رحمه الله.
معشر المصلين: أما عن موضع الكرسي في الصلاة فمَن جاز له الجلوس في محل القيام من صلاته كلِّها، فإنَّ العبرة في مصافَّته خلف الإمام: أن يُحاذي الصفَّ بكتفيه لا بأقدامه. فإن كان المصلي سيجلس على الكرسي من أول الصلاة إلى آخرها فإنه يحاذي الصف بموضع جلوسه. فإن كان سيصلي قائماً ، غير أنه سيجلس على الكرسي في موضع الركوع والسجود فإن العبرة بالقيام. فيحاذي الصف عند قيامه.
وكل ما سبق ذكره وبيانه متعلق بصلاة الفريضة، أما صلاة النافلة فالأمر فيها واسع، فيجوز له الجلوس ولو بدون عذر لكنه خلاف الأفضل وله نصف أجر القائم، فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعداً، فقال: « إن صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد »رواه البخاري، وهذا الحديث محمول على صلاة النفل. أما إن كان عاجزاً عن القيام فصلى جالساً فأجره أجر القائم.
اللهم صل على محمد..

الخميس، 21 نوفمبر 2019

حرمة المال العام وخطر المشتبهات على الإيمان


حرمة المال العام وخطر المشتبهات على الإيمان
منقولة بتصرف

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيِكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [ الأحزاب: 70 – 71 ].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيِثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلاَ وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ يُدْعَى رِفاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَلاَّ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ».
وَالشِّرَاكُ وَالشِّرَاكَانَ؛ أَيْ: سَيْرٌ أَوْ سَيرَانِ يَكُونَانِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ لُبْسِ النَّعْلِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ فِيهِ بَيَانُ خَطَرِ جَرِيمَةِ الْغُلُولِ وَالتَّعَدِّي عَلَى الْمَالِ الْعَامِ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، وَالَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْكَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ  بِشُبَهٍ شَيْطَانِيَّةٍ، أَوْ فَتَاوَى تَصْدُرُ مِمَّنْ قَلَّ عِلْمُهُ وَذَهَبَ وَرَعُهُ! كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ مَالٌ عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ، أَوْ قَوْلُهُمْ: نَأْخُذُ كَمَا يَأْخُذُ غَيْرُنَا لِحَاجَتِنَا لِذَلِكَ! وَهَذِهِ الشُّبَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةً؛ لأَنَّ الْمَالَ الْعَامَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَمِلْكٌ لَهُمْ، وَالْقَائِمُونَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُمْ أُمَنَاءُ فِي حِفْظِهِ وَتَحْصِيلِهِ، وَصَرْفِهِ لأَهْلِهِ بِتَفْوِيضٍ مِنْ وَلِيِّ الأَمْرِ، فَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا لاَ يَسْتَحِقُّ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ الاِعْتِدَاءَ عَلَى الْمَالِ الْعَامِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الاِعْتِدَاءِ، وَجَعَلَ عُقُوبَتَهُ فِي ثَلاَثِ مَوَاقِعَ:

