Follow by Email

الخميس، 21 يوليو 2016

الأُنْسُ بالله تعالى

الأُنْسُ بالله تعالى 
16/10/1437
الحمد لله الذي أنشأ وبَرَأ، وخلق الماء والثَّرى، وأبدع كل شيء ذَرَا، لا يغيب عن بصره دبيبُ النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، اصطفى آدم ثم عفا عمَّا جرى، وابتعث نوحًا فبنى الفُلْك وسرى، ونجَّى الخليل من النار فصار حرُّها ثرى، ثم ابتلاه بذبح الولد فأدهش بصبره الورى: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾
أحمده ما قُطِع نهارٌ بسيرٍ وليلٌ بسُرى، وأصلي على رسوله محمدٍ المبعوثِ في أمِّ القُرى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وبالخير جرى.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أنه إن كان في الدنيا جنةٌ فهي جنةُ الأُنْسِ بالله تعالى، وحلاوةُ قربه، ولذةُ مناجاته، وعلى هذه الثمرة كانت قلوب السابقين تغتذي، وهي ما عُبّر عنها بحلاوة الإيمان.
أن الإقبالَ على الله تعالى، والإنابةَ إليه، والرضى به وعنه، وامتلاءَ القلب من محبته، واللَّهجَ بذكره، والفرحَ والسرورَ بمعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، ثوابٌ عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، فهو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرّة عين المحبين، وعيشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة.
وإنما تقرّ أعينُ الناسِ على حسَب قرةِ أعينهم بالله عز وجل؛ فمن قرَّت عينه بالله قَرَّت به كلُّ عين، ومن لم تقَرَّ عينه بالله تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات.
ألا إن للأنسِ بالله ثمارًا حلوة، وينابيعَ عذبة، يتذوقها المؤمن بلسان قلبه، ويُشبعُ بها بطنَ روحه، فلا كانت الدنيا إذا لم يكن أُنسٌ بالله تعالى.
قال أويسٌ القَرَني رحمه الله: ما كنت أرى أن أحدًا يعرف ربه فيأنسَ بغيره. وقال بعض السلف: مساكينُ أهلُ الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا ألذَّ ما فيها، قيل: ما ألذُّ ما فيها؟ قال: الأنسُ بالله، والتلذذُ بخطابه والوقوف بين يديه. وقيل: الأُنسُ بالله نورٌ ساطعٌ، والأنس بالناس غمّ واقع.
إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغالِ بذكره ودوامِ عبادته، والبعدِ عن القواطع والشواغلِ التي تُقسّي القلب وتحول بينه وبين التفكر في آلاء الله، والتذكرِ لنعمائه، وقد أخبر النبي ﷺ أن للإيمان حلاوةً وطعمًا كما في قوله: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرهُ أن يُقذف في النار». وقال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولاً ونبيًا».
 وأخبر أن عينَه تقرُّ بالعبادة ويرتاحُ بها بدنُه فقال عليه الصلاة والسلام: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» وقال: «أرحنا يا بلال بالصلاة». فرسول الله صلوات الله وسلامه عليه يجدُ في الصلاة لذةَ قلبه وسرورَه وابتهاجَه وغايةَ فرحه وراحةَ بدنه، فهو في الصلاة ينقطع عن الخلائق ويُقبل بقلبه وقالبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلّب بنعيم جميل في أنواع العبادات من حال إلى حال، من روضة قرآن لبستان صلاة لحلاوة مناجاة إلى غير ذلك، يجد في كلٍّ منها الأُنس بالعبادة.
فمن وسائل تحصيل الأنس بالله تعالى الذكرُ الدائم، ورطوبةُ اللسان بذلك، ولهَجُهُ لربه بدعاء الثناء والمسألة، وصرفُ طاقات الجوارح في مراضي ربه الكريم الوهاب، بالصلاة بعد الصلاة، وبالقرآنِ تلاوة وتدبرًا، وبالصدقة، وبالصيام، وبما أطاق من الباقيات الصالحات، وتحصيل العلم النافع والعمل به. فوَلاية الله مهرُها عسفُ النفوس على مراضيه.
وما من رجلٍ حسنت صلاته إلا واستأنس به كلُّ شيء، والرجلُ يكون نائمًا فيحرُّكُه من نومه لطفٌ من ربه فيقوم للصلاة منتبهًا من غير تنبيه من الخلائق.