فِي الْقَبْرِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَفِي الْمَوْقِفِ أَمَامَ الأَشْهَادِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ  -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.
لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ -وَهُوَ صَوْتُ الْفَرَسِ فِيمَا دُونَ الصَّهِيلِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.
لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.
لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ –يَعْنِي: غَلَّ ثِيَابًا أَوْ مَا يَسِيرُ مَسَارَ ذَلِكَ، وَيُدْرَجُ فِي سِلْكِهِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.
لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ –يَعْنِي: ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
أَمَّا الْمَوْقِفُ الثَّالِثُ فَمَصِيرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالتَّعْذِيبِ فِي النَّارِ بِمَا غَلَّ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ– أَنَّهُ مَرَّ مَعَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَلَى قُبُورٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ.
فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْقَبْرِ الثَّالِثِ: «كَلاَّ! إِنِّي رَأَيْتُهُ في النَّارِ في بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنْ صُوَرِ الْغُلُولِ وَالتَّعَدِّي عَلَى الْمَالِ الْعَامِ:
السَّرِقَةُ وَالْغِشُّ وَالاِحْتِيَالُ، وَخِيَانَةُ الأَمَانَةِ وَالْغُلُولُ وَالرِّشْوَةُ وَالاِخْتِلاَسُ، وَعَدَمُ إِتْقَانِ الْعَمَلِ، وَإِضَاعَةُ الْوَقْتِ، وَالتَّرَبُّحُ مِنَ الْوَظِيفَةِ، وَاسْتِغْلاَلُ الْمَالِ الْعَامِ لأَغْرَاضٍ شَخْصِيَّةٍ، وَالاِعْتِدَاءُ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ، وَاسْتِخْدَامُهَا شَخْصِيًّا دُونَ اسْتِئْذَانِ الدَّوْلَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ الَّذِي يُعَدُّ أَمْرًا خَطِيرًا، وَذَنْبًا عَظِيمًا، وَجُرْمًا كَبِيرًا؛ لأَنَّ الأَصْلَ فِي الْمَالِ الْعَامِ -يَعْنِي: مَالَ الدَّوْلَةِ- هُوَ الْمَنْعُ.
فَاتَّقُوا اللهَ –أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ– وَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً مَعَ وُلاَةِ أَمْرِكُمْ فِي صَدِّ هَذَا الْفَسَادِ؛ لِتَسْلَمَ مِنْ شَرِّهِ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ المائدة: 2].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا…
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَاحْذَرُوا الْغُلُولَ، وَهُوَ الأَخْذُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِ وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِ بِدُونِ حَقٍّ؛ حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِأَبْسَطِ الطُّرُقِ، وَأَدَقِّ الشُّبَهِ الَّتِي يَظُنُّهَا الْبَعْضُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَمُبَاحَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْهَدَايَا وَالإِكْرَامِيَّاتُ وَالتَّسْهِيلاَتُ الَّتِي تُمْنَحُ لِلْعَامِلِينَ فِي الدَّوْلَةِ بِدُونِ إِذْنِ وَلِيِّ الأَمْرِ، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَعْمَلَ عَامِلاً فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَالَ لَهُ: «أَفَلا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لا»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلاَ قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ؛ إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ» فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ.
عباد الرحمن: روى الشيخان حديثًا عظيما جامعا مانعا حري بكل مؤمن أن يوليه العناية والعمل، خاصة في هذا الزمان الذي مرجت فيه أحلام الناس ورقَّ دين كثير منهم وتهاوت أسوار تقواهم أمام وقعِ الشهوات والشبهات، فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبِهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
فالحلال بيّن واضح وكذلك الحرام، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيَّنَهُ للناس، (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل:44]، ولذلك يقول -صلى الله عليه وسلم-: "تركتُكُم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني.
ثم إن كل ما أحله الله -عز وجل- للناس تجده قريبا من النفوس السوية، والفِطَر السليمة، بخلاف الإثم والحرام؛ فإنه يتردد في الصدر، ويتلجلج في الفؤاد، ويكره المرء أن يطلع عليه الناس.
فمن اتقى الشبهات واستحضر هيبةَ الجبار جل جلاله، واليقينَ بعلمه، وأنه يعلم الجهر وما يخفى، فهو المؤمن حقًّا والتقيُّ صدقا.
لقد ذكر الله  تعالى التقوى في القرآن في أكثر من مئتين وستين موضعاً؛ والجنان أعدت للمتقين, قال تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) [النبأ:31-36]، وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر:54-55].
فاتقاء الشبهات ياعباد الله يحتاج إلى صبر ومعاناة ورَوِيَّة، وتحسَّبٍ لكل خطوة أو قول أو فعل. وفي عصرِ فتن الشبهات والشهوات تزداد فاقتُنا للصبر، ولا صبر إلا من عند الله: (ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين). وأغلبُ الشبهات وليدةُ أرحام الشهوات. وفرضُ الوقت اصطفاف أهل التقوى والفضيلة.
إن من صفات المتقين، وسمات المؤمنين، أنهم أحرص الناس على البعد عن النيل من حدود رب العالمين، إنهم يحفظون حدوده، ويجتنبون محارمه، ويُجِلّون حماه، بل ويجعلون بينهم وبين الحرام سياجاً كبيراً من الحلال خشية الاقتراب من الحرام، يقول أحدهم: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام. وقال الآخر: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها. وقال الآخر: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال.
وبعدُ يا عباد الرحمن: فإن المعول كله على أمر هام، إذا صلح صلح كل شيء، وإذا فسد فسد كل شيء، فلا تنفع موعظة، ولا تجدي نصيحة، ولا تؤثر خطبة إذا لم يكن صالحاً، ولربه خاشعا، وهو القلب، فإذا صلح فهو الآمر والناهي، والرادع عن كل خلل، والمانع من كل زلل.
إن القلوب إذا زكت، زكت الجوارح، وحسنت الأعمال، لأن القلب ملك الجوارح، فهي تعمل بأمره، وتمضي بتوجيهه؛ وحينما صفت قلوب الصالحين أصبحت عامرة بخوف الله، مراقبة لجلال الله.
اللهم صل على  محمد..