فيا عبد الله: إذا رُمت الأنسَ بالله تعالى والإحساس بقربه ولطفه فصلّ صلاة خاشعة، وأطل سجودك، فكلما أطلته فتحت عليك من الألطاف والنعم ما تود معها ألا ترفع رأسك، خاصة إذا صليت تلك الصلاة وأنت مستعدٌ لها بقلبك وقالبك. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
هذا وأعظمُ طُرُقِ تحصيلِ الأنسِ بالله تعالى هو حسنُ المعتقدِ أولاً ودوامُ الذكر ثانيًا، وأعظمُ الذكر القرآنُ تلاوة وسماعًا وتدبرًا، ثم الأذكار المادحة لله تعالى كالتهليل والتسبيح والتحميد ونحوها، ثم الأدعية والأوراد.
 ومن أسباب حصوله كذلك: تعظيمُ قدرِ الصلاة، حتى تكونَ صلاةُ المرء كصلاة المقربين، فتكونُ رَوْحُه وريحانه، ويجتمع للعبد فيها ما لا يجتمع في ما سواها من العبادات. فإذا سجى الليل ودجى، خلا العابد الصالح بوليه وربه وسيده يناجيه ويضرع إليه، وقد يستثقل التهجدّ في بداية أمره ثم يكونُ عينُ سعادته، كما قيل: إن قيام الليل من أثقل شيء على النفس، ولاسيما بعد النوم، وإنما يصير خفيفًا بالاعتياد والمداومة والصبرِ على المشقة والمجاهدةِ في أول الأمر، ثم بعد ذلك ينفتحُ بابُ الأنسِ بالله تعالى وحلاوةِ المناجاة له، ولذة الخلوة به عز وجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلاً عن أن يستثقله أو يكسلَ عنه، كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمّني إلا طلوع الفجر، وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم.
وإنما يُصدّق بهذه الأمور من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحشك، فاستأنِسْ بغَيبته ما أمكنك، فإنه لا يوحشك إلا حضوره عندك، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحّل عنه بقلبك وفارقه بسرّك، ولا تشتغل به عما هو أولى بك.
واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجدي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظّك من الله عز وجل، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وشتات قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرّق همك.
ألا وإن من أوسع أبواب الدخول للأنس بالله تعالى: سماعَ القرآن بيقين وتدبر وتلذذ.
وقد ذكر الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله أنَّ للسماعِ أمرًا عجيبًا في راحة الروح، وقد يكون المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به القلب لاشتغاله بغيره، فإذا حصل له نوع تجرّد ورياضة ظهرت قوته، وكلّما تجرّدت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفر، وتأثرهما به أقوى وتأمل برهان ذلك في الصيام والاعتكاف.
فإن كان المسموعُ معنىً شريفًا بصوت لذيذ؛ حصل للقلب حظُّه ونصيبه من إدراك المعنى، وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له، وللروحِ حظُّها ونصيبُها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به، فتتضاعفُ اللذة، ويتمُّ الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتى ربما فاض على البدن والجوارح، وعلى الجليس.
وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم إلا عند سماع كلام الله؛ فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة، وباشر القلب روح المعنى، وأقبل بكليته على المسموع، فألقى السمع وهو شهيد، وساعده طيبُ صوت القارئ، كاد القلب يُفارق هذا العالم، ويلج عالمًا آخر، ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة، وذلك رقيقةٌ من حال أهل الجنة، فيا له من غذاء ما أصلحه وأنفعه!
وهل أعظمُ من الأنس بصحبة القرآن الكريم وهي الصحبة التي تدخلك باب الملك سبحانه، فعن أنس بن مالك ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله أهلينَ من الناس» قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم أهل القرآن أهل الله وخاصته» وعلى مقدار تحقيق مقومات أهل القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتأدبًا وتعلمًا وتعليمًا وعملاً يكون مقدار دخول العبد في أهلية الله وخاصته.
قال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين، فقد قلّ عملُه وعمي قلبُه وضيّع عمره.
واعلم أن الأنس بالله تعالى ذخيرةُ المؤمن عند احتدام الصعاب عليه واعتراك المحن لديه، وتأمل سير الأنبياء والمرسلين والمصلحين، ومن تيكَ المحن الشديدةَ محنةُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية رحمه الله تعالى حينما تحزّبَ أعداؤه عليه، من علماءِ السوء وأمراءِ السوء في مصر والشام حتى حبس السنين الطويلة ومات في سجنه وهو في أتمّ سرور وأبهجَ حبور!
 قال الغياني في محنته في مصر: فلما صلينا المغرب والوالي يريد إرساله لجهة هلاكٍ، بقيَ يدعو بدعاء الكرب، فأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، وأشرتُ إلى المحبوسين لينظروا ذلك، كأن وجهَهُ شمعٌ يجلوه مثلُ العروس، حتى إذا راق الليلُ جاء نائبُ الوالي فقال: باسم الله. فبقوا يودّعونه ويبكون.. وركب على باب الحبس فقال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر. فقال: بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازلٌ على قلبي من الفرح والسرور شيءٌ لو قُسِمَ على أهل الشامِ ومصرَ لفضُلَ منهم. ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقتُه ما أدّيت عُشْرَ هذه النعمة التي أنا فيها!
 وقال ابنُ القيم رحمهما الله: سمعت شيخنا شيخَ الإسلام ابنَ تيمية قدّس الله روحَه ونوّر ضريحه يقول: إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنعُ أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلتُ ملءَ هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله أي يكثرُ من الإلحاح على الله تعالى بهذا الدعاء الجامع.
وقال مرة: المحبوسُ من حُبس قلبه عن ربّه، والمأسورُ من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وتلا: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..
...........
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه...
عباد الله: اعلموا أنه لا يمنعُ الأنسُ بالله وحلاوةُ مناجاته من مخالطة الناس في الخير والإحسان، فأعظمُ الناس أُنسًا بالله تعالى هو نبينا محمد ﷺ، مع ذلك فلم يمنعه ذلك من مخالطة الناس واستصلاحهم والإحسان إليهم، بل قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
ومن وسائل تحقيقِ الأنسِ بالله تعالى: التوبةُ النصوح وإكثارُ الصالحات وتذكرُ الآخرة، فيا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، مَنْ خَطَر ذكرُ الرحيل بباله قنع بالبُلَغِ ولم يُباله. لابد والله من العبور إلى منزل القبور، يَسفي عليك الصَّبا والدَّبور، وأنت تحت الأرض تبور، آهٍ من طول الثبور بعد طيب الحبور.
قال يحيى بنُ معاذ: إذا أحب القلب الخلوة، أوصله حبُّ الخلوة إلى الأنسِ بالله، ومن أَنِسَ بالله استوحش من غيره.
قلت: ولا شكَّ أن الخلوةَ والعزلة مما يُعين على السير الصحيح؛ لذلك شُرع الله للمؤمن عزلةٌ كلَّ ليلةِ يناجي فيها ربه في قيام الليل، بل وفي الصلوات الخمس حين ينعزل بروحه مناجيًا ربه في صلواته، ثم شَرع الله له في كل سنة عشرة أيام يعتكف فيها منعزلاً عن الخلائق متعلقًا بربه لَهِجًا بذكره مُلِظًا بدعائه، مُلِحًّا باستغاثته واسترحامه واستغفاره واستلطافه.
ولا يزال العبد في حاجة لمثل هذه حتى يُحصّلَ الأنسَ بربه تعالى فيزهد عما سواه. كما قال ابن القيم: إن في القلب وحشةٌ لا يذهبها إلا الأنسُ بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة ــ وهي غاية الفقر ــ لا يُذهبها إلا صدقُ اللجوء إليه، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تذهبْ تلك الفاقةُ أبدًا.
أما العزلة التامة عن الخلق فهي ليست من الإسلام في شيء إلا في أزمنةِ الفتن، وعند خوف المرء على دينه أو نفسه أو أهله، فرهبانيةُ الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، فعن أبي سعيد الخدري ؓ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأسُ كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانيةُ الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض».
أما من انفرد عن الخلق بالكلية وانحاز إلى قُلَلِ الجبال وآثر التوحشَ عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل دون سببٍ آخرَ مُلجئ فقد سلك هديًا ليس بهدي النبي ﷺ، بل هو هدي الرهبان الذين ابتدعوا الرهبانية في دين المسيح عليه السلام (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) وخيرُ الهديِ هديُ رسول الله ﷺ.
ومن سبلِ الأنسِ بالله تعالى الإحسانُ إلى الخلق، ولو لم يكن إلا ما يُجازى به المحسن من انشراح صدره، وانفساحِ قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه عز وجل، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه سبحانه لكفاه فكيف والأمر أكبر من ذلك إذ هو سببٌ لتحصيلِ وَلاية الله تعالى ومحبته لعبده، (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).

اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه..

الأربعاء، 13 يوليو 2016

الشوق إلى الله تعالى

الشوق إلى الله تعالى
10|10|1437
لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، تعالى اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. سبحانك تفردت بالملك والجمال والجلال، سبحانك لا يبلغ وصفَك الواصفون، ولا يحيط بمدحك القائلون، أحطت بكل شيء علماً، وجعلت لكل شيء قدراً. سبحانك يا من لا تُواري منك سماءٌ سماءا، ولا أرض أرضاً ولا جبل ما في وعره، ولا بحرٌ ما في قعره. سبحانك يا من يعلم عدد قطر الأمطار، وورق الأشجار، ومكاييلَ البحار. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق. والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، ورسول الخير والنعمة، نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
أما بعد عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن الجنة هي دار المحبين، وأمنية المشتاقين، وموعد المؤمنين.
اشتاقت قلوب الصالحين إليها للقاء ربهم فيها، وقد وعدهم الكريم سبحانه: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)
معشر المشتاقين للقاء الرحمن: إن الشوق هو تَوَقان النفس إلى الشيء، فكلما أحبّت تحصيلَه كلما ازداد شوقُها إليه. والشوق قد يكون لمتع الحس وقد يكون للروح، وقد يكون لهما معًا، وأعلى الشوق هو الشوقُ إلى لقاء الله تعالى. ومن دعاء النبي ﷺ: « وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلّة».
عباد الله: كلما كان الشيء أحب، كانت اللذة بنيله أعظم، كما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقًا إليه.
وقال ابن القيم رحمه الله: ومن منازل: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ منزلة الشوق. قال الله تعال: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) وفي هذا تعزية للمشتاقين، وتسلية لهم، أي أنا أعلم أنّ من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إلي، فقد أجَّلْتُ له أجلاً يكون عن قريب، فإنه آتٍ لا محالة، وكل آت قريب. وفيه لطيفة أخرى، وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء.
لولا التعلُّلُ بالرجاء لقُطِّعَتْ ...  نفْسُ المحب صبابةً وتشوّقًا
ولقد يكاد يذوب منه قلبُهُ  ... مما يقاسي حسرةً وتحرُّقًا
حتى إذا رَوْحُ الرجاءِ أصابه ... سَكَنَ الحريقُ إذا تعلَّلَ باللقا
ولقد كان النبي ﷺ دائمَ الشوقِ إلى لقاء الله. والشوقُ أثر من آثار المحبة، وحكم من أحكامها، فإنه سَفَرُ القلب إلى المحبوب في كل حال.
وللشوق علامات، قال أبو عثمان: علامته حب الموت، مع الراحة والعافية، كحال يوسف لما أُلقي في الجُبّ لم يقل «توفني»، ولما أُدخل السجن لم يقل «توفني»، ولما تمَّ له الأمر والأمن والنعمة قال: «توفني مسلمًا».
والشوقُ إلى الله عز وجل لا ينافي الشوقَ إلى الجنة، فإن أطيب ما في الجنة قربُه تعالى، ورؤيتُه وسماع كلامه ورضاه.
وقد يقوى الشوق ويتجرد عن الصبر فيسمّى قلقًا، وقد يكره خلطة الخلق لما في ذلك من التنافر بين حاله وخلطتهم، وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس، لقوّة ما يَرِدُ عليه، فتبعتُهُ يومًا فلما أصحر تنفّس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر:
وأخرجُ من بين البيوت لعلَّني  ... أُحَدِّثُ عنك النفس بالسرِّ خاليًا
وصاحب هذا الحال إن لم يردّه الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوّة، وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم، وربما التذّ بالموت لرجاء اللقاء بربه كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه.
وليس عند القلوبِ السليمة والأرواحِ الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذَّ ولا أطيبَ ولا أسرَّ ولا أنعم من محبّته والأنسِ به والشوقِ إلى لقائه.
والحلاوةُ التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتمّ من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذّة، كما أخبر بعضهم عن حاله بقوله: إنه ليمرّ بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا؛ إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربًا بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف.
وَوَجْدُ هذه الأمور وذوقُها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسَب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل وإدراك المحبوب أتمَّ، والقرب منه أوفرَ؛ كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى.
فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب، وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعرف بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به، وكلما ازداد حبًا؛ ازداد عبودية وذلاً وخضوعًا ورقًّا له، وحريّة عن رق غيره.
فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن، إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له جميعَ ما يلتذ به من المخلوقات، لم يطمئنَّ إليها، ولم يسكنْ إليها، بل لا تزيده إلا فاقةً وقلقًا، حتى يظفرَ بما خُلق له وهُيّئ له، من كون اللهِ وحدَه نهايةَ مراده، وغايةَ مطالبه، فإن فيه فقرًا ذاتيًا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبودُه، ومحبوبه وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرًا ذاتيًا إليه من حيث هو ربُّه وخالقه ورازقه ومدبّره، وكلّما تمكّنت محبة الله من القلب وقويت فيه؛ خرج منه تألُّههُ لما سواه، وعبوديته له:
فأصبحَ حُرًّا عِزَّةً وصيانةً  ... على وجهه أنوارُه وضياءُهُ
وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبةٌ لله تعالى وطمأنينة بذكره، وتنعّم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنسٌ بقربه، وإن لم يُحسّ به، لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافِه إلى ما هو مشغولٌ به، فوجودُ الشيء غيرُ الإحساسِ والشعورِ به، وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصه، هو بحسب قوة الإيمان وضعفه، وزيادته ونقصانه.
والعبد في حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته، تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية مستترةً عنه متواريةً، أو ناقصة، أو ذاهبة، فإنها لو كانت موجودةً كاملة لما قدّم عليها لذّة وشهوة، لا نسبة بينها وبينها بوجهٍ ما، بل هي أدنى من حبةِ خردل بالنسبة إلى الدنيا وما فيها. ولهذا قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» لهذا تجد العبدَ إذا كان مخلصًا لله منيبًا مطمئنًا بذكره مشتاقًا إلى لقائه؛ قلبه منصرفًا عن هذه المحرمات، لا يلتفت إليها، ولا يعوّل عليها.
وقيل: الشوقُ أعلى الدرجات وأعلى المقامات، فإذا بلغها الإنسان استبطأ الموتَ، شوقًا إلى ربه، ورجاءً للقائه والنظرِ إليه.
وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلَها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل..﴾: هذه حالةُ المُنفقين أهلُ النفقات الكثيرة والقليلة كلّ على حسب حاله، وكل يُنمَّى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها، والمُنَمّي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها.
 فيالِله لو قدّر وجودُ بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم، وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمنَ ينظرُ إليه بعين بصيرة الإيمان، دائمٌ مستمر، فيه أنواع المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوسَ عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة، أترى ذلك زهدًا في الآخرة ونعيمِها، أم ضعفَ إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه؟!
وإلا فلو تيقّن العبد ذلك حق اليقين، وباشر الإيمانُ به بشاشةَ قلبه؛ لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت هِمَمُ عزائمه إليه، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات ولهذا قال تعالى: (والله بما تعملون بصير﴾ فيعلمُ عملَ كلِّ عامل، ومصدَرَ ذلك العمل، فيجازيه عليه أتمّ الجزاء.
انتبه لنفسك يا من كلما تحرّك تعرقل، فيك جوهرية السباق، ولكن تحتاج إلى رائض، قلبُك محبوسٌ في سجن طبعك، مقيّد بقيود جهلك، فإن ترنَّمَ حادٍ تنفَّسَ مشتاقٌ إلى الوطن، فالبس لَأمَةَ عزمك، وسر بجند جدك، لعلك تُخلِّصُ هذا المسلمَ من أيدي الفراعنة.
لك الحديثُ يا معرضُ، أنت المراد يا غافل، يا مُسْتلذًّا بَرْدَ العيش تذكّر حُرْقة الفرقة، يا من يُسْلِمُهُ موكَلان إلى موكَلين؛ ما لانبساطك وجهٌ، إنما تُملي عليهما رسالةً إلى ربك، وما أراكَ تمَلُّ قُبْحَ ما تُملي!
أين الذي نصبوا الآخرة بين أعينهم فَنَصَبوا، وندَبوا أنفسهم لمحو السيئات ونَدَبوا.
كان ثابت البُناني يستوحش لفقد التعبُّد بعد موته فيقول: يا رب إن كنتَ أذنت لأحدٍ أن يُصلي في قبره فائذَنْ لي. وكان يزيد الرَّقاشي يقول في بكائه: يا يزيدُ من يبكي بعدك عنك؟ من يترضّى ربَّك لك؟
لما علم المحبّون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه لتدوم العبادة.