الخميس، 14 نوفمبر 2019

المخرج من الفتن


المخرج من الفتن
منقولة بتصرف


الحمد لله مقلب عباده بين محن وفتن، وفرح وحزن، وخوف وأمن، وفقر وغنىً، وعسر ويسر، (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء:35]. والصلاة والسلام على النبي الهادي القائل: "إن السعيد لَمن جُنِّبَ الفتن, إن السعيد لمن جُنب الفتن, إن السعيد لمن جُنب الفتن, ولمن ابتلي فصبر فواها". أي: هنيئاً له. صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]
معاشر المؤمنين: عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)). عباد الله:
لقد كثرت الفتن في هذا الزمان، وأصبح المسلم يرى الفتن بكرة وعشياً، وحلَّ من البلايا والمحن والنوازل والخطوب الجسام الشيءُ الكثير، وما ذاك إلاَّ بسبب ما آل إليه حالُ المسلمين من ضياعٍ وتشتت، وبُعدهم عن منهج الإسلام، وتفشي المنكراتِ بينهم؛ فتسلطت عليهم الأمم الكافرة، واستباحت بيضَتَهم.
وقد أنذر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الفتن وحذَّر من الوقوع فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا، أَوْ يُمْسِى مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)). فاحفظ دينك يا عبد الله، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ)). قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ: ((الْقَتْلُ)).
أحبتي في الله: إنَّ أوَّلَ ما يُعتصمُ به من الفتن: كتابُ الله عزَّ وجل، وسُنةُ النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا نجاة للأمة من الفتن والشدائد إلا بالاعتصام بهما، ومن تمسك بهما أنجاه الله، ومن دعا إليهما هُدِيَ إلى صراط مستقيم، يقول الله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ)).
ومما يعصِمُ من الفتن: الالتفاف حول العلماء الربانيِّن؛ وفي صحيح الجامع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ)). فالعلماء هم القدوة، وهم المربّون، وهم العون بعد الله في هذا الطريق ومن هذه الفتن، والذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية، يقول ابنُ القيم رحمه الله: وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه - يعني شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهبَ ذلك كُلُّه عنا.
ومما يُعتصم به من الفتن: لزوم الجماعة، فالله جل وعلا يقول: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ((أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ))، وفي رواية: ((مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ))، وقد أوصى ابنُ مسعود رضي الله عنه من سألوه عن الفتن بقوله: (اتقوا الله واصبروا حتى يستريحَ بَرٌ، أو يُستَرَاحَ من فَاجِر، وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أُمَّةَ محمدٍ على ضلالة)، ولما سأل حذيفةُ رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الشر وبيَّنه له، قال: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال له: ((تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)).
واعلموا عباد الله أنَّ الجماعةَ ليست بالكثرة؛ ولكنَّ الجماعة من كان على منهج أهل السُّنَّة والجماعة، يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: لو أن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعة.
ومما يعْصِمُ من الفتن: التَّسَلُّحُ بالعلم الشرعي، فالعلم الشرعي مطلبٌ مهمٌ في مواجهة الفتن؛ ليكون المسلمُ على بصيرةٍ من دينه، ومن فقد العلم الشرعي تخبَّطَ في الفتن، قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله: إذا انقطع عن الناس نور النبوة؛ وقعوا في ظلمة الفتن، وحدثت البدع والفجور، ووقع الشر بينهم.
ومما يعصم من الفتن: التأني والرفقُ والحلمُ وعدمُ العجلة، حتى يَرَى الأمورَ على حقيقتِها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ))، وقال لأشج عبدالقيس: ((إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ)). أما العجلة فإنها ليست من منهج الأمة المحمدية، وخاصة في زمن الفتن.