كانوا يحبّون أماكن الذكر ومواطن الخلوة، والمؤمن أَلُوفٌ للمعاهد.
عباد الرحمن: إن أعظمَ مشوّق لله والدار الآخرة هو تدبرُ القرآنِ العظيم؛ ففيه وصفُ الجليلِ الجميل سبحانه، وذكرُ آلائه ونِعَمِه وآياته، وهو الـمَعينُ الثرُّ لزيادة الإيمان واستقرار اليقين وانشراح الصدر وسعادة القلب وهناء الحياة والممات، ومن داوم على قراءته وتدبره وتفهّمه والعمل به فلا تسل عن سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.
 بارك الله لي ولكم في كتابه وأنعم علينا بالقرب منه ورضوانِه، واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء والأموات فاستغفروه واسترحموه وأقبلوا إليه وارجوه.
..........
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه..
عباد الرحمن: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة مئةُ درجة أعدّها للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» رواه البخاري. وله عن أبي سعيد ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغُرَفِ فوقهم كما تتراءون الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابر في الأُفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغُها غيرهم! قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين». وعن أبي مالك الأشعري ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة غُرَفًا يُرَى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلّى بالليل والناس نيام»، أخرجه الطبراني، وأحمد. وعن أبي موسى ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجوّفة، طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يَرى بعضُهم بعضًا» متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ؓ أن النبي ﷺ قال: «أول زُمْرَةٍ تدخلُ الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءةً، ثم هم بعد ذلك منازلُ، لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، أمشاطُهم الذهب، ومجامِرُهم الأُلوَّة، ورشْحُهُم المسك، أخلاقُهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم آدم؛ ستون ذراعًا»، وفي رواية: «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبّحون الله بكرة وعشيًّا» وفي رواية: «وأزواجهم الحور العين».
وعن أنسٍ ؓ أن النبي ﷺ قال: «لقاب قوسِ أحدِكم أو موضع قدمٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء الجنة اطّلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفُها (يعني الخمار) خيرٌ من الدنيا وما فيها» رواه البخاري. وعن أنس ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لسُوقًا يأتونها كل جمعة، فتهبُّ ريح الشَّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالاً» رواه مسلم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ؓ أن النبي ﷺ قال: «قال الله عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون). وعن صهيب ؓ أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقّل موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا من النار؟ قال: فيكشفُ الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا لأقرَّ لأعينهم منه» رواه مسلم.
وله من حديث أبي سعيد الخدري ؓ أن الله يقول لأهل الجنة: «أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».

اللهم ارزقنا الخلد في جنانك، وأحِلَّ علينا فيها رضوانك، وارزقنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، من غير ضراءَ مضرَّة، ولا فتنة مضلة.. اللهم صل على محمد..

الخميس، 7 يوليو 2016

من سيرة ابن المبارك

من سيرة ابن المبارك
الحمد لله حمدًا لا يُحصَى عددُه، ولا ينقضي أمدُه، ولا ينفد مددُه، لك الحمد ربنا على نعمائك، ولك الشكر على آلائك، وأشهد أن لا إله إلا الله لا رادّ لقضائه، ولا مانع لعطائه، ولا محصي لنعمائه، وأشهد أن نبينا محمدَا عبده ورسوله، بعثه بالحنيفية السمحة والملة القويمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن سلك سبيله بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: إن مما يحيي موات القلوب وينعش الأرواح سيرُ الصالحين، فالنفوس مجبولة على التأسي بمن تحب والشوقِ لمنافسة من تعجبُ به، كيف إن كان المحبوب من سلف الأمة الصالح.
وسنقف اليوم متأملين جوانبَ من سيرة علمٍ شهير وبدرٍ من بدور الأمة منير، وهو ابنُ المبارك رحمه الله تعالى.
 عرف عنه الناس شديدَ خوفه من رب العالمين، وكثرة عبادته وتألهه، ولعله فيمن مدحهم ربنا سبحانه بقوله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء".
 وهذا هو العلم النافع، الذي يقود إلى خشية الله تعالى، ورحم الله ابن مسعود إذ يقول: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا.
وقال القاسم بن محمد: كنا نسافر مع ابن المبارك، فكثيرا ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي: بأي شيء فضل علينا هذا الرجل حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة، إن كان يصلي إنا لنصلي، ولئن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج، قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام نتعشى في بيت إذ طَفيءَ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج وأخذ يبحث عما يوقد به المصباح، فمكث هنيهة، ثم جاء بالسراج  فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع فقلت في نفسي: بهذه الخشية فضُلَ هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القبر والآخرة.
وقال سويد بن سعيد: رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال: اللهم إن ابنَ أبي المنوال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له" وهذا أشربه لعطش يوم القيامة.
وقال نعيم بن حماد: قال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة، فقال: لكني أعرف رجلا لم يزل البارحة يكرر: (ألهاكم التكاثر) إلى الصبح، ما قدر أن يتجاوزها، يعني نفسه.
وقال نعيم أيضا: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له: ألا تستوحش، فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلسُ معنا، قال: أجلس مع الصحابة والتابعين وأنظر في كتبهم وآثارهم فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس.
ويروى عنه رحمه الله أنه قال:
اغتنم ركعتين زلفـى إلى الله              إذا كنت فـارغـا مستـريحـا
وإذا ما هممت بالنطق بالباطل              فاجعل مكـانـه تسـبيـحــا
فاغتنام السكوت أفضـل من           خوض وإن كنت بالكلام فصيحا
قال نعيم: ما رأيت أعقل من ابن المبارك ولا أكثر اجتهادا في العبادة منه.
ومن كلامه رحمه الله: إن البُصراء لا يأمنون من خمسٍ: ذنبٍ قد مضى لا يدري ما يصنع فيه الرب عز وجل، وعمرٍ قد بقي لا يدري ما فيه من الهلكة، وفضلٍ قد أُعطي العبد لعله مكر واستدراج، وضلالةٍ قد زينت يراها هدى، وزيغِ قلبٍ ساعةً فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر.
قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق، يصير كأنه ثور منحور من البكاء، لا يجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء.
وكان رحمه الله مستجابَ الدعوة، قال أبو وهب: مر ابن المبارك برجل أعمى، فقال هل: أسألك أن تدعو لي أن يرد الله علي بصري، فدعا له، فرد عليه بصره وأنا أنظر.
ومن جوانب القدوة في حياة ابن المبارك رحمه الله: جهادُه في سبيل الله ابتغاء رضى الله عز وجل، فلم يغتر بعبادته فيتركَ الجهاد، وكان ينصح أصحابه ألا تقطعهم العبادة عن الجهاد، فكتب إلى الفضيل بن عياض رحمه الله قائلا:
يا عـابد الحرمين لو أبصرتنـا           لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعـه              فنحورُنـا بدمائنـا تتخضب
أو كان يُتعب خيلـه في باطـل             فخيولنا يوم الصبيحـة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنـا           رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقـد أتانـا من مقـال نبينـا                قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبارُ خيل الله فـي            أنفِ امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتـاب الله ينطـق بيننـا               ليس الشهيـد بميت لا يَكذب
مع التنبيه إلى إن الجهاد في سبيل الله عبادة، والعبادة لا تصح إلا بشرطين هما الإخلاص واتّباع السنة، فلا يكفي الإخلاص مادام المرء مخالفًا للسنة، وكم من مدعٍ للجهاد في هذا الزمان والله أعلمُ بحاله، فالأمر خطير يا عباد الله، فالروح واحدة والحياة واحدة فلا يحملنكم الحرص على الخير وحب الشهادة في سبيل الله على تجاوزِ التثبت من كون السبيلِ سبيلَ سنة وهدى لا ضلالة ومعصية.
وفي شأن ابن المبارك قال عبيدة: كنا سريةً مع ابن المبارك في بلاد الروم فصاففنا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز، فخرج إليه رجل فبارزه ساعة فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبدُ الله بن المبارك، وإذا هو يكتمُ وجهه بكمّه، فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا!
وقال ابن سنان: كنت مع ابن المبارك ومعتمرِ بنِ سليمانَ بطرسوس فصاح الناس: النفيرَ، فخرج ابن المبارك والناس، فلما اصطف الجمعان، خرج رومي، فطلب البراز، فخرج إليه رجل، فشد العلج عليه فقتله، حتى قتل ستة من المسلمين وجعل يتبختر بين الصفين يطلب المبارزة ولا يخرجُ إليه أحد، فالتفت إلي ابن المبارك فقال: يا فلان، إن قُتلت فافعل كذا وكذا، ثم حرك دابته وبرز للعلج فعالجه ساعة فقتل العلج وطلب المبارزة، فبرز له علج آخر فقتله، حتى قتل ستة علوج وطلب البِراز، فكأنهم كاعوا عنه، أي جبنوا وتهربوا فضرب دابته وطرد بين الصفين، ثم غاب، فلم نشعر بشيء، فإذا أنا به في الموضع الذي كان، فقال لي: يا عبد الله لا تحدث بهذا أحداً وأنا حي فذكره عبد الله بعد موته.