ومما يعْصِمُ من الفتن: الثقةُ بنصر الله، وأن المستقبلَ للإسلام، مهما ادلهمَّت الظلمات، واشتدَّت الفتن، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف: 110].
ومما يُعتصم به من الفتن: النظرُ في عواقب الأمور، ففي زمن الفتن ليس كُلُّ مقالٍ يُقَال، ولا كُلُّ فعلٍ يُفْعَل، وإن بَدَا لك حسناً حتى تعلمَ عواقبَه وما يترتَّب عليه.
واعلموا عباد الله أنَّ الصبر من أعظم ما يعين على الاعتصام من الفتن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)).
أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، ويعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين، إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة، فاستغفروه وتوبوا إليه.
..............
الخطبة الثانية
الحمد لله على إفضاله وإنعامه، فله الحمد كُلُّه، وإليه يُرجَعُ الأمر كُلُّه، وإليه المصير، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واستعيذوا به من الفتن، فلا معصومَ إلاَّ من عصمه الله، ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ [هود: 57].
عباد الله: في أوقات الفتن تكثر الإشاعات، وتنشط الدعايات، ولخطورةِ الشائعاتِ على بُنيَةِ المجتمعِ كانَ السلفُ الصالحُ رضوانُ الله عليهم يحرِصُونَ على التَّثَبُّتِ من كُلِّ قول، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6] وكفى بالمرء إثماً أن يُحدِّثَ بكل ما سمع، يقول عمر رضي الله عنه: (إياكم والفتن، فإن وقعَ اللِّسانِ فيها مثلُ وقعِ السيف)، ومن تتبع أحداثَ التاريخِ تبيَّنَ له ذلك.
ومما يعصم من الفتن: البعدُ عن مواطنها وعدمُ التعرضِ لها أو الخوضِ فيها، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ))، قال النووي رحمه الله تعالى: (معناه: بيانُ عظيمِ خطرِهَا والحثُّ على تجنُّبِهَا والهرَبُ منها ومن التشبث في شيء منها، وأنَّ شرَّهَا وفتْنَتَها يكونُ على حَسَبِ التَّعَلُّقِ بها)
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (لا تقربوا الفتنة إذا حَمِيَتْ، ولا تعرَّضُوا لها إذا عَرَضَتْ، واضْرِبُوا أهْلَهَا إذَا أقْبَلَتْ).
ومن الأخطاء العظيمة في زمن الفتن: مراجعةُ أحاديثِ الفتنِ في وقت الفتنة، وتطبيقُها على أوقاتٍ وأشخاصٍ معيَّنين، وهذا منهجٌ باطل، فمنهج أهل السنة والجماعة أنهم يذكرون أحاديث الفتن للتحذير منها، وإبعادِ المسلمين من القرب عنها، وليعتقدوا صحةَ ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويَدَعُونَ الواقعَ هو الذي ينطق، فإذا وقع الأمرُ قالوا كما قال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22].
ومما يجب الحذر منه في زمن الفتن: تَسَلُّلُ الأعداءِ بين الصفوف، فقد ازدهرت في هذا الزمن تجارةُ المنافقين وراجت بضاعتُهُم، وكثُرَ أتباعُهُم، فشَيَّدُوا مساجدَ الضِّرَار، وذَرفُوا دموعَ التماسيحِ على الإسلام وأهله، وتظاهَرُوا بالدعوةِ إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولبسوا للناس جلد الضأن من اللين، وألسنتُهُم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوبُ الذئاب. يقول الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: 204 - 206]. وما نجح المنافقون في تحقيق أهدافهم وخططهم وفتكهم بالإسلام والمسلمين، إلا بسبب قِلَّةِ الوعيِ عند معظم المسلمين.
فالواجب على كل مسلمٍ قادرٍ أن يهتِكَ أستار المنافقين، ويكشِفَ أسرارهم، ويفضَحَ أساليبَهُم وأوكارَهُم؛ حتى لا تكونَ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير. وفتنة الدين  أشد  من فتنة الدنيا (والفتنة أشد من القتل).
كما أنَّ على المسلم أن يُكثِرَ من التَّعَوُّذِ بالله من الفتن، أُسْوَةً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم في صلاته: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُون))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ))، فالفتن إذا أتت لا تصيبُ الظالمَ وحده، وإنما تُصيبُ الجميع.
نسأل الله جل وعلا أن يحفظنا بحفظه، ويكلأنا برعايته، ويعصمنا من شرور المحن، ويميتنا على السنن.
هذا وصلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى فقد أمركم الله فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].