وقال محمد بن الفضيل بن عياش: رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: أي العمل أفضل؟ قال: الأمر الذي كنتُ فيه، قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم، قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة.
اللهم بصرنا بعيوبنا، وقنا شر أنفسنا وارحم ضعفنا واجبر كسرنا وأصلح فساد قلوبنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.
إن في سيرة ابنِ المبارك دروسٌ عظيمة للتجار وأصحاب الأموال.
أولُها: النية الصالحة في طلب المال، فقد كان ابن المبارك ينوي بتجارته الإنفاقَ على المساكين والإنفاقَ على إخوانه، والقيامَ بحاجات أهلِ العلم ليتفرغوا لبث علمهم في الناس. وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مئة ألف درهم.
قال الذهبي رحمه الله: بلغنا أنه قال للفضيل: لولاك وأصحابُك ما اتجرت.
وعوتب فيما يفرق من المال في البلدان دون بلده فقال: إني أعرف مكان قومٍ لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه، ولحاجةِ الناس إليهم احتاجَوا، فإن تركناهم ضاع علمُهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد، لا أعلم بعد النبوة أفضلَ من بث العلم.
كان ينفق بسخاءٍ ولا يتعلق قلبُه بالمال، بل يقضي به حاجاتِ المكروبين ودينَ المدينين، جاءه رجل فسأله أن يقضي دينا عليه، فكتب إلى وكيل له، فقال الوكيل للمدين: كم الدينَ الذي سألتَه قضاءَه، قال: سبعُ مئة درهم، وإذا عبدُ الله قد كتب له أن يعطيَه سبعة آلاف درهم، فراجعه الوكيل وقال: إن الغلات قد فنيت، فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلات قد فنيت فإن العمر أيضا قد فني، فأجز له ما سبق به قلمي.
كان رحمه الله متفقداً لإخوانه وتلاميذه ويكثرُ النفقة عليهم، وقد ضرب المثل في الإخلاص في تفقد حوائجهم ومشاكلهم ولا نزكيه على الله، قال ابنُ عيسى: كان ابنُ المبارك كثيرَ الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرَّقة في خان، فكان شاب يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث. فقدم عبد الله مرة فلم يره، فخرج في النفير مستعجلا، فلما رجع سأل عن الشاب، فقيل: محبوس على عشرة آلاف درهم، فاستدل على الغريم، ووزن له عشرة آلاف، وحلّفه ألا يخبر أحدا ما عاش، فأُخرج الرجل.
وسار ابن المبارك، فلحقه الفتى على مرحلتين من الرَّقة، فقال له: يا فتى أين كنت، لم أرك؟ قال: كنت محبوسًا بدين، قال: وكيف خَلَصْت قال: جاء رجل فقضى ديني ولم أدر، قال: فاحمد الله، ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبد الله.
وقال ابن شفيق: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق، ويقفلُ عليها، ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد بأحسن زِيٍّ وأكملِ مروءة حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرَفِها فيقول: كذا وكذا،، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا قضوا حجهم، قال لكل واحد منهم: ما أمر عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة، فيقول كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فيجصصَّ بيوتَهم وأبوابَهم، فإذا كان بعد ثلاثةِ أيام عمل لهم وليمة وأرسل إليهم، فإذا أكلوا وسُرُّوا دعا بالصندوق، ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته عليها اسمَه.
وكان يقول: ليكن مجلسُك مع المساكين وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة.
لقد كان ابنُ المبارك إنسانًا مباركًا، وإماما ربانيا يُقتدى به، ليس في حياته فقط، بل مازال واعظا لنا بسيرته ووصاياه وهو تحت أطباق الثرى. قال أحد الفضلاء:
مررت بقبر ابن المبارك غـدوة         فأوسعني وعظا وليس بنـاطق
وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي     غنيا وبالشيب الذي في مفـارقي
ولكن أرى الذكرى تنبـه عاقـلا      إذا هي جاءت من رجال الحقائق

اللهم صل وسلم وبارك على محمد وأله وصحبه.